ذاكرة الصور التي ترفض النسيان

... مشاهدة
Cover Image
ذاكرة الصور التي ترفض النسيان

ثمة صور لا تُحفر في الذاكرة بل تُسكب فيها — تتسرب كالماء في حجر مسامي، حتى تصبح جزءاً من بنيته الداخلية. لا تستأذن، ولا تُعلن عن قدومها. وحين تحاول أن تستدعيها بإرادتك، تتملص منك؛ بيد أنها تباغتك في أهدأ اللحظات — في رائحة كتاب قديم، أو في ضوء مكتب يسقط

ثمة صور لا تُحفر في الذاكرة بل تُسكب فيها — تتسرب كالماء في حجر مسامي، حتى تصبح جزءاً من بنيته الداخلية. لا تستأذن، ولا تُعلن عن قدومها. وحين تحاول أن تستدعيها بإرادتك، تتملص منك؛ بيد أنها تباغتك في أهدأ اللحظات — في رائحة كتاب قديم، أو في ضوء مكتب يسقط على صفحة بيضاء في ساعة متأخرة من الليل. الذاكرة ليست خزاناً نملأه ونُفرغه كيفما شئنا. هي أقرب إلى نهر يجري تحت الأرض، يحمل ما حمله منذ أمد بعيد، ولا يُرى سطحه إلا حين تنفجر ينابيعه فجأة وسط ما لم تتوقعه.

في هذا النهر الجوفي، تسكن ذكرى سير تيري براتشيت (Sir Terry Pratchett) — الكاتب البريطاني الذي لم يكتفِ برسم عوالم خيالية، بل بنى بداخلها مرايا نرى فيها أنفسنا بوضوح مُزعج أحياناً. رحل عام 2015، غير أن رحيله لم يُبرد ما أشعله في قرّائه. بعض الكتّاب يتركون كتباً. وبعضهم — وهم القلة — يتركون طريقة في النظر إلى العالم، لا تنفك عن صاحبها حتى وإن أغلق الكتاب ووضعه على الرف.


عوالم مركّبة من أسئلة حقيقية

كان براتشيت كاتب فانتازيا (fantasy) بالمعنى الظاهر، لكنه كان فيلسوفاً ساخراً في جوهره. سلسلته الشهيرة "ديسك وورلد" (Discworld) — التي تمتد على أكثر من أربعين رواية — تبدو للوهلة الأولى عالماً من الدعابة والسحر والشخصيات الغرائبية؛ بيد أن من يقرأ بتأمل يكتشف أن براتشيت كان يُعيد طرح الأسئلة الإنسانية الكبرى بأسلوب لا يُثقل كاهلك بالخطابة.

ما يشبه ما قاله نيتشه (Nietzsche) عن الذاكرة — من أنها العنصر الذي يمنح الكائن هويته ويجعل منه "شخصاً" لا مجرد جسد يتحرك — نجده حاضراً بشكل ملموس في شخصيات براتشيت. فشخصياته لا تُعرَّف بما تفعله بقدر ما تُعرَّف بما تتذكره وما تختار نسيانه. الساحرة غراني ويذرواكس (Granny Weatherwax) تحمل ثقل قراراتها القديمة في كل خطوة تخطوها. المَوت (Death) — ذلك الكيان الذي يجمع بين الرعب والكوميديا في آنٍ واحد — يتعلم أن يفهم البشر من خلال تراكم ذكرياته معهم، لا من خلال طبيعته الأزلية. الذاكرة عند براتشيت ليست ماضياً جامداً، بل قوة تشكّل الحاضر وتُلقي بظلالها على كل قرار مقبل.

ما يجعل هذا المزج نادراً أن براتشيت لم يقع في فخّ الجدية المتكلفة، ولم يُغرق قارئه في الفلسفة المجردة. كان يُخبّئ أفكاره الأعمق داخل مواقف مضحكة، كمن يُقدّم لك دواءً مراً في ملعقة من العسل — تبتلعه قبل أن تنتبه إلى طعمه الحقيقي.


