الرحيل إلى الداخل

يتسلل الشعر من حنايا الروح كمسافرٍ يبحث عن وطنٍ في عروقه. يوسف فودة، في "الرحيل إلى الداخل"، لا ينسج الكلمات نسيجًا، بل يغزلها من خيوط الألم والفرح، من غبار الطرقات المتعبة وحنين الأمهات. يختزل القصيدة في نبضٍ واحد، فتتدفق كالماء العذب، تحمل معها أسرار الأيام، وتُشفي جراحًا غائرة. هنا، لا يلوذ الشاعر بالكلمات هربًا، بل بها يواجه، بها يزرع الزيتون ويحمل السيف، بها يبني ديارًا من رمادٍ ويسكن سماء الله. كل حرفٍ هنا يحمل طعم التراب، ورائحة السنابل، وشجن السواقي، فهو صادرٌ من وطنٍ يتغلغل في الروح، يكشف عن زهرةٍ تتفتح في غياهب الرحيل. الرحيل إلى الداخل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEha1fBPnZCmf_iMh9WJk8EL24u9-Ul_MVFxf1PwSgew3sIDJfo2MEpWTav45bD-TnwHziog0VaInfJAxu6KzcYCo_jYdzYefhdw9sTFlFOkRXddzfwgw54HyCYqGIsc4OGaZ1Z5RgqUi9TDjvog-96peg9A0X7eDxt2aMJnYkomOHEjARGir2gknK1n3m4/s320/188.jpg

يتسلل الشعر من حنايا الروح كمسافرٍ يبحث عن وطنٍ في عروقه. يوسف فودة، في "الرحيل إلى الداخل"، لا ينسج الكلمات نسيجًا، بل يغزلها من خيوط الألم والفرح، من غبار الطرقات المتعبة وحنين الأمهات. يختزل القصيدة في نبضٍ واحد، فتتدفق كالماء العذب، تحمل معها أسرار الأيام، وتُشفي جراحًا غائرة. هنا، لا يلوذ الشاعر بالكلمات هربًا، بل بها يواجه، بها يزرع الزيتون ويحمل السيف، بها يبني ديارًا من رمادٍ ويسكن سماء الله. كل حرفٍ هنا يحمل طعم التراب، ورائحة السنابل، وشجن السواقي، فهو صادرٌ من وطنٍ يتغلغل في الروح، يكشف عن زهرةٍ تتفتح في غياهب الرحيل.

الرحيل إلى الداخل شعر 188 72 يناير 2019 yes 201091985809 يوسف فودة كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhWNLciBvp_0Xw-Y_jdDdenQwojdPAeR2XEufQJbnpiF1UbMhHZF0ktgcI0NVyijS8pZ-zb4255dcq9wmy9PxZTAlh0jREK9VF7Ifszcx_oF6mVHSqEwB1VS2OIkg77QgUYhHk1E9YA75YlY28CDVAVg_XTQfgtyPc7DJI9kUgZ-QbFl9D_UeOUwZ0Agtk/s800/%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D9%81%D9%88%D8%AF%D8%A9.jpg

يوسف فودة في ديوانه "الرحيل إلى الداخل" لا يكتب قصائد بل يفتح جراحاً مواربة على اتساع المدى، متخذاً من الكلمة سيفاً ومن اللغة نهراً من عسل مصفى لا يرتوي منه إلا من أدرك أن الشعر هو الملاذ الأخير للروح حين تضيق بها الأرض. يبدأ الشاعر رحلته من نقطة المركز حيث الذات الموشومة بالوطن، معلناً انحيازه الكامل للوزن والقافية، ليس كقيد شكلي، بل كإيقاع كوني يضبط به فوضى العالم وجنون اللحظة الراهنة. إنه يعتق عمره في مياه القصيدة، ويصوغ بيانه من صخب المرايا وشجن السواقي، مؤمناً بأن الحرف الذي لا يذوب في المعنى هو حرف ميت لا يستحق الحياة. تتجلى في نصوصه استعارة "الداخل" بوصفها الجغرافيا الوحيدة التي لا تقبل الاحتلال، فبينما يئن الواقع تحت وطأة الأسلاك الشائكة، يظل الداخل حرّاً، فسيحاً، ومسكوناً بصور الأم والأب والوطن الذين يشكلون مثلث الدفء في حياة غزاها الصقيع.

القصيدة عند فودة تداهمه كأنواء عاصفة، تهدمه لتبنيه من جديد، وتأخذ من سماء الله سقفاً لبيتها الذي لا تسكنه إلا الأرواح المعذبة بحب الأرض. يستحضر الشاعر مشهد السنبلة البرية التي تذروها الريح، والمؤذنة التي تعلوها نجمة غريبة في وضع أفقي يجسد اختلال موازين الوجود، محاكياً بذلك صرخة "محمود درويش" في بحثه الأزلي عن هوية لا يحددها السلك الشائك. الخيوط في هذا الديوان تروغ من يد القارئ كلما حاول الإمساك بطرفها، والرحيل ليس انتقالاً من مكان إلى مكان، بل هو انغماس في غياهب الوجد وتنقيب في ركام الذاكرة عن تين ونخيل لم تلوثهما يد الخيانة. إنها محاولة مستميتة للاشتقاق من الجراح، طائراً موغلاً في السفر لسبع ليالٍ طوال، يمتطي نافورة دم لينزفها الوادي في صمت مهيب لا يقطعه إلا أنين العصافير الجائعة.

تتحول الصخرة في مخيلة الشاعر إلى كيان لا يبرح مكانه، تجسيداً لوطن مسلوب لكنه راسخ في العقد المكتوب بين الإنسان وترابه، حيث تتقاطع الدروب بين القدس التي تنادي وبين الحافلة التي تترنح بين اليمين واليسار. يكتب يوسف فودة بوعي الأديب الذي يدرك أن "الرحيل إلى الداخل" هو الفعل الثوري الوحيد المتبقي لإنسان العصر الحديث، حيث يغدو الحرف سوسنة تداعب الكف، وتستلقي في قاع الجرح المليء بصدأ السنين وجبال الصديد. اللغة هنا ليست مجرد أداة للتوصيل، بل هي كائن حي يتنفس، ينمو كشجر تجذر في الحنايا، ويلبس غرام الحقول قلفاً يحميه من عواصف النسيان. إنها رحلة في أوردة منهكة، وقليل من تلك الأوردة يكفي لسقاية طير تائه أو لبعث الحياة في كلمة كانت تظن أنها ماتت من الظمأ.

ينتهي القارئ من هذا الديوان وهو يحمل في صدره غبار المجاز ولهفة النغمات، مدركاً أن الشاعر لم يكن يصف وطناً بل كان يعيد اختراعه من صمت الأشجار ورقص السنابل حين يصحو النسيم. يوسف فودة يقدم في هذا العمل، الصادر عن دار لوتس، وثيقة عاطفية تؤكد أن القلب الذي يسكنه شعب لا يمكن أن يشيخ، وأن التجاعيد التي تسكن الألحان هي في الحقيقة أخاديد للحب والوفاء. الدرس المستفاد من خلف هذه السطور هو أن الرحيل الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن النظر إلى الأفق البعيد ونبدأ في التنقيب عما استقر في قعر الروح من أوجاع، فثمة دائماً مئذنة تنتظر الضوء الأخضر، وثمة دائماً قصيدة تولد من رحم الرمل لتعلن أن الأرض، رغم كل الأسلاك، لا تزال تدور في أفلاك القصيدة.