الفراشات لا تسكن القبور

الليل يزحف على المدينة، يلقي بظلاله الثقيلة على "رباب" التي تتلمس طريقها في عتمةٍ لا يعبرها سوى البرق والرعد. تخالها قطة جريحة، بللها دموع السماء، تئن وحيدة في شارعٍ خلته النجوم. تتشبث بالحائط، تلتقط أنفاسها المتسارعة، تلف يديها المرتعشتين حول صدرها، تنفث فيهما دفءًا قد يقي جسدها من صقيع الليل. تبحث عن صيدلية، عن جرعة دواء تخفف وطأة ألمٍ لا ينتهي، ألمٌ مزقته نظرات الريبة، غسلته دموعٌ اختلطت بالطين وبعض الدماء. هنا، في قلب ليلٍ كئيب، تتشظى إنسانية "رباب" تحت وطأة الوحدة والقسوة، وتتجسد دراما الألم في كل خطوة تخطوها. الفراشات لا تسكن القبور
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEix3dwIyOoeHFuy99kdty-VkKw9g3n01RZky4oes4WfI6tvSijdU2hOhCqMWb1dutyHHF3Gz0yXpk3wRRQzH5fUFrza0VwtmPe0pEaneq9nSC4DjLOwmCUFZz59Gt6Ximj9oWKQnPBWIgavLNNtaU9nw8RfgvnTfDTtYGTWTzV_gLgnfXrSKnP9YYmZ0Co/s320/160.jpg

الليل يزحف على المدينة، يلقي بظلاله الثقيلة على "رباب" التي تتلمس طريقها في عتمةٍ لا يعبرها سوى البرق والرعد. تخالها قطة جريحة، بللها دموع السماء، تئن وحيدة في شارعٍ خلته النجوم. تتشبث بالحائط، تلتقط أنفاسها المتسارعة، تلف يديها المرتعشتين حول صدرها، تنفث فيهما دفءًا قد يقي جسدها من صقيع الليل. تبحث عن صيدلية، عن جرعة دواء تخفف وطأة ألمٍ لا ينتهي، ألمٌ مزقته نظرات الريبة، غسلته دموعٌ اختلطت بالطين وبعض الدماء. هنا، في قلب ليلٍ كئيب، تتشظى إنسانية "رباب" تحت وطأة الوحدة والقسوة، وتتجسد دراما الألم في كل خطوة تخطوها.

الفراشات لا تسكن القبور مجموعة قصصية 160 128 ديسمبر 2018 no حنان الهواري كاتبة مصرية

تنبثق حكايات حنان الهواري في مجموعتها القصصية "الفراشات لا تسكن القبور" من عتمات الروح لترسم ملامح الوجع الإنساني في صورتها الأكثر عرياً وصدقاً. تبدأ المجموعة كمن يفتح جرحاً قديماً ليخرج منه الضوء، حيث تتشابك مصائر الشخوص بين أزقة القاهرة والدار البيضاء، في عوالم يغلب عليها ملوحة الدمع ومرارة الفقد. تفتتح الأديبة نسيجها السردي بمشهد ليلة كئيبة، حيث تخوض "رباب" معركة مع وحشة الليل والقدر، باحثة عن دواء لزوجها المحموم الذي سقط في فخ الإدمان، لتتحول رحلتها إلى صيدليات المدينة إلى رحلة في قسوة البشر وازدرائهم. إنها تجسيد حي للصراع بين الحب الذي يأبى التخلي، وبين الواقع الذي يلقي بالإنسان في أتون التهميش والنبذ، وكأنما أرادت الكاتبة منذ السطر الأول أن تعلن أن الحياة ليست دائماً رحيمة بالفراشات التي تطير بين قبور الأحلام المحطمة.

تنتقل اللغة في ثنايا العمل من رصد الواقعية الاجتماعية إلى الغوص في دهاليز النفس البشرية التي تشبه غابة مظلمة من المشاعر المتضاربة. نلتقي بامرأة تقف أمام مرآتها بعد ستين عاماً من الغفلة، لتكتشف أن الشيب لم يغزُ شعرها فحسب، بل حفر أخاديد الخيبة في ملامحها، في استحضار رمزي لقصة "أهل الكهف" ولكن بنهاية تراجيدية، حيث الاستيقاظ لا يكون على كنز، بل على فوات الأوان. تبرز هنا قدرة القاصة على تحويل اللحظة العادية إلى مشهد سريالي، كما في رؤية الجارة التي ترتكب جريمة تقطيع جثة زوجها بمساعدة امرأة غريبة، حيث يتحول الصقيع الداخلي إلى حمم بركانية تفجر تساؤلات حول الذنب، والندم، والقدرة على التعايش مع الجريمة في صمت الجدران.

يمتد الخيط السردي ليصل إلى تخوم العشق الذي يشبه الاجتياح العسكري، حيث يجد رجل أربعيني نفسه غارقاً في حب يهدد أركان استقراره العائلي. يصور النص هذا الحب كقوة كاسحة تذيب العقل وتستنفر القلب، فالعشق هنا ليس نزهة بل هو احتراق وابتلاء، يعيد صياغة هوية الإنسان من جديد حتى يغدو "ابن قلبها" لا رباً لأسرة مستقرة. تتجلى في هذه المجموعة رؤية فلسفية عميقة للحرية والارتهان؛ فبينما يمنح "مشروع النشر الحر" الكاتب فضاءً للتعبير بلا احتكار، تظل الشخصيات القصصية محبوسة في صراعاتها الأخلاقية والاجتماعية، تبحث عن مخرج من قبورها النفسية.

تذكرنا هذه القصص بما قاله الروائي الروسي "دوستويفسكي" عن سبر أغوار النفس البشرية في حالاتها القصوى، فالشخوص هنا مسكونة بالخوف والترقب، يراقبون نوراً أخضر على شاشاتهم كأنه صلة الوصل الأخيرة بالحياة. اللغة عند حنان الهواري ليست مجرد أداة لنقل الخبر، بل هي رداء موسيقي يغلف آلاماً حقيقية، تجعل القارئ يشعر بوخز الشوك قبل أن يشم عطر الورد. إنها مجموعة تكتب عن الفراشات التي تحاول التحليق في مساحات ضيقة، وعن الأرواح التي ترفض الاستسلام للسواد رغم أن كل شيء حولها يشير إلى الأفول. الدرس هنا ليس في النجاة، بل في المحاولة المستميتة للبقاء أحياء تحت وطأة الانكسارات، حيث تظل الكلمات هي الملاذ الأخير قبل أن يبتلع الصمت كل شيء.