لحظة داخل إنسان

في مسرح الزمان، حيث تتجسد الأنا في أشكال متعددة، تخرج مسرحية "لحظة داخل إنسان" لعبد المالك علي لتكشف لنا طيات النفس البشرية. هنا، لا نجد شخصيات تمثل حكايات جامدة، بل نسمع صدى الصراعات الداخلية في زهران، الإنسان في أربعينياته، الذي ما زالت روحه تتأرجح بين الحقيقة والوهم. تتشابك مساراته مع "نفس" تتغذى على الظلام، و"حنان" التي تبث الأمل كزهرة برية في صحراء قاحلة. "ضمير" تسكنه السماء، و"طفل" يحمل براءة الأمس، و"آمال" التي تبحث عن معناها، و"مجنون" يرى ما لا نراه. هذه الأرواح تتصارع، لا على خشبة مسرح تقليدية، بل في فضاء أعمق، هو أعماق الإنسان نفسه. حواراتهم ليست مجرد كلمات، بل هي حروب تدور رحاها في ساحة النفس، يمثل كل منهم وجهاً للإنسان الواحد. الصراع على أشده بين الظاهر والباطن، بين ما نبدو عليه وما نحن عليه حقًا. فهل يمكن لـ "نفس" أن تتحطم أمام قوة "حنان"؟ وهل يتسع فضاء الروح لـ "ضمير" يتألم بصدق؟ هذه المسرحية ليست مجرد سرد، بل هي دعوة للاستماع إلى تلك اللحظات التي تتشكل فيها إنسانيتنا، في صخبها وهدوئها، في انتصاراتها وانكساراتها. لحظة داخل إنسان
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgX8wvxB3hRTixF8QvEPYEOSQZ8FAucRss30_LVdpkNNWnyopHpprkLusKqLcbFi88jAd4UrQIDdhPE8GTK95mv-NhWjMT9cSKUlhDrCeNNrW8jFKuBSxMxmo__n7LAXQ5NjPnMv_zqpO1T9I-4b5jlSkdmeYASRnG8smMD1IlQjz4Oj6bgqshMI3gCf-s/s320/195.jpg

في مسرح الزمان، حيث تتجسد الأنا في أشكال متعددة، تخرج مسرحية "لحظة داخل إنسان" لعبد المالك علي لتكشف لنا طيات النفس البشرية. هنا، لا نجد شخصيات تمثل حكايات جامدة، بل نسمع صدى الصراعات الداخلية في زهران، الإنسان في أربعينياته، الذي ما زالت روحه تتأرجح بين الحقيقة والوهم. تتشابك مساراته مع "نفس" تتغذى على الظلام، و"حنان" التي تبث الأمل كزهرة برية في صحراء قاحلة. "ضمير" تسكنه السماء، و"طفل" يحمل براءة الأمس، و"آمال" التي تبحث عن معناها، و"مجنون" يرى ما لا نراه. هذه الأرواح تتصارع، لا على خشبة مسرح تقليدية، بل في فضاء أعمق، هو أعماق الإنسان نفسه.

حواراتهم ليست مجرد كلمات، بل هي حروب تدور رحاها في ساحة النفس، يمثل كل منهم وجهاً للإنسان الواحد. الصراع على أشده بين الظاهر والباطن، بين ما نبدو عليه وما نحن عليه حقًا. فهل يمكن لـ "نفس" أن تتحطم أمام قوة "حنان"؟ وهل يتسع فضاء الروح لـ "ضمير" يتألم بصدق؟ هذه المسرحية ليست مجرد سرد، بل هي دعوة للاستماع إلى تلك اللحظات التي تتشكل فيها إنسانيتنا، في صخبها وهدوئها، في انتصاراتها وانكساراتها.

لحظة داخل إنسان مسرحية 195 100 يناير 2019 yes 201091985809 عبد المالك علي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhsvPKiQ1S1Vvw-L5feJ7YsykBq_G6vSYOrem918HgK07ZDfdcBBq_s8jCqC8HaIjQYo8wml1PTcvjr8TMmfbURZwbLnoq-3lBdQcp20mB46T9gbs95WbX29LRO99Y1NJx49V3kSCRIJGmvDmyqM6cWUrHdR7dVWwjKX95pb-qJPp-M7lXLIqDLryhXb-s/s800/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D8%B9%D9%84%D9%8A.jpg

