فنجان قهوة في مهب الريح الاقتصادية

...
Cover Image
فنجان قهوة في مهب الريح الاقتصادية

فنجان قهوة في مهب الريح الاقتصادية كما يتسلل الفجر من خلال نافذة الصباح ليرسم العالم بضوء جديد، يتسلل الاقتصاد من خلال فنجان القهوة ليرسم حياتنا بأرقام لم نخترها. القهوة — هذا المشروب الذي يجمع بين البدوي والمديني، بين العامل وصاحب العمل، بين الشمال والجنوب — باتت اليوم مرآة تعكس بدقة

كما يتسلل الفجر من خلال نافذة الصباح ليرسم العالم بضوء جديد، يتسلل الاقتصاد من خلال فنجان القهوة ليرسم حياتنا بأرقام لم نخترها. القهوة — هذا المشروب الذي يجمع بين البدوي والمديني، بين العامل وصاحب العمل، بين الشمال والجنوب — باتت اليوم مرآة تعكس بدقة مذهلة حالة الاضطراب الاقتصادي الذي يعصف بالعالم. ليس مجازاً بلاغياً فحسب، بل واقعاً محسوساً: حين يرتفع سعر فنجانك الصباحي، فأنت تستشعر بيديك وحلقك موجة تضخمية بدأت ربما في غابات البرازيل (Brazil) أو مزارع إثيوبيا (Ethiopia) وانتهت على طاولتك. سعر القهوة رسالة من العالم إلى كل واحد منا — وقد آن أوان قراءتها.


حبة البن بوصفها مؤشراً اقتصادياً

يشكّل سعر القهوة اليوم واحداً من أدق المؤشرات الحسية لفهم ما يجري في الاقتصاد العالمي (global economy). فهو لا يعكس تكلفة المادة الخام وحدها، بل يحمل في طياته تكاليف الشحن والتأمين والطاقة والعمالة والضرائب الجمركية، كل هذه العناصر مضغوطة في ثمن كوب واحد. وحين تتغير أسعار النفط في الخليج (Gulf)، أو تضرب فيضانات حقول فيتنام (Vietnam)، أو تفرض إدارة أمريكية رسوماً جمركية جديدة (tariffs)، فإن الأثر لا يتأخر طويلاً في الظهور على قائمة أسعار المقهى المجاور.

التضخم (inflation) ليس مجرد رقم تُذيعه البنوك المركزية في بيانات جافة. هو الشعور الذي ينتابك حين تدفع اليوم ما كنت تدفعه أمس عن شيء أقل. وفنجان القهوة — بسبب حضوره اليومي في حياة الملايين — يُجسّد هذا الشعور أكثر من أي سلعة أخرى. دراسات عدة أشارت إلى أن المستهلكين يُدركون التضخم ويتأثرون به نفسياً أولاً من خلال السلع المتكررة الاستهلاك، والقهوة في مقدمتها.


العولمة في كوب صغير

مما يلفت الانتباه أن سلسلة توريد (supply chain) فنجان القهوة الواحد قد تمتد عبر اثني عشر دولة أو أكثر. البذرة تُزرع في كولومبيا (Colombia)، تُحمّص في هولندا (Netherlands)، تُعبّأ في ألمانيا (Germany)، تُشحن عبر قناة السويس (Suez Canal)، وتصل أخيراً إلى مقهى في القاهرة أو الرياض أو بيروت. هذه الرحلة الطويلة هي العولمة (globalization) في صورتها الأكثر ملموسية — ليست مفهوماً أكاديمياً يُدرَّس في الجامعات، بل شبكة معقدة من التبعيات والتفاعلات تسكن حياتنا اليومية دون أن ننتبه إليها.

غير أن هذا التشابك الوثيق يحمل هشاشة مدمجة في بنيته. جائحة كوفيد-19 (COVID-19) كشفت بجلاء كيف يمكن لحادثة صحية في مدينة واحدة أن تُشلّ سلاسل التوريد العالمية لأشهر. وحين توقفت السفن في ميناء شنغهاي (Shanghai)، ارتفعت أسعار البن في متاجر أوروبا وأمريكا وأفريقيا في وقت واحد. الكوب الصغير كان يحمل داخله عواصف كبرى.