الذاكرة بوصفها هوية، لا مجرد سجل

يميل كثيرون إلى التفكير في الذاكرة كأرشيف — مكان نُودِع فيه الأحداث ونستردّها عند الحاجة. لكن هذه الصورة ناقصة. الذاكرة أقرب إلى فنان يُعيد رسم نفس اللوحة كل مرة يُطلب منه تقديمها، مُضيفاً تفصيلاً هنا، وحاذفاً خطاً هناك، حتى تصبح اللوحة النهائية شيئاً مختلفاً — ومع ذلك تظل "الأصل" في وجدانه.

المتنبي فهم هذا جيداً حين ربط الحب بالذاكرة ربطاً عضوياً في قصائده؛ إذ الحبيب الغائب لا يغيب حقاً، بل يتحول إلى صورة داخلية تُعاد صياغتها مع كل استدعاء. وما أجمله جورج أورويل (George Orwell) في روايته "1984" يسير في الاتجاه ذاته من زاوية مغايرة: حين تسيطر سلطة ما على ذاكرة الناس، فهي تسيطر على هويتهم بالكامل، لأن المرء — ببساطة — هو ما يتذكره.

براتشيت لم يكن بعيداً عن هذا الحوار الإنساني الطويل. روايته "رجل الجراح" (The Truth) تدور حول الصحافة والكذب والحقيقة، لكنها تدور في العمق حول سؤال واحد: ماذا يحدث حين تُعاد كتابة الذاكرة الجماعية لمجتمع بأكمله؟ الإجابة مزعجة وبارعة في آنٍ معاً — وهذا ما جعله يتخطى حدود أدب الفانتازيا ليجلس بجانب أسماء أكبر مما تُوحي به أغلفة كتبه الملونة.


حين تصبح الذاكرة ساحة معركة

اليوم، يواجه مفهوم الذاكرة تحدياً غير مسبوق. ما كان حكراً على الفلاسفة وعلماء الأعصاب بات يشغل مختبرات التكنولوجيا الكبرى. تتحدث شركات عن زرع ذكريات اصطناعية، عن توثيق حياة الإنسان كاملة رقمياً، عن "تحسين" الذاكرة بالتدخل الجيني والكيميائي. والسؤال الذي كان براتشيت يطرحه في عوالمه الخيالية بات يطرق أبوابنا الحقيقية: هل الذاكرة التي نملكها هي فعلاً ذاكرتنا، أم أنها تُشكَّل بأدوات خارجة عن إرادتنا؟

المفارقة المؤلمة أن براتشيت نفسه خاض هذه المعركة من الداخل. حين أُصيب بمرض الزهايمر (Alzheimer's disease) عام 2007، لم يتوارَ عن الأنظار — بل تحدث عنه بصراحة نادرة، وتبرّع بملايين لأبحاثه، وأنجز رواياته تِباعاً بمساعدة كاتب خاص حين أصبح يصعب عليه الكتابة يدوياً. كان يراقب ذاكرته وهي تتآكل، ويكتب عنها في آنٍ معاً — وهذا ضرب من الشجاعة لا يشبهه إلا القليل.

هل نستخدم التكنولوجيا لصون الذاكرة، أم أن التكنولوجيا ستُعيد تعريف ما تعنيه الذاكرة أصلاً؟ الفارق بين الأمرين ليس تقنياً، بل إنساني في جوهره.


ما تتركه الكلمات حين يرحل أصحابها

حين يغادر كاتب كبير، يُقال عادةً إنه "ترك إرثاً". هذه العبارة صحيحة لكنها باردة. ما تركه براتشيت أدفأ من الإرث — ترك طريقة في الضحك على المآسي دون إهانتها، وطريقة في الحديث عن الموت دون أن تشعر بالرعب منه، وطريقة في تصوير الإنسان العادي — المثقل بشكوكه ومخاوفه وتناقضاته — بوصفه بطلاً يستحق القصة.

تلك الصور التي يزرعها الكاتب في ذاكرة قارئه لا تُستأذن ولا تُحجز. تأتي حين تشاء، وتبقى أطول مما توقعت. وكما يغادر الضوء السماء في نهاية اليوم، يبقى أثره في العين بعد أن يُغمض صاحبها جفنيه — كذلك يبقى براتشيت، ضوءاً يمشي معك بعد أن تضع الكتاب جانباً.

المصدر: https://www.mahl.me/blog/the-spell-that-wouldnt-leave/