السفينة

على رصيف ميشيغان، حيث يلف الظلام مدينة ديرتويت، انقطع سكون الليل المطبق بزفير فتاة هاربة. قبعة صوف حمراء، وشعر أسود ينسدل كوشاح، ومعطف أمبر، كلها تفاصيل ترسم لوحة مطاردة محمومة. تركض نحو كرايسلر هاوس الشاهق، متجاوزةً بهو بون بون للشوكولاتة، حيث كانت تعمل قبل لحظات. فجأة، أربعة رجال أقوياء يشددون الخناق. الباب الزجاجي للمتجر موصد، والصراخ يرتطم بجدار مغلق. تلوح يد من الداخل بالإشارة إلى الانصراف، لكن الأقدام تستمر في العدو، والرجال يتقدمون، يقتربون من إحكام قبضتهم. الأنفاس تتسارع، نبض القلب يتصاعد، والحياة نفسها أصبحت مطاردة في شوارع مدينة نائمة. السفينة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgoLaG-RP6M2e0InUGXR40XCzS-ho1GZA_AgdVo2uTvPyiexiSNX-k2nxB7mS9Tll7cbL4Gidoo1TiydrCfs9XOc7WQ8b-GwtKhQt5PYAOxbW2IJ-9NV3YBMwx1S1AWwvgtj-m20uFex4s76CoAed0i_A_T6kMn7sPQuPZ5z-Dtvtp_0pYmduh0otMrUEM/s320/166.jpg

على رصيف ميشيغان، حيث يلف الظلام مدينة ديرتويت، انقطع سكون الليل المطبق بزفير فتاة هاربة. قبعة صوف حمراء، وشعر أسود ينسدل كوشاح، ومعطف أمبر، كلها تفاصيل ترسم لوحة مطاردة محمومة. تركض نحو كرايسلر هاوس الشاهق، متجاوزةً بهو بون بون للشوكولاتة، حيث كانت تعمل قبل لحظات. فجأة، أربعة رجال أقوياء يشددون الخناق. الباب الزجاجي للمتجر موصد، والصراخ يرتطم بجدار مغلق. تلوح يد من الداخل بالإشارة إلى الانصراف، لكن الأقدام تستمر في العدو، والرجال يتقدمون، يقتربون من إحكام قبضتهم. الأنفاس تتسارع، نبض القلب يتصاعد، والحياة نفسها أصبحت مطاردة في شوارع مدينة نائمة.

السفينة رواية 166 112 ديسمبر 2018 yes 201091985809 مصطفى مكاوي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEin3O07QN_C-yO7KbqVoLvcP5kDtvCPpz789tJkcyn1Ep2PqbJ9LRwoI0d-xDTRzgghoD2ssflxujqo3Y_iTRcqaZlPEz47wyMLn00p0hCWcyUf3gJzzGs7A9HV-etAWrE1dwKZm1YsQ8k-lHWxF4T_Nhx1GocE6HoG9uqHSyZgwOLja35v5h3p2Mi9FCA/s800/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%88%D9%8A.jpg

ديترويت مدينة لا تنام إلا لتستيقظ على فزع جديد، حيث الزجاج يرتجف خلفه الخوف، والشوارع الضيقة في ولاية ميشيغان تتحول إلى مسرح لمطاردات لا تنتهي. تبدأ خيوط رواية "السفينة" للكاتب مصطفى مكاوي من صرخة فتاة حسناء في "شارع جريس"، تكسر سكون الصوف الأحمر تحت أضواء المتاجر الموصدة، لتعلن عن انطلاق رحلة عبثية يختلط فيها لؤم الاحتيال بشراسة الانتقام. إنها حكاية تذكرنا بما قاله "دوستويفسكي" يوماً عن النفس البشرية التي تحمل في طياتها الشيء ونقيضه، حيث يتجاور الجمال مع القبح، والنجاة مع الهلاك، فوق سفينة من الأحداث التي لا تهدأ أمواجها حتى تبتلع ركابها في دوامة من الأقنعة الزائفة والمصائر المتقاطعة.

يجسد الشخصية المحورية "عماد" نموذج المحتال الذي يتنفس المراوغة، فهو يتقمص هويات متعددة بأسماء مثل "جاكوب" و"مارك" و"روب"، متلاعباً بقلوب النساء وعقولهن حتى يجد نفسه محاصراً في غرفة نوم ضيقة بأربع نساء يطلبن دمه أو ماله. الصاعق الكهربائي الذي أسقطه أرضاً لم يكن سوى نذير بالهاوية التي حفرها لنفسه، فبينما كان يظن أنه سيد اللعبة، كانت الأقدار تنسج فخاً أكبر يجمع بين تجارة الماس المفقود وغضب الرجال الأشداء. الانتقال من غرف الفنادق المغلقة إلى صخب الكازينوهات ليس سوى تبديل للمقاعد في رحلة الشقاء، حيث الشخصيات مثل "جهاد" و"سولاف" يركضون خلف حلم النجاة بعيداً عن قبضة "رابن" ورجاله الذين لا يرتوون إلا باستعادة "الماسات السبع"، تلك الأحجار التي تلمع ببريق الموت وتجعل كل زاوية في المدينة مكاناً غير آمن للاختباء.

تتصاعد الدراما حين تتقاطع الدروب في مشهد سريالي يجمع الأصدقاء تحت أضواء المسرح لمشاهدة عرض باليه "بحيرة البجع"، وهي استعارة بصرية بارعة لمصير الأبطال، فخلف رقة الرقص وسكون الموسيقى يكمن التوحش. عماد، الذي لا يكف عن الغواية حتى في أحلك الظروف، يظهر متأبطاً ذراع العجوز "روز" مدعياً الحب ليظفر بساعة ثمينة، في حين يهمس له صديقه بأن نهايته ستكون على يد امرأة. هذا التنبؤ الصادق يجد صداه العنيف على خشبة المسرح، حيث تنقلب الاحتفالية إلى مأساة حية، وتتحول رقصة البجعة إلى مشهد افتراس حين تقتحم أفاعي "الأناكوندا" المكان، لتعتصر جسد الراقصة الرقيق وتحطم عظامها أمام ذهول الحاضرين، في إشارة رمزية إلى القوى الغاشمة التي تبتلع الأحلام والجمال في عالم الرواية الموحش.

يرسم مكاوي عالماً لا مكان فيه للضعفاء، حيث الشوارع المطلة على "بحيرة لوران" تصبح ساحات للمطاردة، والأسواق الحرة تغدو فخاخاً للمظاهر الكاذبة. الرواية ليست مجرد سرد لمغامرات في بلاد الغربة، بل هي تشريح للغربة الروحية التي يعيشها الباحثون عن المكسب السريع أو الهاربون من ماضيهم المثقل بالديون والخطايا. تتشابك مصائر الشخصيات، من ليبيين ومصريين وعرب، فوق أرض أمريكية باردة، ليكون "الوطن" هو اليد الوحيدة التي يتمنى الكاتب أن تجتمع لتنقذ هؤلاء التائهين من أنياب المصير الذي يمثله غدر الأفاعي وقسوة المطاردين. ينتهي المشهد السردي والأسئلة معلقة في الهواء كالدوخان، بينما تبتلع الأفاعي ضحاياها، يظل الإنسان يركض في شوارع ديترويت بحثاً عن مرفأ آمن لسفينته التي تتقاذفها رغباته وهزائمه، مدركاً في قرارة نفسه أن النجاة تتطلب أكثر من مجرد قناع وصاعق كهربائي وماسات مسروقة.