شيفرة نيولا: الفن الذي يتنبأ بكوارث المستقبل

... مشاهدة
Cover Image

هل سبق لك أن وقفت أمام لوحة فنية وشعرت برعشة لا تفسير لها، كأن الألوان تهمس لك بخبرٍ لم يحدث بعد؟

إن الفن لم يكن يوماً مجرد محاكاة للواقع، بل هو في أرقى تجلياته راداراً كونياً يلتقط ذبذبات المستقبل قبل أن تتجسد في عالمنا المادي.

 نحن لا نتحدث هنا عن المصادفات، بل نتحدث عن "شيفرة نيولا" Neola Code، ذلك الخيط الرفيع الذي يربط خيال الفنان بنبوءات فنية وأدبية سبقت الكوارث الكبرى بقرون.

إذن، لنسأل السؤال الذي يخشاه الكثيرون: هل الفنان مجرد مبدع، أم هو وسيط يرى ما لا نراه؟


تيتان قبل تيتانيك: حين يكتب الأدب سيناريو الموت

قبل أربعة عشر عاماً من اصطدام السفينة الأسطورية تيتانيك بجبل الجليد، كتب الروائي مورجان روبرتسون رواية قصيرة بعنوان العبثFutility ، لكن الغريب أن القصة لم تكن مجرد تشابه، بل كانت نسخة كربونية مرعبة.

سفينة ضخمة تدعى تيتان، توصف بأنها غير قابلة للغرق، تصطدم بجبل جليدي في المحيط الأطلسي في ليلة من ليالي أبريل، ويموت أغلب ركابها بسبب نقص قوارب النجاة.

كيف لروائي مغمور أن يحدد الاسم والمكان والزمان والسبب بدقة مذهلة؟

فهل كان روبرتسون يتنبأ، أم اخترق حاجز الزمان واستطاع سحب ملف من المستقبل ووضعه في قالب أدبي.

هذه هي "شيفرة نيولا" في أبسط صورها؛ حين يسبق الحبر الواقع، ويصبح الخيال هو المسودة الأولى للتاريخ.


فان جوخ: الرسام الذي لوّن الاضطراب الجوي قبل اكتشافه


بعيداً عن الحوادث المادية، لننظر إلى فينسنت فان جوخ، وتحديداً في لوحته الشهيرة "ليلة مرصعة بالنجوم"

لقد رسم فان جوخ دوامات في السماء اعتبرها النقاد تعبيراً عن جنونه واضطرابه النفسي، لكن وبعد عقود طويلة، حين حلل علماء الفيزياء هذه اللوحة رقمياً، اكتشفوا صدمة كبرى وهي أن جوخ رسم بدقة رياضية مذهلة ظاهرة التدفق المضطرب Turbulent Flow في السوائل والغازات، وهي ظاهرة فيزيائية معقدة لم يتم توصيفها رياضياً إلا بعد وفاته بسنوات طويلة.

فهل كان فان جوخ مجنوناً؟ أم كان يمتلك بصراً يخترق جزيئات الهواء ليرى كود الرياح والضوء؟

إن إبداعه في هذه اللوحة تحديداً لم يكن مجرد فن، بل كان نبوءة فيزيائية جسدت اضطراب الكون قبل أن يمتلك العلم الأدوات لوصفه.


الأدب الديستوبي: أورويل وهاكسلي، وحتمية المراقبة

وإذا انتقلنا إلى القرن العشرين، سنجد أن روايتي "1984" لجورج أورويل و"عالم جديد شجاع" لألدوس هاكسلي، لم تكونا مجرد قصص خيالية عن المستقبل المظلم، فاليوم، ونحن نعيش في عصر الخوارزميات والمراقبة الجماعية والتلاعب بالجينات، ندرك أن هؤلاء الكتاب لم يكونوا يتخيلون، بل كانوا يقرؤون المخطط الأصلي لما ستؤول إليه البشرية.

فقد تنبأ أورويل بـ "الأخ الأكبر" في زمن لم يكن فيه التلفاز قد دخل كل بيت، وهاكسلي تنبأ بتنميط البشر بيولوجياً قبل اكتشاف الحمض النووي (DNA) بسنوات، وكأنهما فهما مبكراً أن السلطة والمعرفة يسيران نحو هدف واحد هو التحكم المطلق، وكأنها كتاباتهما كانت صرخة تحذير من كارثة الهوية التي نعيشها الآن.


