برواز على جدار القلب

خيوطٌ من حنينٍ نسجتْها روحٌ تتقصى دروبَ الوجد، لا تخشى عتابَ الكبرياء ولا تهابُ سهامَ الغدر. هنا، تتجلّى القصائدُ كمرآةٍ للقلب، تعكسُ ما اضطربَ فيه من شوقٍ وحبٍ، ومن ألمٍ وفراق. "برواز على جدار القلب" ليس مجردَ ديوانٍ شعري، بل هو نافذةٌ تُطلّ على عوالمَ إنسانيةٍ شفافة، حيثُ يتوّجُ الحبُّ أميراً، وتُصبحُ الروحُ ملكةً على عرشِ المشاعر. تتصارعُ الذاتُ معَ الهوى، وتُحاولُ استيعابَ ما تركتْهُ العيونُ الجميلةُ من أثرٍ عميق، كأنها تبحثُ عن معنىً ضائعٍ في متاهاتِ الحياة. الأشعارُ هنا ترسمُ لوحاتٍ بالكلمات، تحكي عن شمسٍ غابتْ وعن أراضٍ امتزجَ فيها الغرامُ بالأنين، وعن بوصلةٍ لا تُشيرُ إلا إلى ما يعتملُ في الصدور. إنها دعوةٌ للانغماسِ في بحرِ المشاعرِ الأصيلة، حيثُ يصدقُ القولُ وتُبنى القصائدُ من وهجِ الغرام. برواز على جدار القلب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj1vyNoMaAMsH8EBMUIEBN_k1bBwviu2iuv4z2D2eYLgCQhiHXjMMWwGxCfH9uFwo6lJujtWCyxeR-crSAth_zKxE0ddXJAhy5IzIw6lodzjWzXv2YhYF7PK38wN7fJmeaTxFHQRpu-45Lw7b9HAZRF_XlYgi8tKzAihh7VOkO79P-M7GVVspbg5QqzkZY/s320/199.jpg

خيوطٌ من حنينٍ نسجتْها روحٌ تتقصى دروبَ الوجد، لا تخشى عتابَ الكبرياء ولا تهابُ سهامَ الغدر. هنا، تتجلّى القصائدُ كمرآةٍ للقلب، تعكسُ ما اضطربَ فيه من شوقٍ وحبٍ، ومن ألمٍ وفراق. "برواز على جدار القلب" ليس مجردَ ديوانٍ شعري، بل هو نافذةٌ تُطلّ على عوالمَ إنسانيةٍ شفافة، حيثُ يتوّجُ الحبُّ أميراً، وتُصبحُ الروحُ ملكةً على عرشِ المشاعر. تتصارعُ الذاتُ معَ الهوى، وتُحاولُ استيعابَ ما تركتْهُ العيونُ الجميلةُ من أثرٍ عميق، كأنها تبحثُ عن معنىً ضائعٍ في متاهاتِ الحياة. الأشعارُ هنا ترسمُ لوحاتٍ بالكلمات، تحكي عن شمسٍ غابتْ وعن أراضٍ امتزجَ فيها الغرامُ بالأنين، وعن بوصلةٍ لا تُشيرُ إلا إلى ما يعتملُ في الصدور. إنها دعوةٌ للانغماسِ في بحرِ المشاعرِ الأصيلة، حيثُ يصدقُ القولُ وتُبنى القصائدُ من وهجِ الغرام.

برواز على جدار القلب شعر 199 116 مارس 2019 yes 201091985809 أشرف محمد كاتب مصري

ينبثق ديوان "برواز على جدار القلب" للشاعر أشرف محمد كمرآة صقيلة تعكس شظايا الذات الإنسانية في تقلباتها بين لظى العشق وانكسارات الأوطان، فالحروف هنا ليست مجرد رصف لغوي، بل هي نبضات متمردة تحاول الفكاك من أسر الصمت. يبدأ الشاعر رحلته باعتذار يكسر حدة الكبرياء، وكأنه يستحضر روح "طرفة بن العبد" في معلقته حين يقف أمام أطلال المحبوبة، لكن أطلال أشرف محمد هي جدران القلب التي تساقط طلاؤها بفعل الغياب. هو يعترف بذنبه في حق الحب، منادياً امرأة يراها "سيدة النساء"، تلك التي تحول الصمت في حضورها إلى أبجدية من العجز، فيغدو المفوه أبكماً، ويستحيل الشاعر نباتاً حراً يذبل إن غاب عنه ضياء تلك العينين.

النص هنا لا يكتفي برسم ملامح الوصل، بل يغوص في فلسفة الفناء والبقاء؛ فالمحب هو الفناء والأنثى هي الحياة، وبينهما جسر مشيد من وهج الغرام تزلزله مخاوف الهجر، مما يجعل القصيدة حالة من التضرع الصوفي لعودة النغم إلى قيثارة الروح.

تتحول القصائد بمرور الصفحات إلى مراثٍ حية للذات المقتولة بدم بارد، حيث الحب ليس نزهة في حقول الياسمين، بل هو بركان يسكن الأضلع، وشوق يحبو نحو الأبواب الموصدة. يسأل الشاعر سكون الليل عن الجاني، فيجيبه العشق بأنه هو الذي أحياه بالجرح، وهو الذي أفناه بالهوى، في مفارقة تذكرنا برؤية الفلاسفة الوجوديين للعاطفة كقيد يمنح المعنى للحرية. 

لا يتوقف الوجع عند حدود الذات، بل يتمدد ليلامس جراحاً أوسع؛ فالعين التي رمدت من الدمع في "أرض الغرام" هي ذاتها التي تبكي بغداد والفرات والشام، حيث يمتزج الشخصي بالعام، ويصبح جرح العروبة سهماً غادراً يضني الشاعر الغريب في أوطانه. إنه يفتش عن "الفوارس" في زمن الركود، ويندد بالذين يرقصون على جراح الشعوب، واصفاً إياهم بأسود على الضعفاء، لكنهم في النائبات خراف لا تملك من أمرها شيئاً، مما يعطي الديوان صبغة سياسية مغلفة برمزية حادة.

يستدعي الشاعر صورة "العراف" الذي مات غراماً قبل أن يقرأ الكف، ليعلن أن طريق العودة مسدود، وأن كل محاولات التنجيم في ملامح القدر باءت بالفشل أمام سطوة القدر المحتوم. الأنثى في هذا الديوان ليست كائناً ساكناً، بل هي "لمياء" التي تنفث الشذى وتصنع الأفخاخ من جنان الخدود، وهي الشمس التي تودع سماها عند الغروب، تاركة الشاعر يطرق الأبواب الخطأ ويستجدي صدى الكلمات التي تبخرت. نلمس في ثنايا الأبيات صراعاً مريراً بين العقل الذي ينشد الخلاص والسلامة، وبين القلب الذي يعلن العصيان ويأبى الخضوع لمشورة الحكمة، فالشاعر يحذر نفسه من رقيقات القلوب اللواتي يتملكن الروح بدمعة، ومع ذلك يظل رهيناً لـ"بوصلة التاريخ" التي أجهضت الأمل. 

إن هذه المجموعة الشعرية الصادرة عن دار لوتس لا تقدم حلولاً، بل تقدم أسلاكاً شائكة من المشاعر؛ فهي صوت "الشعب المنسي" الذي يرضع الثأر مع أحزان الأمهات، وهي صرخة "الصوت الأبي" الذي يرفض أن يموت صوت الناي تحت بريق القذائف، لتظل القصيدة في النهاية هي البرواز الوحيد الذي يمنع القلب من التفتت في مهب الزمان.