كالبحر يتنفس موجاً

هنا، حيث ترسو الكلمات كنوارس على شواطئ الروح، يتنفس هذا الكتاب موجاً بعد موج. ليس مجرد حروف مرصوصة، بل رحلة عبر أعماق ذاكرة مغتربة، جسد عجوز وقلب لا يزال ينبض بآخر أنفاس البحر. يعترف كاتبه، هاني النجار، بأن هذه النصوص قد تبدو لك مجرد كلمات، لكنها بالنسبة له هي حياة كاملة، دليل على أنه كان يوماً هنا، على سطح هذه الأرض، يتنفس كالبحر. هي أغنية قديمة، ربما غناها بائع متجول على إيقاع الأيام، أو همسة في أذن ليل طويل، لكنها تحمل في طياتها صدى ألف عام، تتجاوز حدود الزمان والمكان لتصل إلينا. إنها دعوة لنبحر في محيطات المعنى، حيث الكنوز لا توجد إلا في الأعماق، بعيداً عن المفردات الضحلة التي تغلف الواقع. كالبحر يتنفس موجاً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgEAr8SMKg0unup8cT30iraEL5vrFI5_ZqhkLBodNVDC6o9ujr5UVhjuKAFRn4-NOENDR4dCJZx9Mf8Jnusrzp5aOIgzCMaSGmnLwBXSkq__1kG8qGhh6jYRt0EaN_kPOJE3C0HWZor1PsEEBDoSUuKAUXTonwcMdb1-YrWOYMy03ZhX9cw3GYmTYNLjUQ/s320/175.jpg

هنا، حيث ترسو الكلمات كنوارس على شواطئ الروح، يتنفس هذا الكتاب موجاً بعد موج. ليس مجرد حروف مرصوصة، بل رحلة عبر أعماق ذاكرة مغتربة، جسد عجوز وقلب لا يزال ينبض بآخر أنفاس البحر. يعترف كاتبه، هاني النجار، بأن هذه النصوص قد تبدو لك مجرد كلمات، لكنها بالنسبة له هي حياة كاملة، دليل على أنه كان يوماً هنا، على سطح هذه الأرض، يتنفس كالبحر. هي أغنية قديمة، ربما غناها بائع متجول على إيقاع الأيام، أو همسة في أذن ليل طويل، لكنها تحمل في طياتها صدى ألف عام، تتجاوز حدود الزمان والمكان لتصل إلينا. إنها دعوة لنبحر في محيطات المعنى، حيث الكنوز لا توجد إلا في الأعماق، بعيداً عن المفردات الضحلة التي تغلف الواقع.

كالبحر يتنفس موجاً نصوص وأشعار 175 108 يناير 2019 yes 201091985809 هاني النجار كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjorD5vx_5HeqnldYVFFoGDakUtAVsKUpQWXYRHuq2yhiZD8RIjkTFY3aUCOBciBSqSEiQLGoEBXch06JU164KkgA3Z4DrwBOKQNZs9OaY7ZntV3NwuzIVuc8PKkd0kNriKOcUSA5rfDbgBx4d92flO6wMwXyI6Cna3hgtkgu4fq6CzsAVdScGiHqy_BgU/s800/%D9%87%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%B1.png

هاني النجار، حين أراد أن يتنفس كالبحر، لم يجد سوى أصداء ذاكرته الهاربة. كلماتٌ كُتبت منذ ألف عام، أو ربما أخطأ تقويمها، فهي ما بين شعرٍ ونثر، دموعٍ وضحكات. رحلة شابٍ لم يبقَ منه سوى جسدٍ عجوز وقلبٍ يحتضر بنفَس البحر الأخير. لكلٍّ منا هذه الحروف، لكنها له، هي العمرُ كلّه، دليله الوحيد أنه كان ذات يومٍ على هذه الأرض.

تجنّب النجارُ حصون الشعر المنيعة، لم يخشَ أن تجرفه أمواجه بعيداً عن أرض المنثور. لم يكن خوفه من حروف الأبجدية، بل من أن يتوهّم أمثاله من صعاليك الفن أنهم حين ينطقون بكلماتٍ تشبه الشعر، فإنهم استقوا من المعنى الواضح. قد يتوهم الغاوون أنهم يتبعون دروباً وعرة، بينما هم يسلكون أساليب غير مطروقة، يبتغون معنىً أعمق، أشد بعداً عن المفردات الضحلة. هل توجد الكنوز إلا في البحار العميقة؟ أما هو، فقلبه يمور بأفكارٍ مبهمة، لسانه مكسور، وفأسه أمام شطرٍ مهشم. يجد نفسه مضطراً لإشهار بحره الشّخصي، كي يحفر فيه، حتى لو كان ذلك في بيداء قاحلة.