لوحات دالي، وانفجار الذرة


سريالية "سلفادور دالي" لم تكن عبثاً، بل كانت انعكاساً مرعباً لعصر الذرة، ففي لوحته "تفكك إصرار الذاكرة"، نرى عالماً يذوب ويتجزأ إلى مكعبات وجزيئات.

فقد رسم دالي هذه الرؤية الكابوسية عن تفتت المادة قبل أن تدرك البشرية معنى الانشطار النووي وآثاره التدميرية.

دالي كان يرى النيورونات والذرات في خياله قبل أن تصبح عناوين في الصحف العالمية، ما يُثبت أن قدرة الفنان على تفكيك الواقع وإعادة تركيبه هي في الحقيقة قدرة على رؤية النهايات، ويؤكد على أن الفن يعمل كمنبه للضمير البشري، ويخبرنا بأن ما نبنيه في المعامل قد يكون هو حريق الإسكندرية الجديد الذي سيأكل الأخضر واليابس.


الفن وتكنولوجيا الأقدمين، العودة للمستقبل

إن شيفرة نيولا تمتد لتشمل الفنون القديمة أيضاً، فالنقوش التي نراها في معابد أبيدوس، والتي تشبه الطائرات والغواصات.

فهل هي مجرد باريدوليا (توهم بصري)، أم أنها فن تنبأ بعودة تكنولوجيا مفقودة؟

ويبدو أن الفنان القديم كالفنان المعاصر، كان يستمد إلهامه من ذات النبع الكوني، ربما كان يرى المستقبل كذكرى من ماضٍ سحيق، وهذا التداخل الزمني يجعل الفن هو الآلة الوحيدة التي تسمح لنا بالسفر عبر الزمن.


لغز الرجل الصبار، وصرخة مونيخ الصامتة

إذا أردنا الحديث عن شيفرة نيولا في أقصى تجلياتها المرعبة، فلا يمكننا تجاوز لوحة "الصرخة" لإدفارد مونك، فلسنوات، ظن العالم أنها مجرد تعبير عن القلق الوجودي، لكن الدراسات الحديثة حول التغير المناخي والظواهر الجوية الغريبة بدأت تنظر للوحة بمنظار مختلف.


فالسماء الحمراء الدامية التي رسمها مونك لم تكن خيالاً، بل كانت وصفاً دقيقاً لظاهرة السحب الستراتوسفيرية القطبية التي ظهرت بعد انفجار بركان كراكاتوا.

مونك لم يرَ فقط أثر البركان، بل التقط الصرخة الكونية للطبيعة التي تتعرض للانتهاك.

الفن هنا تنبأ بانهيار العلاقة بين الإنسان والبيئة قبل قرن لتبقى هذه اللوحة إنذار أحمر لم نستفق من سكرته إلا حين بدأت السماء تحترق فعلياً بملوثاتنا.

فهل كان مونك يرسم جنونه، أم كان يرسم احتضار العالم؟


أطلانطس في الأدب، حلم قديم أم ذكرى مستقبلية؟

في أروقة البحث نجد أن ذكر القارات المفقودة مثل أطلانطس في الأدب العالمي (من أفلاطون إلى روايات القرن التاسع عشر) يحمل شيفرة عجيبة، فكلما اقتربت البشرية من ذروة تكنولوجية معينة، ازداد إنتاج الفنون التي تتحدث عن الغرق والدمار الحضاري.

هذا التزامن يشير إلى أن الوعي البشري يمتلك ترمومتراً داخلياً، وعندما نصل إلى مستوى معين من العبث بالطبيعة، يبدأ الفنانون في استحضار صور الغرق الجماعي، أي أن الفن هنا لا يتنبأ بكارثة خارجية، بل يتنبأ بتكرار النمط.


ولكن لماذا يختار القدر الفنانين تحديداً ليكونوا رسل التحذير؟

الإجابة تكمن في الحساسية الفائقة، فالفنان هو كائن يمتلك جهازاً عصبياً ممتداً خارج جسده، فيشعر بالتوترات في النسيج الاجتماعي والكوني قبل أن تتحول إلى أحداث ملموسة.

