عندما يفوح الياسمين

تتوكأ الياسمينة على أريكتها، ترقب طيفه المعهود كل يوم. ما أقسى الانتظار، وما أشدّ وطأة الشوق حين يكون لمن تمنحهم كلّ نبض. إنها طفلةٌ تداعب أحلامها بذكراه، تمسّك بأمل لقاءٍ يجمعها به، بحبيبٍ أسرها برجولته وعصبيته المقدسة. تقابله في ذلك الياسمين، حيث تتجلى خيوط القدر تتشابك، فتتلاقى العينان الرماديتان مع عيني رجلٍ يذوب سحر ملامحه القلب. ينسحب الهدوء على الوجنتين المحمرّتين، ويبقى هو يلاحق طيفها حتى يغيب، عائداً ليفتش عن معنى ما حدث. يتذكر خالد سائق السيارة، كيف أوشك على الهلاك لولا لطف الله، ثم يلتفت يرى عيون أسرته تتساءل. أما هي، فلا يغمرها النوم سعادةً، تتجهز للقاء، فصبر الانتظار يلتهم كلّ ما في دواخلها. ساعاتٌ تمرّ كدقيقة، ودقائقٌ قد تكون دهر وداع. القلب يحمل رسالة: لن يأتي، لكن الضلوع تستوعب ما لا تستوعبه. ترسل رسالة تطمئنه، وتدعو له بالسلامة. يتجول في الحديقة، يتذكر لقاءً دام خمس سنوات. عندما يفوح الياسمين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj_5KkayxYEQr8u5EaEOGFGF5PLeSQqtAjMAsfWMq5pDs_EJ9lgXc8x73TnYwS4mLKGiY4BVq_mZfRo1OumT0KlHq3pFDYnId1GfNyEFA_w_OLDBM_5uCGI5Oj71cVrKI4TCcLfHI5mxIwXsdFjS4wauHSO3YtQENI6jy44JUvNNcqPQBkM4LUda5daeGs/s320/184.jpg

تتوكأ الياسمينة على أريكتها، ترقب طيفه المعهود كل يوم. ما أقسى الانتظار، وما أشدّ وطأة الشوق حين يكون لمن تمنحهم كلّ نبض. إنها طفلةٌ تداعب أحلامها بذكراه، تمسّك بأمل لقاءٍ يجمعها به، بحبيبٍ أسرها برجولته وعصبيته المقدسة. تقابله في ذلك الياسمين، حيث تتجلى خيوط القدر تتشابك، فتتلاقى العينان الرماديتان مع عيني رجلٍ يذوب سحر ملامحه القلب. ينسحب الهدوء على الوجنتين المحمرّتين، ويبقى هو يلاحق طيفها حتى يغيب، عائداً ليفتش عن معنى ما حدث. يتذكر خالد سائق السيارة، كيف أوشك على الهلاك لولا لطف الله، ثم يلتفت يرى عيون أسرته تتساءل. أما هي، فلا يغمرها النوم سعادةً، تتجهز للقاء، فصبر الانتظار يلتهم كلّ ما في دواخلها. ساعاتٌ تمرّ كدقيقة، ودقائقٌ قد تكون دهر وداع. القلب يحمل رسالة: لن يأتي، لكن الضلوع تستوعب ما لا تستوعبه. ترسل رسالة تطمئنه، وتدعو له بالسلامة. يتجول في الحديقة، يتذكر لقاءً دام خمس سنوات.

عندما يفوح الياسمين رواية 184 116 يناير 2019 yes 201091985809 مرام عبد الرزاق كاتبة سورية

ياسمينة التي تقف على حافة الانتظار، لا تشبه أولئك الذين يحصون الثواني بساعات الحائط، بل هي امرأة جعلت من صبرها طقساً صوفياً يفوح برائحة الياسمين والعناق المؤجل. في رواية مرام عبد الرزاق، نجد أنفسنا أمام نص لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يقطر الوجد قطرة قطرة، حيث تبدأ الحكاية من عتمة القناديل التي لا توقد إلا بوهج الروح وصاحبة العينين البنيتين التي استوطنت حنايا القلب. وكما يقول جلال الدين الرومي إن "الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه، أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبداً"، تبدو بطلة الرواية وكأنها تعيش هذا الانصهار، مستندة برأسها على ركبتيها في وضعية جنينية، تحمي حلمها من قسوة الآتي وتتمسك بأوصال عشق كبله وريد القلب وشراين العشق المنهكة.

خالد وياسمينة، غسان وحنان، شخصيات تتحرك في فضاء مثقل بالغيوم والثلج، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى رموز وجودية، فالمعطف الشبيه بلون العين الرمادية، وحبات الثلح المتناثرة، ليست سوى مرايا تعكس اضطراب المشاعر في شتاء لا يرحم. تتسلل الكاتبة إلى عمق الذات الإنسانية لتكشف عن ذلك الخوف الفطري من الفقد، وهو خوف يتجسد في مشهد الطريق والسيارة التي تكاد تضل وجهتها لولا صرخة الركاب، في استعارة حية لخراب الفقد الذي يهدد استقرار القلوب. الانتظار في هذا العالم ليس ترفاً، بل هو نار تأكل الحطب اليابس في الروح، فتستحيل الدقائق ساعات، والساعات دهوراً من الترقب، في انتظار طيف قد لا يجيء، أو حبيب غاب خمس سنوات ليغدو في نظر المحب غريباً وقريباً في آن واحد.

الرواية تمزج ببراعة بين الحاضر والذاكرة، فبينما تقف ياسمينة أمام نافذتها بجسد هزُل وعينين داكنتين غادرهما البريق، نجدها تلوذ بمعطف والدها "عز الدين"، تستنشق فيه رائحة الأمان الذي كان. الحوار حول العطر بين الأب وابنته يلخص فلسفة الرواية في أن الأشياء قد تتشابه، لكن الأرواح التي تضع لمستها عليها هي من تمنحها كينونتها الفريدة. إنها رحلة في البحث عن "القسمة والنصيب" وسط ضجيج البكاء وصراخ الغرف الموصدة، حيث يختفي الحذاء والمظلة البيضاء كإشارات رمزية لضياع الطريق وفقدان الحماية، بينما يصر الشتاء على أن يعود ليرغم الغيوم على النوح تضامناً مع القلوب الفارغة التي لا يملؤها أحد.

تنتهي الحكايات في هذا النص عند حدود السجادة والدمعة، حيث تفرغ البطلة شكواها للغيب، مؤمنة بأن القدر يخبئ دائماً ما هو أجمل، رغم أن الروح لا تزال تنزف أثر الليالي والحنين. العشق هنا ليس مجرد كلمة، بل هو قيد يطوق الأعناق، وصرخة مكتومة في آذان المعقدين، ونجمة تضيء ليل الحائرين الذين يقاسمون أحلامهم مع قلوب أخرى. مرام عبد الرزاق تقدم نصاً يفيض بالعاطفة المضبوطة، حيث الوجع يسكن في التفاصيل اليومية، وحيث يظل الياسمين هو الشاهد الوحيد على أن الحب، رغم الانكسارات، يبقى العطر الذي لا يزول بزوال أصحابه. إنها دعوة للقارئ ليتأمل في معنى أن يكون المرء أسيراً لشرايينه، وكيف يمكن لرسالة هاتفية أو نظرة عابرة في زحام الثلج أن تغير مسار حياة بأكملها، في عالم يترنح بين اليأس والغموض والرجاء.