أرض دي بلو

الشتاء لم يرحم مدينة جلينيا. خيّم على أزقتها بردٌ لم يعرفه أهلها من قبل، بردٌ ليس فقط في الطقس، بل في بواطن النفوس. موت السلطان إسحاق وزوجته إيما شقّ المملكة نصفين، وأشعل حربًا أهلية لا يبدو لها نهاية. يتنازع على العرش طفلٌ لم يبلغ التاسعة، أشقاء السلطان، وأمٌّ تحلم بحكمٍ جديد. في خضمّ هذه الفوضى، عادت الأميرة نورسن، ضوء القمر الذي يبدد ظلام جلّينيا. لم تكن عادت لترث عرشًا، بل لتصنع ملكًا جديدًا. أعلنت "اختبار الحياة"، نظامًا غريبًا يقيس الذكاء ليحدد المصير. أغلقت أبواب القصر على خصومها، ووضعت نهايةً لحقبةٍ كاملة. بيد أنها، كمن يجمع هشيم النار، لم تدرك أن الخطر الأكبر لا يأتي من الجيوش، بل من همسةٍ خافتة، من صرخة ألمٍ تصم الآذان، ومن ركنٍ مظلمٍ في القلب. أرض دي بلو
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjjUJbJaTBkFDRYyw3Tk7A6oajOIihikDJJV8sLxJC0SEUfmdSApXT0nlRoMtZqQEK4E0GKVhyN8ZBr-LShQ0dZ3pj-Al96n5SAGgmBI-1ev9RO9BVRo7y8dJsusfV2P8hkeyZAr6PKGz5VQVYHxjZNhZTQigPzFmoAsIVDcJeMsTpzNepxz1JV95-rsKk/s320/193.jpg

الشتاء لم يرحم مدينة جلينيا. خيّم على أزقتها بردٌ لم يعرفه أهلها من قبل، بردٌ ليس فقط في الطقس، بل في بواطن النفوس. موت السلطان إسحاق وزوجته إيما شقّ المملكة نصفين، وأشعل حربًا أهلية لا يبدو لها نهاية. يتنازع على العرش طفلٌ لم يبلغ التاسعة، أشقاء السلطان، وأمٌّ تحلم بحكمٍ جديد. في خضمّ هذه الفوضى، عادت الأميرة نورسن، ضوء القمر الذي يبدد ظلام جلّينيا. لم تكن عادت لترث عرشًا، بل لتصنع ملكًا جديدًا. أعلنت "اختبار الحياة"، نظامًا غريبًا يقيس الذكاء ليحدد المصير. أغلقت أبواب القصر على خصومها، ووضعت نهايةً لحقبةٍ كاملة. بيد أنها، كمن يجمع هشيم النار، لم تدرك أن الخطر الأكبر لا يأتي من الجيوش، بل من همسةٍ خافتة، من صرخة ألمٍ تصم الآذان، ومن ركنٍ مظلمٍ في القلب.

أرض دي بلو رواية 193 132 يناير 2019 yes 201091985809 نورهان فوزي كاتبة مصرية

تستيقظ الحروب في رواية "أرض دي بلو" للكاتبة نورهان فوزي كوحشٍ أعمى لا يفرق بين صراخ الأطفال وبكاء الأمهات، حيث تجعلنا المسودة الأولى للألم نتساءل عن جدوى البقاء في مشهدٍ يغلب فيه عدد الموتى على الأحياء، وتصبح نسبة الأرواح الهائمة في الأفق أكثر من ذرات الأكسجين. تنطلق الحكاية من فجيعة الفقد التي لا تحصى بالأرقام الجافة، بل بانكسار القلوب التي كانت تتعلق بالراحلين، فالموت في الحرب فعلٌ جماعي يصيب الأحياء قبل الراحلين. تبدأ خيوط الدراما السياسية والوجدانية بالتشابك عقب رحيل السلطان إسحاق وزوجته إيما، مما يفتح أبواب الجحيم على حرب أهلية طاحنة في "لجينيا" حول أحقية العرش، بين وريثٍ قاصر يدعى أرون، وأطماع الأسرة الملكية التي لا تنتهي. 