زهران رجلٌ يقف عند حافة الأربعين، تلك السن التي وصفها دانتي أليغييري بأنها "منتصف طريق حياتنا"، حيث يبدأ المرء في الالتفات إلى الوراء ليرى حطام نفسه، أو يتطلع إلى الأمام فلا يجد سوى ضباب الحيرة. في مسرحية "لحظة داخل إنسان" للكاتب عبد المالك علي، نحن لا نشاهد عرضاً مسرحياً بالمعنى التقليدي الذي تجسده الجدران والستائر، بل نحن بصدد عملية تشريح جراحية لروح بشرية، حيث يتحول المسرح إلى تجويف جسد زهران، وتغدو الشخصيات نبضات متصارعة في عروقه. يسكن في هذا الداخل "نفيس"، ذلك الكيان الذي يتسربل برداء الشبه من الشيطان، محركاً للرغبات الصاخبة والنزوات التي لا تهدأ، بينما يقابله "ضميري" كملك هابط من السماء، لكنه ملك مقيد اليدين، يملك البصيرة ويفتقر إلى القدرة على التغيير، تماماً كأنه سيزيف الذي يحمل صخرة الأخلاق في عالم يغلي بالشهوات.

تتجلى براعة النص في تحويل المجردات إلى كائنات من لحم ودم، فالحنان ليس مجرد شعور، بل هي فتاة تدعى "حنان" ترتدي ثوباً أصفراً يشي بالبهجة المفتقدة، تحاول ترميم ما يهدمه نفيس في تلك الخرابة الكبرى التي تسمى النفس البشرية. يدور الصراع حول طاولة الوجود، حيث يحاول زهران أن يجد معناه الضائع بين نداءات الضمير الخافتة وضجيج النفس الأمارة بالتحطيم. إنها حرب أهلية تقع خلف جدران الجمجمة، يشارك فيها طفل يمثل براءة سبع سنوات مضت، وخادم مسن يجر أذيال الخيبة، كأنه يذكرنا بأن الزمن هو الجلاد الحقيقي الذي يسدل الستار في النهاية على الجميع. يضعنا الكاتب أمام مرآة قاسية، فزهران ليس فرداً، بل هو "الإنسان" في تجليه الكلي، ممزقاً بين رغبة نفيس في إطفاء النور الذي يزعجه، وإصرار حنان على البقاء رغم الحطام.

تتصاعد الدراما حين تظهر "آمال" في الفصل الثاني، لتمثل الاختبار الأخير لهذه المنظومة الداخلية المتهالكة. الحب هنا ليس عاطفة وردية، بل هو كاشف ضوئي يسلط على العيوب والمخاوف، حيث يرتعد "نفيس" من فكرة أن يُكشف أمره أمام المحبوبة، ويخشى زهران من أن يظهر "عارياً" أمام الحقيقة. يتساءل النص بمرارة: هل يمكن للإنسان أن يحب وهو يحمل كل هذا التناقض في أحشائه؟ وهل الصدق يقتضي أن نكشف للآخرين عن شياطيننا المقيمة في غرفنا المظلمة؟ هذا السؤال يظل معلقاً في هواء المسرح كغيمة ثقيلة، بينما الضمير يراقب من بعيد، عاجزاً عن التدخل، وشاعراً بأن التجربة الصادقة هي المخاض الوحيد الذي قد يولد منه إنسان جديد.

ينتهي المشهد ولا تنتهي الحيرة، فالمسرحية لا تقدم حلولاً جاهزة أو مواعظ أخلاقية معلبة، بل تتركنا مع زهران وهو يواجه قدره، محاولاً التوفيق بين "نفيس" الذي يرفض التخلي عن دفاتره القديمة ونيرانه المشتعلة، وبين روح تتوق إلى السكينة. الحوارات في النص تشبه صرير الأسنان في ليلة باردة؛ فهي حادة، مباشرة، وتحمل وجع المكاشفة. لقد نجح عبد المالك علي في جعلنا نشعر بأننا جميعاً "زهران"، نرتدي ثياباً بيضاء فوق أجساد يسكنها السواد، ونبحث في زحام ذواتنا عن لحظة واحدة من الحنان الحقيقي قبل أن يموت الخادم المسن، وتُغلق الأبواب، ويذهب كل منا إلى عزلته الأبدية حاملاً معه صراعاته التي لم تحسم. إنها رحلة في جغرافيا الألم البشري، حيث الصمت أحياناً يكون أبلغ من الكلام، والجنون هو الملاذ الأخير لعقل لم يعد يحتمل وطأة الحقيقة.