القهوة وأثقال الإنسان العادي

بعيداً عن الأرقام والبيانات، ثمة وجه إنساني لهذه القصة لا ينبغي أن يغيب. ميزانية الأسرة المتوسطة في مدن كالقاهرة (Cairo) أو تونس (Tunis) أو عمّان (Amman) باتت تشعر بوطأة ارتفاع أسعار القهوة بشكل ملموس، خاصة مع انضمامه إلى موجة غلاء أشمل طالت الخبز والزيت والكهرباء. وحين يضطر رب الأسرة إلى إعادة حساباته أمام رف البقالة، فهو لا يُجري عملية حسابية فحسب، بل يُعيد ترتيب أولوياته وربما يتنازل عن بعض ما اعتاد عليه.

القهوة جزء من نسيج الحياة الاجتماعية في المجتمعات العربية تحديداً. المقهى ليس مكاناً للشرب وحده، بل فضاء للتفكير والحوار والصداقة. حين يرتفع ثمن الكوب، يرتفع معه ثمن هذا الفضاء الاجتماعي، ويُصبح ترفاً ما كان حقاً مكتسباً. وهذا التحول — وإن بدا صغيراً — هو جزء من تآكل تدريجي لنوعية الحياة يُحدثه الاضطراب الاقتصادي في العلاقات الإنسانية قبل أن يُحدثه في الأرقام.


حين يصبح الاختيار وهماً

يذكرنا هذا كله بما طرحه جورج أورويل (George Orwell) في "1984" — ليس تشبيهاً حرفياً، بل استحضاراً لفكرته الجوهرية حول كيف تُضيّق الأنظمة الكبرى هامش الاختيار الفردي تحت ستار الحرية. الفرد اليوم أمام رفوف المتجر يظن أنه يختار، بيد أنه في الحقيقة يختار ضمن إطار رسمه له الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد وقرارات البنوك المركزية (central banks) وسياسات الدعم الحكومي. حريته حقيقية في الشكل، محدودة في الجوهر.

وهذا ما أثاره المفكر الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) حين تحدث عن مجتمع الاستهلاك (consumer society) — أن الإنسان بات يُعرّف ذاته من خلال ما يشتريه لا من خلال ما يفعله أو يفكر فيه. فنجان القهوة الذي تختاره — قهوة مختصة (specialty coffee) أم نسكافيه (Nescafé) سريع التحضير — بات ينطوي على رسالة اجتماعية عن موقعك في السلم الطبقي وهويتك الثقافية. وهذا البُعد الرمزي يجعل ارتفاع الأسعار أشد وطأة، إذ لا يسلب منك المال وحده، بل يُهدد هويتك الاستهلاكية المكتسبة.


ماذا يخبئ الفنجان للغد؟

هل سيستمر سعر القهوة في الارتفاع حتى يُصبح ترفاً لا يقدر عليه الجميع؟ أم أن السوق ستجد توازناً جديداً، وبدائل لم تخطر لنا ببال؟ السؤال الأعمق المضمر في هذا كله هو: إلى أي حد نحن مستعدون لأن ندفع — لا بالمال وحده، بل بالاختيار والكرامة والعادة — ثمن عالم اقتصادي لم نُشارك في تصميمه؟

تغادر القهوة الفنجان وتبقى أسئلتها معلقة في الهواء. يبقى التساؤل حول ما إذا كنا سنواصل الانجراف مع تيار الأسعار والأنظمة، أم سنجد في مكان ما الشجاعة لإعادة تعريف ما نحتاجه وما نريده فعلاً. النظام الاقتصادي العالمي (global economic system) لن يتوقف ليسألنا عن رأينا — وكما تغادر القهوة الفنجان وتترك دفأها لحظة ثم تبرد، يترك لنا العالم مساحة صغيرة لنصنع فيها خيارنا، قبل أن تأتي الموجة التالية.

المصدر: https://www.bbc.com/news/articles/cr5pp1m6z06o?atmedium=RSS&atcampaign=rss