ثم تتردد أصداء "ذوات عيون زجاجية"، ألوان باهتة، وأجنحة لا تطير. شعورٌ بدغدغة الأصابع، وغرغرة الضحكات في الحلق، لكنه لا يضحك، لا يبكي، لا يخاف. وجهٌ شحيح التعبير، تفوح منه رائحة الحياة لكنه لا يبوح. انفلت من فخ الكلمات المزركشة، ومن براثن الحروف المتشعبة. رسم على ورقة سوداء فراشة نورانية، فهل أضاءت ما بين الضلوع؟ ذاك الوجه الذي يمحوه من صفحة الغد، يقطع لسانه. لم يبقَ في الجنة سوى وردة، وهو بين الأوراق بُرعم.

يُغويه الشفق ليزرع في كفّه زهرة من نور، لكنه لم يحصد سوى سماءٍ يرشقها الليل بروائح العتمة. جلس على قارعة اليأس، دون أنفاسٍ تتردد في جوفه. جيش الألوان يحاصره بلون الأصيل. هل كان كفه عقيماً، أم أنه ارتوى بماء المستحيل؟ صار ظهره مرتعاً لخناجر الخونة، رسموا عليه الكنز ثم نهبوه. استل سيفه، لوّح. شحذ مدافع الأمل، واتكأ على سواد ظله. سقط خلف حوائط الذكريات. هو الظفر، وهو الضوء في قلب العتمات.

يُقال إن السهم المصنوع من الخيزران لابد أن يحرق بالنار كي يستقيم. هل أخبروكِ بأن الفارس سقط من فوق صهوة القلم؟ صار خطوطاً ملونة على أوراق البردي. خرجت منه الآلهات عارية. قالوا مجنون، وازدُجر. من كان منكم بلا خطيئة، فليرمِ بحجر. أيتها الأصوات المجلجلة في قاعات محاكم التفتيش، إنه ما زال يحلم. يحلم بنكهة الضحكات في حلقه. وحين أحنت خواطر الليل على شتلات الحطام، رأى فيما يرى الواهم أنه فوق ظهر جوادٍ منحوت من ضوء القمر. رمح إغريقي، وقوس مأخوذ من شهوة المطر، لكن لا يملك سوى حماره. ذلك الأبرص التعس، كلما خطى نحو الغد، تقهقر إلى الأمس. فكيف يصل به إلى الشمس، ليقطف من ضوئها عنقوداً يحمله إليكِ فوق أوراقٍ مبتلة؟

يسافر في البحر المعربد، يخرج من الظل إلى همسات الشمس، يتلاشى. بعد صراعٍ مرهق، جمع جناحيه وعاد إلى أرض الواقع. وجد نفسه أمام جيشٍ من الأسئلة، رابضة عند طرف النهار. انهالت عليه من كل حدبٍ وصوب، وعجز عن رد هذا الهجوم. هرب إلى ساعات نومٍ لتساعده على مواجهة يومٍ جديد، يحياه معصوب العينين بالوهم، تدور قدماه حول بعضهما، في وهمٍ منه أنه يندفع، يطوي المسافات إليها عبثاً. كأن شيئاً اسمه المستحيل، هو المستحيل ذاته.

تعلم الحب في مدن الجن والعفاريت. خطوت إليكِ أجُر خطواتي المنكسرة، أشحذ عقلي التائه في بحاركِ المغرقة. كيف خطوت بقلبٍ أضناه رميم الذكريات في دروب الملح والماء الأجاج؟ هل كنت أبحث عن نفسي؟ عن قلبي؟ عن ثأر؟ أم مضيت في رحلتي الطويلة أبحث عن عينيكِ لأتعلم منهما معنى الحياة؟ يا نجمةً شعت في سمائي الحالكة، بثّت الروح من جديد. عانقت الأمل في حروفه المهزومة. سخافات العمر تحطمت عند أبواب صرحكِ. اكتست الحياة بلونٍ جديدٍ مفرح، بعد سنوات الشتات المهلكة. عاد البحر يهدِر، لفظ الطحالب. عاد يخبره أن قوس قزح ملون. حتى الزهور والرياحين، وجداول الماء العذب، أصبحت يانعة. بعدما كان على وشك أن يخلطها بقبورٍ تحتضن هيكله العظمي. تعلم الشوق في مدارس الخداع، وجاء بكراسٍ مليء بالشفرات المبهمة. كيف استطاعت همساتكِ الدافئة حلّ تلك الشفرات بسرعة البرق؟ وفتحت صفحةً ناصعة البياض يملؤها اسمكِ، ورسمكِ، وشوق عينيكِ للقاء.