حرب الشبكات: حين تُصبح حرية الإنترنت ساحةَ معركة

... مشاهدة
Cover Image
حرب الشبكات: حين تُصبح حرية الإنترنت ساحةَ معركة

ثمة حروب لا تُشنّ بالمدافع ولا تُعلَن في النشرات الرسمية — تندلع في محاكم هادئة، وعلى طاولات اجتماعات يحضرها محامون وعلماء ومشرّعون، وصوتها ليس دويّ انفجار بل صرير أقلام توقّع على وثائق قانونية. معركة الأمان الرقمي التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم من هذا النوع تماماً. ظاهرها نزاع حول قانون

ثمة حروب لا تُشنّ بالمدافع ولا تُعلَن في النشرات الرسمية — تندلع في محاكم هادئة، وعلى طاولات اجتماعات يحضرها محامون وعلماء ومشرّعون، وصوتها ليس دويّ انفجار بل صرير أقلام توقّع على وثائق قانونية. معركة الأمان الرقمي التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم من هذا النوع تماماً. ظاهرها نزاع حول قانون وصلاحيات، وباطنها سؤال أعمق بكثير: من يملك الحق في تشكيل الفضاء الرقمي الذي باتت فيه حياة المليارات?

المواجهة القائمة بين مجموعة من الباحثين التقنيين وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) ليست مجرد خلاف سياسي على هامش الأحداث. هي لحظة فارقة تُعيد طرح أسئلة ظننا أننا أجبنا عنها منذ زمن: هل الإنترنت فضاء عام يخضع للرقابة السيادية، أم أنه بنية مفتوحة تشترك في صيانتها مجتمعات بحثية مستقلة؟ والإجابة — أياً كانت — ستُحدّد معالم العالم الرقمي للعقد المقبل.


القانون الذي أشعل الفتيل

تقدّمت إدارة ترامب بمقترحات تشريعية تهدف — بحسب مؤيديها — إلى تقليص انتشار المعلومات المضللة والمحتوى المحرّض عبر منصات التواصل الاجتماعي (social media). الفكرة في مظهرها لا تبدو مثيرة للجدل؛ فأيّ مجتمع يتطلع إلى بيئة رقمية نظيفة وآمنة. غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل دائماً.

ما يرفضه الباحثون المنضوون تحت لواء تحالف "أبحاث التكنولوجيا المستقلة" (Coalition for Independent Technology Research) ليس فكرة الأمان الرقمي بحدّ ذاتها، بل الآليات التي يُقترح تطبيقها. فالتشريع المقترح — بصياغته الراهنة — يفرض قيوداً على طريقة وصول الباحثين إلى بيانات المنصات الرقمية الكبرى وتحليلها، وهو ما يعني عملياً إسدال ستارة كثيفة على الأدوات التي يستخدمها هؤلاء لفهم كيف تنتشر المعلومات المضللة وكيف تتشكل فقاعات المحتوى وكيف تعمل خوارزميات (algorithms) التوصية. والأمر المفارق هنا أن تقليص أدوات الفهم هذه سيُعيق — لا يُحسّن — القدرة على مكافحة التهديدات الرقمية الحقيقية.


علم مكبَّل

يميل كثيرون إلى تصوير الباحثين التقنيين بوصفهم تقنيين باردين يعيشون بعيداً عن السياسة. بيد أن المشهد الفعلي مختلف. هؤلاء الباحثون — الذين رفعوا دعواهم أمام المحاكم الفيدرالية — يعملون في ميدان يتقاطع فيه العلم مع الحقوق المدنية، ويرون في القيود المفروضة عليهم تهديداً مزدوجاً: للمعرفة أولاً، وللمجتمع ثانياً.

حين يُحظر على باحث تحليل كيف تنتشر نظرية مؤامرة عبر شبكة اجتماعية بعينها، فهو لا يُحرم من بيانات فحسب — يُحرم من القدرة على فهم الظاهرة وبالتالي من القدرة على اقتراح حلول حقيقية. الأمر يشبه تكبيل يدَي طبيب الطوارئ ثم مطالبته بإنقاذ المريض. والنتيجة المنطقية لذلك ليست حماية أكثر بل مخاطر أكبر — تهديدات رقمية تنمو في الظلام بعيداً عن أعين من يملكون أدوات تشخيصها.

الباحثة كيت ستارد (Kate Starbird) من جامعة واشنطن (University of Washington)، المتخصصة في دراسة انتشار المعلومات المضللة، وصفت هذه القيود بأنها تضرب في صميم القدرة المجتمعية على الدفاع عن نفسها رقمياً — وهي صورة لا تفتقر إلى الدقة.


معركة بجذور فلسفية قديمة

ما يبدو اليوم نزاعاً قانونياً تقنياً هو في حقيقته امتداد لجدل فلسفي يمتد لقرون. أين ينتهي حق الدولة في حماية مواطنيها وأين تبدأ حرية الفرد في الوصول إلى المعلومات والتعبير؟ جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) طرح نسخة مبكرة من هذا السؤال حين قال إن حرية الفكر ليست امتيازاً للأفراد بل ضرورة للمجتمع برمّته — لأن المعرفة لا تنمو إلا في فضاء مفتوح تُتحدّى فيه الأفكار وتُختبر.

اليوم، ينتقل هذا الجدل إلى أرض جديدة. الإنترنت ليس مجرد وسيلة اتصال — هو البنية التحتية للنقاش العام، للتعليم، للصحافة، للعلم، وللاقتصاد. والتشريعات التي تُقيّد تدفق المعلومات فيه لا تُشبه تنظيم حركة المرور في شارع عادي؛ تُشبه أقرب إلى وضع حواجز وسط ميدان عام لطالما اتكأت عليه الحضارة الحديثة في تنظيم حواراتها.

وما يزيد المسألة تعقيداً أن هذه التشريعات لا تعمل في فراغ. حين تُقيّد الولايات المتحدة — الدولة التي تحتضن معظم المنصات الرقمية الكبرى — حرية البحث فيها، فإن أثر ذلك يتجاوز حدودها الجغرافية ليطال كل مستخدم في كل مكان.


المستقبل الذي نبنيه الآن

ما يجعل هذه القضية أكثر من مجرد خبر عابر هو أنها تحدث في لحظة تاريخية دقيقة. تقنيات الذكاء الاصطناعي (artificial intelligence) تُعيد تشكيل آليات نشر المحتوى وتضخيمه بسرعة تفوق قدرة أي تشريع تقليدي على مواكبتها. والباحثون الذين يُكبَّلون اليوم هم بالضبط من يمتلكون الأدوات المنهجية لفهم هذه التحولات.

أمام هذا الواقع، يثور سؤال لا مناص من مواجهته: هل نبني حوكمة رقمية (digital governance) تستند إلى فهم علمي مستقل وشفاف، أم نبني جدراناً تُقيّد هذا الفهم بحجة الأمان، فتُنتج في النهاية أماناً وهمياً وجهلاً حقيقياً؟

الإجابة لن تصدر من محكمة وحدها، ولا من إدارة بمفردها. تتشكّل الآن — في مختبرات بحثية، وقاعات تدريس، ونقاشات مجتمع مدني لم يُعلَن عنها على الصفحات الأولى، لكنها ستُحدّد كيف يبدو الفضاء الرقمي بعد عقد من اليوم.

المصدر: https://www.technologyreview.com/2026/05/21/1137632/lawsuit-trump-administration-online-safety-coalition-for-independent-technology-research/