وعندما يبدأ فنان ما برسم الكوابيس، فهذا يعني أن الوعي الجماعي قد بدأ بالفعل في استشعار الكارثة.

الفن إذن هو نظام الإنذار المبكر للبشرية، وحين نتجاهل صرخة فنان أو رمزية قصيدة، فنحن في الحقيقة نتجاهل رسالة مشفرة من المستقبل تحاول إنقاذنا من أنفسنا.

واليوم، ونحن نصنع صوراً ونصوصاً عبر الخوارزميات، هل نحن بصدد خلق شيفرة نيولا جديدة؟ إن الصور الديستوبية التي يولدها الذكاء الاصطناعي اليوم قد تكون هي الواقع الذي سيعيشه أحفادنا.

الفارق الوحيد هو أن الفنان البشري كان يمتلك روحاً تبكي وهي تحذر، أما الآلة فهي ترسم لنا نهايتنا ببرود رقمي مخيف.

إن شيفرة نيولا ليست سحراً، بل هي الاستبصار في أسمى صوره، فالفن هو تلك العين الثالثة التي ترى خلف حجاب الزمن، وسواء كان حريقاً في الإسكندرية، أو غرقاً لسفينة، أو انفجاراً لذرة، فالفن كان دائماً هناك، يصرخ في الوادي، وينتظر من يفهم الرمز.

إنه يخبرنا دوماً بأن التاريخ دائري، وأن الروايات التي تتحدث عن فناء الحضارات المتقدمة هي في الحقيقة رسائل تحذيرية موجهة لنا نحن سكان القرن الحادي والعشرين لكيلا نكرر ذات الخطيئة العلمية التي أغرقت الأقدمين.

ولا يمكننا حصر شيفرة نيولا في اللوحات والكتب القديمة فقط؛ فالسينما المعاصرة أصبحت هي الوسيط الأقوى.

تأمل أفلاماً مثل Contagion (عدوى)، والذي صدر قبل عقد من جائحة كورونا، أو فيلم The Truman Show الذي تنبأ بعصر تلفزيون الواقع والسوشيال ميديا، حيث الجميع مراقب والجميع يمثل.


The Truman Show


السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه الأفلام تتنبأ بالمستقبل، أم أنها تجهزه؟

في علم النفس الاجتماعي ثمة مصطلح يسمى "البرمجة التنبؤية"، حيث يتم عرض أفكار معينة في القوالب الفنية لكي يتقبلها العقل البشري حين تقع فعلياً، وعليه فالفن هنا يتحول من رادار إلى مخطط بناء.

وحين نعود إلى الفنون الشرقية القديمة، نجد رسومات الماندالا التي تمثل هندسة الكون، وهي رسومات مذهلة تعود لآلاف السنين، وتتطابق في هيكليتها مع صور الرنين المغناطيسي لتركيب الخلايا العصبية أو حتى شكل المجرات.

كيف عرف الفنان القديم كود البناء الكوني دون تلسكوب أو مجهر؟

إنها شيفرة نيولا في شكلها الهندسي، فالفن هو اللغة التي يتحدث بها الكون معنا قبل أن نتقن لغة الأرقام والمعادلات، وهذه الرموز في الفن الحديث قد تكون المفتاح لاستعادة الاتصال المفقود مع الطبيعة، وربما لتجنب الكوارث التي رسمها لنا الفنانون المعاصرون في لوحاتهم السوداوية.

ولكن إن كان الفن قد تنبأ بالكوارث، فإن لديه أيضاً القدرة على التنبؤ بالخلاص، أي أننا بحاجة إلى فن استباقي يرسم مدناً فاضلة، وتكنولوجيا رحيمة، وعلاقات إنسانية تتجاوز صراع الآلات لتصبح مهمتنا كسر شيفرة نيولا السلبية واستبدالها بشيفرة البناء والبعث.

ملاحظة:

نيولا هي شركة تعمل على تطوير منصة تعلم عميق Deep Learning تُسمى دماغ نيولا The Neurala Brain، وهي مستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري.