بريطانيا تبحث عن قانون يحمي أطفالها من وسائل التواصل

...
Cover Image
حين تصبح أستراليا نموذجاً: بريطانيا تبحث عن قانون يحمي أطفالها من وسائل التواصل

زيارة وزير بريطاني إلى كانبيرا (Canberra) لم تكن في جدول الأعمال الدبلوماسي المعتاد — بل كانت رحلة استطلاعية بامتياز. الهدف: فهم كيف طبّقت أستراليا (Australia) قانوناً يحظر على الأطفال دون السادسة عشرة استخدام منصات التواصل الاجتماعي (Social Media)، وما إذا كان هذا النموذج قابلاً للنقل إلى المشهد البريطاني. تلك الزيارة

زيارة وزير بريطاني إلى كانبيرا (Canberra) لم تكن في جدول الأعمال الدبلوماسي المعتاد — بل كانت رحلة استطلاعية بامتياز. الهدف: فهم كيف طبّقت أستراليا (Australia) قانوناً يحظر على الأطفال دون السادسة عشرة استخدام منصات التواصل الاجتماعي (Social Media)، وما إذا كان هذا النموذج قابلاً للنقل إلى المشهد البريطاني. تلك الزيارة تعكس حقيقة باتت واضحة لدى صانعي القرار الغربيين: الخطاب السياسي وحده لم يعد كافياً، والوقت حان لاستعارة تجارب من نجح.


القانون الأسترالي: ما الذي جرى فعلاً؟

أقرّ البرلمان الأسترالي (Australian Parliament) في نهاية عام 2024 قانوناً يُلزم منصات التواصل الاجتماعي بالتحقق من أعمار مستخدميها، وحظر وصول من هم دون السادسة عشرة إليها. القانون لا يُلقي المسؤولية على الأطفال أو ذويهم، بل يُحمّلها مباشرة للشركات — وهذا هو جوهر الفكرة. المنصة التي تُخفق في التحقق تواجه غرامات ضخمة، لا تحذيراً ورقياً.

التطبيق الفعلي ليس بسيطاً. التحقق من العمر (Age Verification) يثير بدوره إشكاليات متعلقة بالخصوصية (Privacy)، إذ يتساءل كثيرون: كيف تُثبت عمرك دون أن تكشف هويتك لشركة خاصة؟ الحكومة الأسترالية قالت إنها تعمل على آليات تحقق لا تتطلب تقديم وثائق هوية كاملة، لكن التفاصيل التقنية لا تزال موضع جدل بين مختصين في أمن المعلومات.


لماذا تنظر بريطانيا إلى الجنوب؟

بريطانيا ليست في فراغ تشريعي. قانون السلامة الإلكترونية (Online Safety Act) الذي أُقرّ عام 2023 وضع إطاراً عاماً لتنظيم المحتوى الرقمي، وكلّف هيئة الاتصالات (Ofcom) بصلاحيات رقابية موسّعة. غير أن الحكومة الحالية ترى أن هذا الإطار لا يكفي وحده لمعالجة الضرر المتراكم على الصحة النفسية للأطفال جراء الاستخدام المفرط للمنصات.

الدراسات التي تتراكم منذ سنوات تربط بين ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب لدى المراهقين وبين الانخراط المطوّل في منصات كـ Instagram وTikTok وX. الباحثة الأمريكية جوناثان هايدت (Jonathan Haidt) في كتابه "العقل القلق" (The Anxious Generation) الصادر عام 2024 قدّم ما وصفه بأدلة تجريبية على هذا الارتباط، وإن لم يخلُ موقفه من انتقادات منهجية. بيد أن النقاش الأكاديمي لم يمنع الزخم السياسي من التصاعد على جانبَي الأطلسي.


التوافق السياسي: نادر لكنه حاضر

ما يلفت في هذا الملف هو شبه التوافق الحزبي غير المعتاد في بريطانيا. المحافظون (Conservatives) والعمال (Labour) يتنافسون على من يبدو أكثر حزماً في مواجهة شركات التواصل الاجتماعي، لا على مبدأ التنظيم ذاته. هذا التوافق نابع جزئياً من ضغط الرأي العام، إذ تُظهر استطلاعات متعددة أن غالبية الآباء البريطانيين يؤيدون فرض قيود على وصول الأطفال لهذه المنصات.

الشركات من جهتها تتعامل مع هذا الزخم بمزيج من المقاومة والتكيّف. ميتا (Meta) وتيك توك (TikTok) وغوغل (Google) أعلنت جميعها عن "أدوات للسلامة" و"وضع المراهق" وما شابه ذلك، لكن المنتقدين يصفون هذه الخطوات بأنها علاقات عامة أكثر منها تغييراً جوهرياً في نماذج أعمال تقوم أصلاً على تعظيم وقت الاستخدام.


الإدمان بالتصميم

المسألة الجوهرية التي تُؤطّر هذا النقاش كله هي أن هذه المنصات لم تُصمَّم بالصدفة لتكون إدمانية. خوارزميات الإشباع المتقطع (Variable Reward Algorithms) المستخدمة في تغذية المحتوى (Content Feed) مستوحاة من أبحاث علم النفس السلوكي (Behavioral Psychology)، وتستهدف تحديداً إبقاء المستخدم منخرطاً أطول وقت ممكن. هذا ليس افتراضاً نظرياً، بل شهادة سابقين من داخل هذه الشركات أكدوها في جلسات استماع أمام الكونغرس الأمريكي (US Congress) والبرلمان البريطاني على حد سواء.

حين يواجه دماغ مراهق — وهو دماغ لا يزال في طور التطور العصبي (Neurological Development) — نظاماً مُصمَّماً من قِبل مئات المهندسين ليكون جاذباً وملتهباً للانتباه، فالحديث عن "إرادة فردية" أو "مسؤولية الأهل" يبدو متجاهلاً لعدم التكافؤ الصارخ في هذه المعادلة.


حدود النموذج الأسترالي

الإعجاب بالتجربة الأسترالية لا يعني القبول بها كاملة دون تمحيص. ثمة أسئلة مشروعة لم تحسمها كانبيرا بعد. الأول: هل يعمل الحظر فعلاً، أم أن المراهقين يجدون طرقاً للالتفاف عليه عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)؟ التقارير الأولية تشير إلى أن الالتفاف موجود، لكن بنسب أقل مما توقعه المنتقدون. الثاني: ماذا يحدث حين ينتقل الأطفال المُبعَدون عن المنصات الكبرى إلى منصات أصغر لا تخضع للرقابة ذاتها؟ الثالث: كيف يُعامَل الشباب بين السادسة عشرة والثامنة عشرة الذين يمتلكون تقنياً حق الوصول لكنهم لا يزالون في مرحلة هشاشة نفسية؟

هذه الأسئلة لا تُلغي قيمة التجربة، لكنها تُحذّر من أن نسخها حرفياً دون مراعاة الفوارق في البنية التشريعية والتقنية والاجتماعية بين البلدين.


ما الذي تريده بريطانيا بالضبط؟

التصريحات الوزارية البريطانية تتحدث عن "اتخاذ إجراءات أكثر صرامة" دون أن تُحدد بعد شكلها القانوني النهائي. هل سيكون حظراً شاملاً على غرار النموذج الأسترالي؟ أم تشديداً في تطبيق قانون السلامة الإلكترونية القائم؟ أم نهجاً وسطياً يفرض متطلبات على المنصات دون تحديد سن صريح للحظر؟

هذا الغموض التشريعي المقصود ليس بالضرورة مؤشر تردد — قد يكون استراتيجية لاستيعاب نتائج الزيارة الاستطلاعية قبل الإعلان عن أي التزامات محددة. الوزير عاد من أستراليا بمعلومات، لا بقرار جاهز.

السؤال الذي تتحاشاه الحكومات عادةً لكنه يظل معلقاً في هذا النقاش: هل مشكلة وسائل التواصل الاجتماعي مشكلة سن، أم مشكلة تصميم؟ وإن كانت الثانية — كما يحتج كثير من الباحثين — فهل يكفي حماية القاصرين وحدهم، أم أن الدماغ البالغ أيضاً يستحق حماية من نماذج أعمال مُصمَّمة لاستنزافه؟

المصدر: https://www.theguardian.com/media/2026/may/28/uk-social-media-crackdown-british-minister-visits-australia