وطن الجومانجي

يُصوِّبُ راوينا نحو زاويةٍ بعيدةٍ من الخريطة، حيث تتشقق الأرضُ تحت وطأةِ الفقرِ الأزلي. لا تسمعُ أنينَ الملوكِ أو ضجيجَ الجيوشِ هنا، بل همساتُ من عاشوا على حوافي الدولة، على فتاتِ الموائدِ الملكية. في عام 2018، يتكشفٌ "وطن الجومانجي" ليُعيدَ رسمَ طبقاتِ الحياةِ المصريةِ، لا من قممِ السلطةِ، بل من ثقوبِ الفقرِ العميقة. هنا، يجدُ الأبُ لابنهِ عروساً، في تقليدٍ يختلطُ فيهُ الحبُ بالتجارةِ، وتُباعُ القلوبُ قبلَ أن تُباعَ المهور. وفي زوايا أخرى، تتشظى العائلةُ تحتَ وطأةِ غيابِ الابنِ "عمر"، وتُصبحُ الشرطةُ ملعباً للأحلامِ المفقودةِ. ثم يظهرُ "صالح"، الرجلُ الغامضُ الذي يعيشُ ما بينَ الحقيقةِ والخيال، طفلاً في جسدِ رجلٍ، عالقاً في فجواتِ الزمنِ والذاكرة. هذهِ ليستْ مجردَ رواية، بل طبقاتٌ جيولوجيةٌ لكائنٍ مصريٍّ مُعقَّد، تتكشفُ أسرارُهُ تحتَ ثقلِ الواقعِ والنسيان. وطن الجومانجي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiamJewpu6lAF8QNAMrfMDa994FqR3N6DXbWky2hqIaHiDinQKG6e_ycg-W2oNMMNCueTPXKtaYXf0hLXPfr8cVPrhqJIJ0Eq4nM8dCWZW2Azf8bYfz67fMS2pvWOfQ29C28KKP8Wg1PTBM39UX5NMyFPSevSCpFPlVQx5I3QZCPETt5n0dIOIdwWyqBaA/s320/163.jpg

يُصوِّبُ راوينا نحو زاويةٍ بعيدةٍ من الخريطة، حيث تتشقق الأرضُ تحت وطأةِ الفقرِ الأزلي. لا تسمعُ أنينَ الملوكِ أو ضجيجَ الجيوشِ هنا، بل همساتُ من عاشوا على حوافي الدولة، على فتاتِ الموائدِ الملكية. في عام 2018، يتكشفٌ "وطن الجومانجي" ليُعيدَ رسمَ طبقاتِ الحياةِ المصريةِ، لا من قممِ السلطةِ، بل من ثقوبِ الفقرِ العميقة. هنا، يجدُ الأبُ لابنهِ عروساً، في تقليدٍ يختلطُ فيهُ الحبُ بالتجارةِ، وتُباعُ القلوبُ قبلَ أن تُباعَ المهور. وفي زوايا أخرى، تتشظى العائلةُ تحتَ وطأةِ غيابِ الابنِ "عمر"، وتُصبحُ الشرطةُ ملعباً للأحلامِ المفقودةِ. ثم يظهرُ "صالح"، الرجلُ الغامضُ الذي يعيشُ ما بينَ الحقيقةِ والخيال، طفلاً في جسدِ رجلٍ، عالقاً في فجواتِ الزمنِ والذاكرة. هذهِ ليستْ مجردَ رواية، بل طبقاتٌ جيولوجيةٌ لكائنٍ مصريٍّ مُعقَّد، تتكشفُ أسرارُهُ تحتَ ثقلِ الواقعِ والنسيان.

