غشاء حضارة

نظرتْ عينا "علياء" إلى السقف، تلك البقعة البيضاء التي بدتْ كفراغٍ يبتلعُ كلَّ شيء. لم تكدْ تلمحُ انعكاسَ وجهها في الزجاجِ المكسورِ للحكاية؛ حكايةُ زواجٍ لم يبدأْ بعد، لكنه أثقلَ كاهلَ روحها بآلافِ التفاصيلِ التي لم تعشها. "التمام على خير"، عبارةٌ بدتْ سخيفةً أمامَ ثقلِ الموتِ الذي يطلُّ من كلِّ زاوية. هل النهايةُ هي السقفُ الأسودُ الذي تراهُ السينما العربية، أم هي بوتقةُ الانصهارِ اليومي، خبزٌ وزيتٌ وزيتون، وصرخاتُ أطفالٍ في عزِّ الحمى؟ لم تكنْ تبحثُ عن معنىً للكلمة، بل عن مخرجٍ من شبكةِ التوقعاتِ المشرقيةِ التي حاصرتْ جسدها. حينَ أمسكَ "أدهم" بذقنها، لم يمسحْ دموعها فحسب، بل مدَّ يدهُ إلى مصيرٍ مكتوبٍ مسبقًا، ليُعيدَ رسمَ خريطتها. غشاء حضارة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgLCZIYlKbTA5pWQeubiTSuD4xNp_R1bToezSjLW3E9LG7efmLz7IMITKlawqSPdspM9FWYaJRTY5dizJCjQjmSYz_qYCzAsXtszEhn0ue-Tp3Uj2aE-e9_paKFza3jxTFmERpHu-sa1Lj9ckYMJxhkHlJnboIko-_iQ7PFrc2gWZGjKjmd2Y3I0u9fjfo/s320/178.jpg

نظرتْ عينا "علياء" إلى السقف، تلك البقعة البيضاء التي بدتْ كفراغٍ يبتلعُ كلَّ شيء. لم تكدْ تلمحُ انعكاسَ وجهها في الزجاجِ المكسورِ للحكاية؛ حكايةُ زواجٍ لم يبدأْ بعد، لكنه أثقلَ كاهلَ روحها بآلافِ التفاصيلِ التي لم تعشها. "التمام على خير"، عبارةٌ بدتْ سخيفةً أمامَ ثقلِ الموتِ الذي يطلُّ من كلِّ زاوية. هل النهايةُ هي السقفُ الأسودُ الذي تراهُ السينما العربية، أم هي بوتقةُ الانصهارِ اليومي، خبزٌ وزيتٌ وزيتون، وصرخاتُ أطفالٍ في عزِّ الحمى؟ لم تكنْ تبحثُ عن معنىً للكلمة، بل عن مخرجٍ من شبكةِ التوقعاتِ المشرقيةِ التي حاصرتْ جسدها. حينَ أمسكَ "أدهم" بذقنها، لم يمسحْ دموعها فحسب، بل مدَّ يدهُ إلى مصيرٍ مكتوبٍ مسبقًا، ليُعيدَ رسمَ خريطتها.

غشاء حضارة رواية 178 104 يناير 2019 yes 201091985809 رانية عيسى كاتبة أردنية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjX2h-5C4dvWT_qD-VrPAzEs25-btvu2piAiW9KO3drWFKAeqQXgUff_dBTJMljvtY9MzWVJDNbX9oYyYOm3vayNMIZQ9Lhqvfu4zgOg8Q4jlYNoqaOnK9CB0yUP0_icqX2rZC_osXLoh3UP8nFZcyzHyxQEQXAMNDsHi-xi1Rns_ye6nyihgFyH66vV0I/s800/%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%87-%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D9%89.jpg

يُفتح الكتاب على لحظةٍ تتلاشى فيها الأحلام، حيث يجد الراوي نفسه محاطًا بيومٍ شاقٍ، وحفل زفافٍ تبدو نهايتهُ محتومةً بالفشل. تتساءل النفس عن معنى "التمام على خير"، هل هو مجرد سقفٍ واحد يجمع رجلًا وامرأة، أم هو بداية تجربة الانصهار في بوتقة الحياة اليومية بتفاصيلها الدقيقة؟ تتوالى الأسئلة حول ما يعنيه الارتباط الحقيقي، وهل يمكن أن يدوم إلى الأبد، أم أن مجرد البدء فيه هو بحد ذاته نهايةٌ لشيءٍ ما؟ هذا التساؤل العميق يتداخل مع واقعٍ يتطلب مسؤولياتٍ أكبر، كاحتضان الأطفال، وارتفاع حرارتهم، وتوفير احتياجات البيت، كل ذلك تحت وطأة ضغوط المجتمع الشرقي الذي يضع نصب عينيه هدف الإنجاب والاستمرار.