تعود الأميرة نورسين من أرض "دي بلو" لتظهر في هذا لظلام كضوء قمرٍ يعد بالخلاص، لكنه قمرٌ يستعير نوره من شمسٍ أخرى ليخفي خلفه كلفاً من الدهاء والمكر. وافقت نورسين على شروط الحكم المؤقت حتى يبلغ أخوها الثامنة عشرة، لكنها سرعان ما قلبت الطاولة على الجميع، معلنةً نظام "اختبار الحياة" الذي يحدد مصير الفرد بناءً على معايير فلسفية وذكاءٍ اصطناعي الطابع، بينما كانت في الحقيقة تحكم قبضتها على السلطة بتصفية الخصوم وتغييب المعارضين وراء القضبان بذرائع الانقلاب.

تتشعب المسارات حين تصبح السلطة مجرد قشرة تخفي وراءها بحثاً محموماً عن "كنز دي بلو"، ذلك السر العتيق الذي تنسبه الأسطورة للشيطان "دابلو"، حيث تتقاطع المصالح بين نورسين والطبيبة عهد وعز الدين. الكنز هنا ليس مجرد ذهبٍ أو ياقوت، بل هو مفتاح السيطرة المطلقة على العالم، وهو العهد الذي كانت الطبيبة عهد تبحث عنه لتدميره حمايةً للبشرية، بينما تسعى نورسين لامتلاكه لإشباع نهمها في الهيمنة. 

وفي هذا الصراع المحتدم، تبرز شخصية "حيان" الذي يمثل الجانب الإنساني المترقيب، حيث يكتب رسائله المليئة بالحنين إلى "أثر"، واضعاً إياها في صندوقٍ ينتظر العودة المستحيلة، معيداً للذاكرة مشهد "بينيلوبي" وهي تنتظر "أوديسيوس" في ملاحم الإغريق، لكن بمرارةٍ عصرية تملؤها أخبار الهروب والغياب الغامض للأميرة "فيمون". تتداخل في النص مشاعر الفقد مع طموحات العرش، وتبرز الحقيقة المرة بأن الحروب، مهما ادعت الدول التي تشعلها الذكاء، تظل في جوهرها فعلاً غبياً يسلب الروح أغلى ما تملك.

تتحول الرواية إلى مرآة تعكس صراع الإنسان مع قدره ومع السلطة التي تشوه الأرواح، فالأميرة نورسين التي بدت في البداية كمنقذة، تحولت إلى كيانٍ معتم يقتات على تصفية الأقارب والولاءات، مؤمنةً بأن الكنز لن يكون إلا لفردٍ واحد كما تقتضي شروط "دابلو". وفي المقابل، تظل رسائل حيان تنبض بحياةٍ موازية، بعيدة عن القصور والمؤامرات، تبحث عن الدفء في تفاصيل الفطور المشترك وضحكات الأخوات التي غيبتها الحرب. إنها رحلة في دهاليز النفس البشرية حين توضع في ميزان القوة، حيث يختبر الجميع معنى الوفاء والخيانة في أرضٍ ارتوت بدماء أبنائها حتى باتت التربة نفسها تروي قصص الراحلين. تنتهي الكلمات ويبقى صدى الصرخة في غرف القصر الصامتة، حيث تختفي الشخصيات خلف أبواب مغلقة، تاركةً خلفها تساؤلاً مريراً عن جدوى الانتصار في عالمٍ فقد قلبه، ففي "دي بلو" لا يوجد رابح حقيقي، بل ناجون يحملون ندوباً لا تبرأ، وقصة كنزٍ يغوي البشر بالفناء قبل الوصول إليه.