وطن الجومانجي رواية 163 192 ديسمبر 2018 yes 201091985809 د. محمد حواش كاتب مصري

يرسم محمد حواش في "وطن الجومانجي" تضاريس قاسية لواقع يغلي تحت قشرة الحداثة الزائفة، حيث الفقر ليس مجرد عوز مادي، بل هو طبقة جيولوجية من الموت المعنوي والنسيان المتراكم. تنطلق الرواية من فكرة مركزية ترى في الفقر قبراً معنوياً تضيق فيه الأنفاس، وتتحول فيه الكائنات البشرية إلى أنماط شاذة تطردها الحياة إلى الهامش. يسرد المؤلف حكاية تتشظى بين الواقع الفج والخيال الجامح، مستخدماً هيكلية سردية تعيد رسم خريطة القاهرة وأزقتها بوصفها غابة "جومانجي" حقيقية، حيث البقاء للأقوى والقوانين تسقط أمام زحف الاحتياجات البدائية. تتشابك خيوط العمل حول شخصيات تقف على حافة الانهيار، فنجد "محمود" الذي يطارد حلمه بالاستقرار مع "مصرية" ابنة الحاج راضي، ذلك الرجل الذي يمثل انضباط المؤسسة العسكرية في وجه فوضى الشارع. تتحرك هذه الشخوص في مساحة ضيقة بين الرغبة في النجاة وبين قيود المجتمع التي تفرضها الأعراف والطبقات الاجتماعية، مما يجعل لحظات الفرح، مثل ليلة الخطبة، مجرد هدنة مؤقتة في حرب الوجود المستمرة.

يبرز في زوايا النص شخص غامض، رجل يفتقر إلى الذاكرة والهوية، يظهر كأثر عتيق نُبش من تحت ركام المدينة. هذا الكائن الذي تعتني به "أم السالم" يجسد التناقض الصارخ بين وعي الإنسان الناضج وسلوك الرضيع الفطري، فهو حاف القدمين، خاوي الذاكرة، لكنه يحمل مشاعر راقية تتفوق على وحشية العالم المحيط به. اختياره لاسم "صالح" ليكون هويته الجديدة يمثل محاولة لإعادة بناء الذات من الصفر، بعيداً عن أثقال الماضي التي يجهلها أصلاً. تعيش هذه الشخصية في منطقة رمادية بين الوجود والعدم، وهي صورة حية للإنسان الذي جردته المدينة من أوراقه الثبوتية وروحه، ليصبح مجرد صوت مزعج في أذن مجتمع لا يرحم. تتجلى المفارقة الحادة عندما يرتعش هذا الرجل رعباً من رنين هاتف محمول، وكأن التكنولوجيا صدمة كهربائية لروح تنتمي لزمن آخر أو لفقر أعمق من قدرة الأدوات الحديثة على استيعابه.

تتحرك الأحداث عبر بنية اجتماعية متآكلة، حيث يختفي "عمر" ويترك خلفه فراغاً تملاه التحقيقات الرسمية الباردة في أقسام الشرطة، التي لا ترى في الشهود إلا أرقاماً أو "شهوداً تحت السن القانونية". يكشف حواش هنا عن هشاشة الأمان المجتمعي، إذ تتحول الأسرة من حضن دافئ إلى وحدة قلقة تبحث عن مفقوديها في دهاليز البيروقراطية. الاقتصاد في الرواية ليس أرقاماً في ميزانية الدولة، بل هو رغيف الخبز الذي يحدد مصير الزواج، وهو الجلباب القديم الذي يمنحه الغرباء لستر عورة التهميش. إنها دراما الحرمان التي لا تخشى عادية الفقر بقدر ما تخشى فقدان المعنى، حيث تصبح "مصرية" الجائزة التي يحاول محمود انتزاعها من فم الغابة، بينما يراقب صابر، الصديق الوفي، تحولات الصديق والمكان بنظرة تحمل مزيجاً من الرضا والترقب لمستقبل غامض.

تظل الاستعارة الكبرى في النص هي "الجومانجي"، تلك اللعبة التي تبتلع لاعبيها، حيث الشوارع هي المربعات التي يجب اجتيازها بحذر، والفقر هو الوحش الكامن في كل منعطف. لا يكتفي الكاتب بتصوير الفقر كحالة اقتصادية، بل يغوص في أثره النفسي الذي يجعل النفوس تذوب في "أكفان النسيان". إن البنية التحتية لهذا الوطن ليست من الخرسانة، بل من الهواجس المخيفة عن مصير الأبناء والأحفاد، ومن الدموع الإنسانية التي تلتقي في مصب واحد مهما اختلفت جهاتها. يضعنا النص أمام مرآة مكسورة تعكس وجوهنا في لحظات الضعف، حيث يصبح الحب والفقر شاطئين لنهر واحد، الغرق فيهما حتمي لمن لا يتقن قواعد اللعبة. ينتهي السرد ولا تنتهي الأسئلة، فالهوية المعطاة لـ "صالح" ليست إلا قناعاً جديداً في مدينة تواصل تغيير ملامحها كل يوم، تاركة الإنسان الفرد يصارع من أجل اسم، أو ثوب، أو مجرد لحظة صمت بعيدة عن ضجيج العالم الزاحف نحو تدميره.