في زحام الحياة، يبرز شبح الخيانة كظلٍ ثقيل. تتكشف مأساةٌ تتجاوز الأحداث الظاهرة، حيث تُصاب روحٌ بآلامٍ عميقة، وتُذرف دموعٌ تتكسر أمامها الحواجز بين العواطف. تتشابك الأيدي، وتُمسح الدموع، لكن بقايا الخجل والكبرياء لا تزال قائمة. يعلو صوتٌ مليءٌ بالحنّان والاهتمام، يُقابل بفضولٍ حول التجارب السابقة، وهل يمتلك هذا الشخص خبرةً في مواساة الفتيات في مختلف المناسبات؟ يبدو أن هناك قرارًا حاسمًا يجب اتخاذه، قرارٌ يلامس جوهر الحقيقة والواقع.

تُطرح فكرةٌ جريئة، فكرةٌ تتجاوز حدود المألوف. يضع الطبيب، الذي يمتلك معرفةً طبية، خطةً لتجاوز صعوباتٍ معينة، بهدف الحفاظ على السرية. لكن البطلة ترفض، مُتمسكةً بكلمتها، رافضةً أي تلاعبٍ أو خداع. يتجلى صراعٌ داخلي بين الواقع القاسٍ والرغبة في الحفاظ على نقاء العلاقات. يُذكّرها أدهم بأنها ضحية، وأنها في حقيقة الأمر لا تخدعه، بل تخادع نفسها. يشدد على طبيعة المجتمع الشرقي، وعلى حتمية أن يزن، خطيبها، شابٌ شرقي، وأن أي خداعٍ سيحطم ما بينهما.

تُردد البطلة أن علاقتها بيزن تمتد لخمسة عشر عامًا، كيف يمكنها أن تكذب عليه الآن في أمرٍ صغير، أو حتى كبير؟ السؤال المحوري يبرز: ماذا ستخبرها عن نفسها؟ هل ستتحدث عن فقدان عذريتها؟ ترفض الفكرة، وتقترح قول الحقيقة له كما هي. لكن أدهم يشكك في صدقه، ويعتقد أن يزن يعرفها أكثر من نفسه، وأن هذه الكذبة الصغيرة ستؤدي إلى انهيار علاقتهما. تُصر البطلة على أن أدهم لا يعرف يزن، ولا يعي عمق علاقتهما، وأنها لن تخادعه أبدًا.

في خضم هذه التعقيدات، يتسلل شعورٌ بالانتماء إلى مكانٍ آخر، إلى فرنسا. تُقارن الأرض الجديدة ببلادها، حيث البساطة، ونعومة الجداول، وتنسيق الشوارع، واخضرار الأشجار. تعلو نبرةٌ عاطفية، تُشبه نشوةً غريبة، تنبعث من دفءٍ مفاجئ في القلبين. ترجو البطلة أن يدوم هذا الشعور، رافضةً الشكوك التي بدأت تتسلل إلى روحها، شكوكٌ تطال كل شيء، حتى نظرة الآخر وطريقة تفكيره. تجد نفسها أمام أصعب ما في الأمر، احتمالية العيش لسنواتٍ طويلة في شكٍ دائم، أو أن تكون هذه مجرد فترةٍ عابرة.

تتلاشى الأيام كأنها مجرد مرورٍ عابر، وسيأتي وقتٌ تنتهي فيه هذه المعاناة. هكذا يهمس أدهم، مطمئنًا إياها بأن الوقت كفيلٌ بإنهاء كل شيء، وأن الآلام ستضمحل مع مرور الأيام، لتتحول إلى مجرد بقايا ذكريات على جدران الذاكرة. الزمن، هو الشفاء الوحيد، قادرٌ على إنهاء كل شيء. قد تأتي لحظاتٌ تشعر فيها الروح بالاختناق، وبالحاجة الماسة للنجاة، وتستعين بالذكريات الجميلة لتحقيق قليلٍ من السعادة والاطمئنان. قد تظن كل شيء قد انتهى، وأن السعادة لن تعود أبدًا، لكنه مجرد وهم.

يتجمع السواد، ولكنه لا يلبث أن يتكشف أمام نورٍ كثيف، يبزغ رويدًا رويدًا مع نسمات الصباح. تتساقط قطرات الندى على القلب العطشان، لتُعيد الحياة والأمل، ويستقبل المشهد الجديد بقلبٍ متطلع. تؤمن البطلة بذلك، الحياة مجرد محطات. تتساءل هل يمكنها العيش في هذه الحالة؟ نعم، يمكنها ذلك. ربما لم تدرك الغرض الذي خُلقت من أجله بعد، ربما لم تصل إليه. في خضم هذا التفكر، تصل إلى يزن، وتتساءل هل يمكنها العيش بدونه؟ تتذكر كيف عاشت بدون والديها، وربما تستطيع يومًا ما.