سفاح المدينة

من عمق العتمة الساحلية وفي صقيع كانون تنبثق غواية الدماء لتسلب الإسكندرية طمأنينتها. إذ يطل القاتل خفيفاً كالشبح ومحكماً كالقضاء ومخلفاً وراءه أجساداً معلقة تتأرجح بين الموت والنجاة وعائلات تتبدد في لمحة بصر. بيد أن الإثارة لا تكمن في بشاعة المذابح فحسب بل في تلك الألغاز الهندسية الدقيقة التي يتحدى بها السفاك جهابذة التحقيق الجنائي. حيث تغدو الخياطة السوداء على الشفاه واستئصال العيون المترفة بالرعب رسائل مشفرة تعيد صياغة مفهوم الانتقام والجريمة. ومن هنا يجد القارئ نفسه متورطاً في ملاحقة لاهثة لا تمنحه فرصة لالتقاط الأنفاس وسط طقوس مرعبة تختبر حدود العقل البشري. سفاح المدينة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhC3uDwkpt3zXu6yUr_Z9nqbYYbS8PTh7MZ-JUg8UKe-77SoAeTwKGK1aXDjx2XgmVv3JH7dIYFaSyc4Az8lvboxYM5H_Wb0JkQ3NyQn7zkE7fp1HnvhgNnFB-UfoI9KGyNgUXbtUj9Fm3-B0R5BfJMUfQ9BJ8M4pwW3-iM4M9yhyLT2MFQyCyeNmkWKTQ/s320/132.jpg

من عمق العتمة الساحلية وفي صقيع كانون تنبثق غواية الدماء لتسلب الإسكندرية طمأنينتها. إذ يطل القاتل خفيفاً كالشبح ومحكماً كالقضاء ومخلفاً وراءه أجساداً معلقة تتأرجح بين الموت والنجاة وعائلات تتبدد في لمحة بصر. بيد أن الإثارة لا تكمن في بشاعة المذابح فحسب بل في تلك الألغاز الهندسية الدقيقة التي يتحدى بها السفاك جهابذة التحقيق الجنائي. حيث تغدو الخياطة السوداء على الشفاه واستئصال العيون المترفة بالرعب رسائل مشفرة تعيد صياغة مفهوم الانتقام والجريمة. ومن هنا يجد القارئ نفسه متورطاً في ملاحقة لاهثة لا تمنحه فرصة لالتقاط الأنفاس وسط طقوس مرعبة تختبر حدود العقل البشري.

سفاح المدينة رواية 132 172 نوفمبر 2018 yes 201091985809 إسلام علي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgEo-OCVhFD37i3aAPdG8BBqMSEDbKEf71Vn7gRYpcpDT3SgQRD8U2zRAdwN6yA_AGeXW1AuDhAksyq1Whg1gFXu0LOoM5ZAGc8XU7MQbyn_cDZPXwflT_9zHx0l_Yz8HJxOXYghAeEFaZzOMZlhurcVB7PkbrnHeTf4ATHheA-vGFOsT2gGMlC_R1oBaM/s800/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%8A.jpg

تنطلق هذه الرواية البوليسية من نقطة تصادم عنيف مع الاستقرار المجتمعي في مدينة الثغر وتحديداً في حي المنشية العريق. إذ تفتتح الأحداث بجريمة مروعة تفوق الوصف وتضع السلطات الأمنية في مواجهة مباشرة مع عقل إجرامي فائق التنظيم والوحشية. حيث يعثر رجال الحراسة على عائلة بأكملها مشنوقة ومثبتة بحبال معقدة تتصل بآلية ميكانيكية مبتكرة في باب المنزل الخارجي. ومن هنا يتضح أن القاتل لم يكن يبغي مجرد الإزهاق السريع للأرواح البيد أنه تعمد صياغة مشهد مسرحي مأساوي يجعل المنقذين أنفسهم هم الأداة المباشرة لتنفيذ حكم الإعدام بالضحايا عند فتح الباب.

وعلى هذا الأساس يدرك المحقق ممدوح منذ اللحظة الأولى لمعاينته مسرح الجريمة البشع أنه لا يتعامل مع مجرم تقليدي تحركه دوافع آنية بل مع ظاهرة سيكولوجية معقدة تتخذ من الجسد البشري لوحة لإيصال رسائل مبهمة. يتجلى العمق التحليلي للرواية من خلال الفروق الدقيقة والمحيرة التي يعتمدها الجاني في التعامل مع ضحاياه من الرجال والنساء.

إذ يعمد بدم بارد إلى تصفية أعين الرجال وخياطة شفاههم بخيوط سوداء قاتمة كأنما يحرمهم من الرؤية والكلام في اللحظات الأخيرة. في المقابل ينتهج أسلوباً مغايراً تماماً مع النساء عبر تركه لأفواههن وأعينهن وحلق شعر رؤوسهن بعجلة واضحة.

ولذلك تنشأ شبكة عريضة من الأسئلة الوجودية والجنائية في ذهن فريق البحث الجنائي حول المغزى السري الكامن وراء هذه الطقوس الرمزية البحتة. فضلاً عن ذلك يقود التتبع الدقيق لغرف القصر إلى العثور على دمى مشوهة ومطعونة بسكاكين جزارين داخل أسرة الأطفال مما يضفي على الجو العام للرواية طابعاً سوداوياً كابوسياً ينم عن اضطراب نفسي حاد واعتلال سلوكي مركّب لدى الفاعل.

يتسع نطاق الإثارة والغموض بصورة مطردة مع تتابع فصول الملاحقة وتعدد مسارح الجريمة المتنقلة عبر أحياء الإسكندرية.

غير أن الحبكة تأخذ منعطفاً مذهلاً حين يتداخل الفحص الطبي الشرعي مع التحقيقات الميدانية ليكشف عن عامل مشترك غريب يربط بين حوادث تبدو في ظاهرها وفيات طبيعية بسب السكتات القلبية أو تسرب الغاز المنزلي.

إذ يتبين بعد التشريح الدقيق وجود نسب عالية من سم التيدرودوتاكسين المستخلص من الكائنات البحرية السامة في دماء الضحايا الجدد. ومن ثم تصبح الرواية صراعاً مريراً ضد الوقت وضد عدو خفي يبدو دائماً متقدماً بخطوة أو خطوتين على الأجهزة الأمنية كافة.

بل إن التحدي يبلغ ذروته عندما تكتشف السلطات علامات مرسومة بحبر جلدي سري لا تظهر إلا تحت محاليل كيميائية معينة ومكتوب بها أرقام متسلسلة على أجساد الموتى لتعلن صراحة عن وجود لائحة تصفيات مستمرة ومحسوبة بدقة متناهية.