حكايا منتصف الليل

تتسلل حكايات منتصف الليل عبر دروب الذاكرة، تحمل أصداء أرواحٍ تتقلب بين الألم والأمل. في بيوت الصفيح، تتجسد قسوة الواقع في صورٍ تستدعي براءة الطفولة المذبوحة، وامرأةٌ ترسم أحلامها على جدرانٍ من هشاشة. ثم تنتقل بنا الأقدار إلى أروقة الوفاء، حيث يتربع الواجب كتاجٍ على هامة رجلٍ فقد أمه، ليصبح أمًا وأبًا لأشقائه الصغار، ينسج من خيوط الصبر قماشًا يحضنهم في وجه رياح الحياة العاتية. وفي زوايا أخرى، تتكشف هشاشة القلب أمام عواصف الحب، فتجرّب "إيمان" مرارة السقوط، لتجد نفسها في متاهةٍ تعيدها إلى نقطة البداية، متسائلةً عن معنى القدر وجدوى التشبث بالأحلام. كل قصةٍ في هذه المجموعة هي نافذةٌ تطل على عمق التجربة الإنسانية، بريشةٍ ترسم التفاصيل بعينٍ ترى ما وراء الظاهر. حكايا منتصف الليل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgMjiye8svfO9Rftr5UNzivoW129r7swtHfy__Laa-dgj7cN65NUAcDRr4qXEqMXhFAbAGdAAyOTg10wAg15bky2hXmhJnT2zrUwLNINwb7olKUKJedMRurx-w6RVb6T0gjPTHK8XNw-vxJ78ZrAuFhXPhZUQXi53O5Pjl2pqIDIJ8M9EfTDONIGvhuQi4/s320/198.jpg

تتسلل حكايات منتصف الليل عبر دروب الذاكرة، تحمل أصداء أرواحٍ تتقلب بين الألم والأمل. في بيوت الصفيح، تتجسد قسوة الواقع في صورٍ تستدعي براءة الطفولة المذبوحة، وامرأةٌ ترسم أحلامها على جدرانٍ من هشاشة. ثم تنتقل بنا الأقدار إلى أروقة الوفاء، حيث يتربع الواجب كتاجٍ على هامة رجلٍ فقد أمه، ليصبح أمًا وأبًا لأشقائه الصغار، ينسج من خيوط الصبر قماشًا يحضنهم في وجه رياح الحياة العاتية. وفي زوايا أخرى، تتكشف هشاشة القلب أمام عواصف الحب، فتجرّب "إيمان" مرارة السقوط، لتجد نفسها في متاهةٍ تعيدها إلى نقطة البداية، متسائلةً عن معنى القدر وجدوى التشبث بالأحلام. كل قصةٍ في هذه المجموعة هي نافذةٌ تطل على عمق التجربة الإنسانية، بريشةٍ ترسم التفاصيل بعينٍ ترى ما وراء الظاهر.

حكايا منتصف الليل مجموعة قصصية- سلسلة كتاب لوتس 17 198 196 مارس 2019 yes 201091985809 مجموعة مؤلفين جنسيات منوعة

تنمحي الحدود بين اليقظة والمنام حين تدق الساعة الثانية عشرة ليلاً، حيث تنزوي ضوضاء النهار لتترك الساحة لخطى الهواجس التي تمشي على أطراف أصابعها في حكايا منتصف الليل. هذا العمل الجماعي الصادر عن دار لوتس لعام 2019، ينسج من خيوط الدهشة والوجع الإنساني رداءً طويلاً يمتد من بيوت الصفيح المتهالكة إلى بلدان الغربة الباردة. هي قصص تشبه في تنوعها أصوات الجوقة التي تفتش عن معنى في ركام العبث، حيث تبرز صورة المذيعة التي تقف أمام بيوت لا يربطها بالبيوت إلا اسمها، تقابلها امرأة ستينية تتكئ على عصا هي كل ما تبقى لها من سند في عالم يتفكك كما تتفكك مسامير صندوقها الخشبي القديم. إن هؤلاء الأدباء الذين صاغوا هذه الحكايا، ومنهم جابر خمدن وإسراء عبد القادر وملك حسام الدين، يكتبون لا لتقديم الترفيه، بل لمحاصرة تلك اللحظات الفارقة في حياة الإنسان حين يجد نفسه عارياً أمام قدره، تماماً كما فعل دوستويفسكي حين غاص في أعماق النفس البشرية ليخرج بآلئ الندم والاعتراف تحت وهج المصباح الوحيد في غرفة ضيقة.

