نون وياء

حروفٌ نُسجت من وهج الروح، لا تنطق إلا بلغة القلب، لتُبحر بنا في يمٍّ من الشعور. "نون وياء" ليست مجرد قصائد، بل هي شهقاتٌ مكبوتة، ورقصةٌ حزينة لقصاصاتِ أملٍ مبعثرة، تتشظى بين أضلع الواقع. هنا، تتجسد "نيران منعم الشبيب" في صوتٍ عميق، يصدح بصدىً قعريٍّ، يغوص في أغوار النفس ليُخرج منها ما جفّت به الأيام. تتراقص الكلمات على إيقاعِ ريحٍ تحملُ أسرارًا، وتُغربلها شفاهٌ تقتاتُ شغفَ المفردات. في زحمةِ الطرقاتِ المبلولة بالصمت، تُسائِلُ الشاعرةُ الريح، عن سرِّ الرسوِّ على موانئ الأحلام، وعن اقتياتِ الكلماتِ في رحلةِ البحثِ عن الذات. هي دعوةٌ مفتوحةٌ لعالمٍ تتشابك فيه المشاعر، ويتجلى فيه الجمالُ حتى في أشدِّ لحظاتِ الألم. نون وياء
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhwuRwc6_uSOF8tQrilSjCS1UmqN8ptUTyjTqRBIVeHbBJh0KJ8-pvHUbNoEuEqlfczpEbTjk7uj5bZnhG2N7DmpJvJFT9D0KoMzetoj4XZCFLStdv8AYerlas3POFgIa7k4VBm-ehtL5TWvgCV6fz6u9JG9TMOliPLlqFyDCdOXXrvwztI6DN0oAAvPQI/s320/182.jpg

حروفٌ نُسجت من وهج الروح، لا تنطق إلا بلغة القلب، لتُبحر بنا في يمٍّ من الشعور. "نون وياء" ليست مجرد قصائد، بل هي شهقاتٌ مكبوتة، ورقصةٌ حزينة لقصاصاتِ أملٍ مبعثرة، تتشظى بين أضلع الواقع. هنا، تتجسد "نيران منعم الشبيب" في صوتٍ عميق، يصدح بصدىً قعريٍّ، يغوص في أغوار النفس ليُخرج منها ما جفّت به الأيام. تتراقص الكلمات على إيقاعِ ريحٍ تحملُ أسرارًا، وتُغربلها شفاهٌ تقتاتُ شغفَ المفردات. في زحمةِ الطرقاتِ المبلولة بالصمت، تُسائِلُ الشاعرةُ الريح، عن سرِّ الرسوِّ على موانئ الأحلام، وعن اقتياتِ الكلماتِ في رحلةِ البحثِ عن الذات. هي دعوةٌ مفتوحةٌ لعالمٍ تتشابك فيه المشاعر، ويتجلى فيه الجمالُ حتى في أشدِّ لحظاتِ الألم.

نون وياء شعر 182 124 يناير 2019 yes 201091985809 نيران منعم كاتبة عراقية

تنبثق نيران منعم الشبيب في ديوانها "نون وياء" من تلك المنطقة الرمادية التي تسبق الانفجار، حيث الكلمة هي الملاذ الأخير لروح تأبى أن تبتلعها عتمة الواقع. تبدأ الشاعرة نصها بطقس جنائزي مهيب، تهدي فيه عصارة وجدها إلى وجوه ذبلت في مهب القدر، وإلى أب جعل من صلاته برداً لنيارانها، وأم تحرس جثة الحياة بمظلة الصبر. إنها تكتب لا لتوثق الأحداث، بل لترمم الصدوع التي خلفتها الحروب في جدار النفس البشرية، مستعيرةً من الحروف جسداً بديلاً لوطن أثخنته الجراح. تقف الشاعرة في هذا العمل موقف الرائية التي تبصر ما وراء الغبار، فتجعل من "النون" و"الياء" طرفي خيط الوجود الذي ينسج حكاية امرأة لم تدرك بعد نصفها الآخر، لكنها أدركت تماماً كيف تصرخ بحراً، وكيف ترسو حمامة على مرافئ أحلامها الموءودة.

تتجلى في ثنايا القصائد فوضوية الحرب كوحش ينهش خاصرة الأب الراقد على أرصفة الحلوم، فالحرب هنا ليست جبهات وقتالاً فحسب، بل هي "مهزلة ساسة" تطحن سنابك الأيام وتترك خلفها أيتاماً وأرامل يلوحون من تحت السجف. تبرز صورة الجدة التي جُنت وهي تعقد جديلتها بطرف خرصان، باحثة عن ريح قلبها المغدور في دجلة الذي جف ماؤه، لتتحول المشاعر إلى غيل من الأسى. هذا النص لا يهادن الوجع، بل يواجهه بصدر عارٍ، مستحضراً مرارة الفقد في أربعة إخوة تتقيأهم المنايا، وصيحات استغاثة تضيع في وادي "شيبة الصبر". إنها لغة تقطر ندماً وأملاً في آن واحد، تشبه في كبريائها نصيحة الفيلسوف نيتشه بأن على المرء أن يحمل الفوضى في داخله ليلد نجمة راقصة، ونيران هنا تلد نجومها من عتمة القهر العراقي المعتاد.

يتحول السطر الشعري لدى الشبيب إلى "رمضاء ثغر" تسقيها سحائب الحزن، حيث يغفو المداد على أهازيج لم تكتمل، وتتساءل الذات القلقة عما إذا كانت الشمس تزور دجاها أم أن البحر يشتهي الفرات الذي ماج وكمم الأضلع. في قصيدة "زحمتي"، تبلل الطرقات صمتها بقرص أجراس الكلمات، بينما تظل الريح تخبئ أحجيتها في لحن ممشوق الخطا يمر فجراً ويسدل ليلاً. الشاعرة تسرد سيرة "خشف اليأس" الذي يجر الآهات كفنًا ينهي سقمه، في وطن يشرب فيه المرء القذى من عين الجراح، ويقتات الشهيد على غنائم حرب لم يجنِ منها سوى العدم. ومع ذلك، يظل هناك "نبض صادق اخترمه الحروف"، يحاول أن يعصم النزق الأخير من الانحدار نحو الهاوية المطلقة، باحثاً عن ربيع يلبس القصيدة حلة من ضياء منزوع الوريد.

تصل التجربة ذروتها في محاولة "رسملة الحلم"، حيث تسوق الشاعرة رعشة الأمل في الصفائح الثكلى، وترسم بـ "بسملة" صادقة هيعة قلب أذكاه القدر. نجدها في "جرعة حب" تعيد ترتيب حياتها، تجر القمر براحتيها لتغسل وجه طفل رسم خارطته تحت ظل منكسر، مؤكدة أن الانكسار ليس قدرًا حتميًا بل هو محطة للعبور نحو "البيت الثاني" من بحر الحكاية. تنتهي النصوص بليلة لم تنم فيها الشمس، حيث يولد السلام حبوًا من رحم المعاناة، ويشعل الفجر ليقتل الخرافة طمسًا. إن ديوان "نون وياء" هو نتاج روح عصرتها المسافات، وحاولت أن تجعل من القهوة والصباح المثقل بالخطوات صحيفة لم تُقرأ بعد، لكنها كتبت بمداد من نور ونار، لتظل شاهداً على كرامة الموت وسوءة الحياة التي تأبى إلا أن ترتدي معطف الحزن وتعاتب ليلاً سقطت أحلامه كأوراق الشجر.