ساعة من الزمن

من وراء مقود سيارة متهالكة تنطلق رحلة لاهثة عبر تلافيف الذاكرة المنسية لتنبثق حكايات بائسة تشبهنا تماماً. إذ يقتادنا راوٍ متمرد ومتهكم ليجبرنا على التلصص معه على مصائر جيرانه وعابري سبيله في دروب المدينة الباردة. بيد أن الإثارة لا تكمن في كشف أسرار الغرباء فحسب بل في تلك المرآة الصادقة التي تعري نرجسيتنا وتفضح عيوبنا البشرية. حيث تتمازج سخرية الواقع المر مع خطايا سنوات الرصاص وخيبات جيل ضاع بين الفقر وسياط الأحلام المستحيلة. ومن هنا يجد القارئ نفسه متورطاً في صراع نفسي واجتماعي فريد يجرده من حذره ليدخله غمار تجربة إنسانية لا ترحم الكبرياء. ساعة من الزمن
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhlSJNy_x3EaIPKiPWfymaWdBLbyDwtN0eUuCuT7V2scMWsRznBgrBPg0Kl_RIWYEU5f0K5RPRCv8OuHOPyqjwIBfeOeMogEwbRx7jlMniTm1A5bIyWnamPUonadTr13-ffFm1UvNOxdCJcUz7IqcEIFf649gjl1iberGKVTVJP5GsD1rQ-K-KG6LtcI9Y/s320/140.jpg

من وراء مقود سيارة متهالكة تنطلق رحلة لاهثة عبر تلافيف الذاكرة المنسية لتنبثق حكايات بائسة تشبهنا تماماً.

إذ يقتادنا راوٍ متمرد ومتهكم ليجبرنا على التلصص معه على مصائر جيرانه وعابري سبيله في دروب المدينة الباردة.

بيد أن الإثارة لا تكمن في كشف أسرار الغرباء فحسب بل في تلك المرآة الصادقة التي تعري نرجسيتنا وتفضح عيوبنا البشرية.

حيث تتمازج سخرية الواقع المر مع خطايا سنوات الرصاص وخيبات جيل ضاع بين الفقر وسياط الأحلام المستحيلة.

ومن هنا يجد القارئ نفسه متورطاً في صراع نفسي واجتماعي فريد يجرده من حذره ليدخله غمار تجربة إنسانية لا ترحم الكبرياء.

ساعة من الزمن رواية 140 128 ديسمبر 2018 yes 201091985809 هشام الحمراوي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjxYg18LrnIXhFygo7SsBWFRsZSTBe1salnO9rDXYfMtCiE2eVblPdUkR9wHl4wUzr9Rf7AnyA9elyf7DagBAMjTGjnmbanqtAb9Fd10S11wM9lU3INTEihSt5u_4l-XAg3i0hpAlIi6BdnG6RGY3MVOIe92V2PcyVot72Jo_oZBmc1ThJJ56d6l2fGWBk/s800/%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A.png

تنطلق هذه الرواية الوجدانية والواقعية ذات الصبغة الدرامية المتميزة من فكرة فلسفية عميقة تتمحور حول تعرية النفس البشرية ومواجهتها بأخطائها المتكررة التي لا تتعلم منها أبداً.

إذ يتخذ الكاتب من رحلة صباحية روتينية لراوٍ مجهول يقود سيارته نحو مقر عمله مسرحاً زمنياً ومكانياً مشوقاً لاستعراض خبايا مجتمعه المحيط.

حيث يعتمد النص على كسر الجدار الرابع بصورة مبتكرة ومستمرة عبر توجيه حوار مباشر ومتهكم للقارئ يتهمه فيه بالفضول والتطفل على خصوصيات الشخوص.

ومن هنا يتشكل الجو العام للعمل كرحلة سيكولوجية لاهثة تتداخل فيها الأزمنة لتعيد صياغة ذكريات حية تنبض بالمرارة والسخرية السوداء من تصاريف القدر.

وعلى هذا الأساس يفتتح المؤلف أطروحته بتشريح ظاهرة النرجسية الفردية مدعياً أن الأبطال الحقيقيين للقصة هم نحن القراء لو مررنا بذات الظروف القاسية.

يتجلى العمق التحليلي للرواية من خلال التنقل السلس بين النماذج البشرية المتباينة التي يلمحها الراوي في طريقه اليومي أو يستحضرها من دهاليز ذاكرته العتيقة.

إذ يبرز جاره العجوز عبد الغفور كرمز لجيل كامل عاش مرارة ما يعرف بسنوات الرصاص في تاريخ المغرب الحدي وباع ضميره وأخاه طمعاً في إرث زائل تبدد سريعاً بين الخمر والنساء.

في المقابل تتقاطع الحكايات الفرعية لتسلط الضوء على آفة العطالة والنصب الاجتماعي الذي يتعرض له الشباب الحالم بغد أفضل عبر شركات وهمية تبيع الوهم وتسرق مدخرات العائلات البسيطة.

ولذلك تصبح المدينة بأحيائها البائسة وخياطها الغاضب وماسحي زجاج السيارات بمثابة مختبر إنساني واسع يدرس فيه المؤلف أسباب الانكسار النفسي والتحولات السلوكية الحادة.

فضلاً عن ذلك نرى حضوراً طاغياً لتأنيب الضمير واللعنات العائلية التي تلاحق الشخوص بعد وقوع مآسٍ تراجيدية كالافتقاد المفاجئ أو الانتحار هرباً من الفضيحة الاجتماعية.

يتسع نطاق التشويق والاضطراب النفسي مع تتابع اللوحات السردية التي تشبه القصص المنفصلة المتصلة في نسيج روائي محكم البناء.

غير أن الحبكة تأخذ منعطفاً حاداً حين يمتزج البعد السياسي والاجتماعي بالبعد الأخلاقي الفردي من خلال صراعات الوظائف والمكاتب المغلقة التي تعكس قيم الغدر والانتهازية وشرف المهنة المفقود.

إذ يتبين من خلال السرد أن الضحايا والجلادين يتبادلون الأدوار بمرونة غريبة نتيجة الضغوط المعيشية والاضطرابات السيكولوجية الدفينة التي تحركهم خلف الستار.

ومن ثم يصبح النص حلبة صراع حقيقي بين رغبة الإنسان في الحفاظ على كرامته وكبريائه وبين انصياعه القهري لإغراءات المادة والنجاة الذاتية على حساب الآخرين.

بل إن المؤلف يفلح في ربط كل هذه المصائر المتباعدة برابط درامي متين يجعل من الساعة الزمنية الواحدة لرحلة السيارة مرآة تعكس عقوداً من الخيبات الجمعية.