جموع الكثرة: حين يصبح أصحاب الحق غرباء

... مشاهدة
Cover Image
جموع الكثرة

ما بين حين وآخر يُطل علينا محبو الشهرة والأضواء بأمور غريبة عجيبة، وسرعان ما تنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم، ويبدأ الغُرُّ السُّذَّج في تقليدهم في كل ما يقومون به، سواء أكان فعلهم حسنًا أو قبيحًا، فلا يضعون اعتبارًا للشرع ولا للعرف، فقط يحاولون ركوب الموجة، حتى يظهروا بمظهر

ما بين حين وآخر يُطل علينا محبو الشهرة والأضواء بأمور غريبة عجيبة، وسرعان ما تنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم، ويبدأ الغُرُّ السُّذَّج في تقليدهم في كل ما يقومون به، سواء أكان فعلهم حسنًا أو قبيحًا، فلا يضعون اعتبارًا للشرع ولا للعرف، فقط يحاولون ركوب الموجة، حتى يظهروا بمظهر لائق كما يخيل إليهم، ويتناسى هؤلاء المغيَّبون أن أغلب هؤلاء المتَّبَعين في غيٍّ وضلال مبين، وحين تسأل هؤلاء المتَّبِعون يجيبون بأن جميع الناس يفعل ذلك، أو على الأقل أكثرهم، وينسون أن حال أغلب الناس كما وصفهم الله تعالى في أحد عشر موضعًا من كتاب الله بلفظ: “‌وَلَٰكِنَّ ‌أَكۡثَرَ ‌ٱلنَّاسِ ‌لَا ‌يَعۡلَمُونَ”، ومواضع أخرى تصفهم بالجهل والضلال والظلم والكفر.

إذن فالمقياس ليس بكثرة الأتباع، فلا يغرنك كثرة السالكين لطريق الباطل، ولا تنساق وراءهم، بل كن أنت على طريق الحق ولو كنت وحدك، وما أبلغ ما قاله الشيخ أبو إسحاق الحويني: «ما دمت على الحق؛ فأنت الجماعة ولو كنت وحدك»، فكن على درب النجاة تهتدي.

لقد صار أغلبنا لا يضع اعتبارًا للشرع وإنما لأهواء الناس، فما استحسنه الناس رآه حسنًا، وما استقبحه الناس رآه قبيحًا، حتى وإن خالف شرع الله تعالى، والإجابة الجاهزة لكل هذا؛ الناس يفعلون ذلك، فوالله ما فسدت أحوال الأمم الماضية إلا بسبب فساد عقولهم واتباع ضلَّالهم، “وَقَالُواْ رَبَّنَآ ‌إِنَّآ ‌أَطَعۡنَا ‌سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ” [الأحزاب: 67].

حتى وجد أصحاب الحق أنهم غرباء في هذا الزمان، وقد أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم عن هذا الزمان حيث قال في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي اله عنه: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، ‌فطوبى ‌للغرباء».

لقد أنكر الكثيرون الحق وغيبوا عقولهم واتبعوا هواهم، فكانت النتيجة الحتمية لذلك: ”وَمَآ ‌أَكۡثَرُ ‌ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ» [يوسف: 103]، «لَقَدۡ ‌حَقَّ ‌ٱلۡقَوۡلُ ‌عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ» [يس: 7].

ونتيجة لغياب هذا الإيمان غابت ثمرته وهي العمل الصالح، لذا تجد أكثر الناس بعيدين عن الله، وتجد قلة قليلة ممن يحافظ على صلاته ويحرص على أعمال الخير، حتى تظل سنة الله في خلقه أن يبقى في الناس أهل الإيمان حتى وإن كانوا قلة، «وَلَوۡلَا ‌فَضۡلُ ‌ٱللَّهِ ‌عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا» [النساء: 83].

والعجيب أن تجد أصحاب الباطل يدافعون وينافحون عن باطلهم، بل ويكابرون في قبول الحق والانصياع له؛ «وَأَكۡثَرُهُمۡ ‌لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ» [المؤمنون:70].

وما ذلك إلا بسبب غياب فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، «فَلَوۡلَا ‌كَانَ ‌مِنَ ‌ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ» [هود:116].

«والذي نفسي بيده ‌لتأمرن ‌بالمعروف ولتنهون عن المنكر؛ أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»، فبغياب الأمر بالمعروف ظن أصحاب الباطل أنهم على الحق، بل وكرسوا جهودهم للسخرية من أهل الإيمان؛ «إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ . وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ» [المطففين: 29-32].

فلا يغترَّنَّ أحدٌ بكثرة أهل الباطل والضلال، فلقد حذر الله تعالى من الاغترار بأمثال هؤلاء، حيث يقول في كتابه العزيز: «قُل ‌لَّا ‌يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ» [المائدة: 100]، فالعبرة ليست في الكثرة إن كانوا على ضلال، فإن سنة الله أن تجد أن أتباع الأنبياء دائمًا قلة؛ «وَمَآ ‌ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ» [هود: 40].

فلا تسير خلف القطيع لمجرد أنهم كثرة؛ «وَإِن ‌تُطِعۡ ‌أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ» [الأنعام: 116].

لذا الزم الحق وسِر في طريقه، ولا تلتفت إلى أولئك الهالكين، وما أحسن ما قاله الفضيل بن عياض: «الزم طُرُق الهدى، ولا يضرك ‌قلة ‌السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين»، حتى وإن سرت وحدًا في طريق الهدى؛ «إِنَّ ‌إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ» [النحل: 120]

فكن غريبًا، فطوبى للغرباء.