تنبثق من بين السطور مأساة الابنة التي وجدت نفسها فجأة أماً وأباً لشقيقيها التوأم، بعدما التهم السرطان حياة الأم وترك الفتاة في الرابعة والعشرين من عمرها تصارع أمواج المسؤولية في صمت مهيب. هي حكاية عن الفقد الذي لا يرمم، وعن تلك الوعود التي نقطعها لراحلينا فتقيدنا بسلاسل من الواجب اليومي، حيث يتحول تحضير الشطائر الصباحية والركض نحو العمل الحكومي إلى طقوس مقدسة لصد ريح الضياع عن أسرة صغيرة ترفض التسول من يد الأيام. نجد هنا لغة بصرية تتبع حركة الدموع على وجوه الصغار، وترصد انهيار سد التماسك الواهن حين تصبح الذكريات هي الزاد الوحيد المتبقي على المائدة. الفن هنا ليس مجرد كلمات، بل هو محاولة بائسة لترميم الشروخ التي تتركها الغيبة في جدار الروح، ولإثبات أن الموت قد يغيّب الأجساد لكنه يضاعف ثقل الأمانات في أعناق الأحياء.

على الجانب الآخر من الحكاية، تطل علينا "إيمان" تلك الفتاة التي كانت تظن نفسها محصنة ضد الضعف الإنساني، فإذا بها تسقط في فخ المقارنة والمكابرة قبل أن يكسرها الواقع في بلاد الغربة. إنها قصة السقوط من برج العاج الأخلاقي حين تجتمع خيبة الموت مع وحشة الوحدة، لتعيد إلى الأذهان صرخة يوسف إدريس في بحثه عن "الحرام" والحد الفاصل بين الخطيئة والاضطرار. حين يغلق الجو أبواب السماء في وجه عودتها لتوديع والدتها، تفتح لها أبواب الندم على مصراعيها في لحظة ضعف استغلها من ظنته يوماً سكنها وملاذها. هكذا تتحول الحكايا من مجرد سرد للأحداث إلى مرآة يرى فيها القارئ انكساراته الخاصة، حيث تتحول أحكامنا القاسية على الآخرين إلى سياط تلدغ ظهورنا حين تدور الدائرة.

ينتهي المطاف بهؤلاء الأبطال وهم يواجهون كوابيسهم في غرفهم المظلمة، حيث يختلط الواقع بالخيال ويصبح يوم الحساب مشهداً يتكرر في كل نوم مضطرب. الكتاب في جوهره صرخة ضد الهشاشة، واحتفاء بالجانب المظلم من القمر الذي لا نراه إلا حين يسود الصمت وتغيب الشمس. لا نجد في هذه المجموعة حلاً سحرياً لمعضلات الوجود، بل نجد تضامناً إنسانياً في الألم، ودعوة للرحمة بمن أثقلتهم دروب الحياة الوعرة. السرد يتدفق كهر يجري في ليل طويل، لا يعترف بالخواتم السعيدة المعلبة، بل يترك القارئ معلقاً على حافة السؤال، متأملاً في تلك المسافة الضئيلة التي تفصل بين الثبات والانهيار، وبين الضوء والعتمة، وبين الحكاية والواقع الذي نعيشه ونخشى البوح به.