فن الرواية (1) من الحكاية العابرة إلى الحبكة المتماسكة

Cover Image

بداية قد تبدو الرواية للوهلة الأولى عملاً سهلاً، فكلنا نعرف كيف نحكي عن مواقف وأحداث تمر بحياتنا، وبالتالي من اليسير أن نكتب هذا الحكي باسترجاعه من الذاكرة وإضافة الخيال إليه.

لكن من أهم مبادئ العمل الروائي بشكل عام هو (الحبكة الدرامية)

ماذا تعني الحبكة الدرامية؟

هي التي شرحها أحد النقاد الكبار وهو «إدوارد مورجان فورستر» بجملة بسيطة للغاية:

«إن قلنا مات الملك ثم ماتت الملكة؛ فهذه حكاية. لكن إن قلنا مات الملك ثم ماتت الملكة حزنا عليه؛ فهذه حبكة»

أي باختصار، الحبكة هي الأسباب المؤدية للنتائج، ولا بد أن تكون أسباباً منطقية تؤدي إلى نتائج منطقية.

هنا يظهر الفرق الجوهري بين الحكاية والحبكة، فالحكاية على سبيل المثال هي: أحمد تزوج بحبيبته منى.

كيف تقابلا وأين؟ هل هما أقرباء أو جيران؟ هل كانت هناك عقبات في سبيل إتمام زواجهما؟

هذه هي الحكاية.

ولكن، لماذا تزوج بها؟ لإنه يحبها.

هذه هي الحبكة؛ فبسبب حبه لها تزوجها.

إبراهيم قتل صديقه محمود، ولا يُعقل أن يقتله هكذا دون سبب؛ ثأر قديم، خلاف على ميراث، صراع على صفة تجارية.

أما لو قتله لأنه أكل طعامه؛ فهذا ليس منطقياً، هذه حبكة ضعيفة جداً لا يضاهيها في الضعف سوى استخدام الصدفة مراراً وتكراراً لبناء الأحداث والهيكل الدرامي للرواية.

إذن، الحبكة هي أسباب قوية تدفع الأحداث نحو مجراها المرسوم في خيال الكاتب، وكلما كانت الحبكة واقعية ومقنعة، كانت الرواية متماسكة وعميقة، أي كلما كانت الأسباب قوية ومتشابكة، كانت الرواية ثقيلة ومُقنعة.

وبالطبع سوف نتناول الحبكة بالتفصيل لاحقاً، لكن كان لا بد من البدء لتبيان أهميتها الشديدة في العمل الروائي، وكيف أنها العمود الفقري الذي يحمل جسد الرواية، فإما أن يكون جسداً يافعاً قوياً، وإما أن يكون جسداً هزيلاً ضعيفاً.

بداية ما هي الرواية؟

بعيداً عن التعريفات الكلاسيكية والأكاديمية؛ فالرواية هي جنس أدبي نثري يروي حكاية، أي أن أساس العمل الروائي هو (الحكي)، وعليه فلابد أن يكون هناك شخص يحكي (يروي) أحداثاً، ومن هنا جاء اسمها: رواية.

ويمكن تقسيم الرواية ببساطة إلى ثلاثة عناصر أساسية هي (الراوي، الرواية "الحكاية والحبكة"، والمروي له)

الراوي نوعان أساسيان:

النوع الأول: شخص مجهول من خارج الأحداث؛ ويسمى «الراوي الخبير أو العليم»، لأنه يعلم سلفاً الأحداث والنتائج ومصير الشخصيات وماضيها وأفكارها، ويعلم نهاية الرواية نفسها.

هذا النوع من الرواة هو الغالب، ولكن تذكر جيداً أن الراوي الخبير ليس طرفاً في الأحداث والصراع، وبالتالي لا ينفعل معها، تماماً مثل الصحفي أو الإعلامي المهني الذي ينقل الخبر مجرداً من العاطفة حتى لو كان هذا الخبر هو هزيمة بلاده في الحرب.

هذه هي نظرة جمهور النقاد، لكن أحياناً توجب الضرورة أن يتحدث الراوي الخبير باعتباره أحد ثلاثة:

الأول: ناقلاً للحدث فقط، كأن يقول:

«في الصباح، حمل أحمد حقيبته متوجهاً إلى مطار القاهرة، هبط الدرج بخطوات متثاقلة.....»

الثاني: ناقلاً للحدث مع وجهة نظره الخاصة، كأن يقول:

«ارتدى أحمد معطف والده، رمز الوفاء بالنسبة له، ثم حمل أحمد حقيبته متوجهاً إلى مطار القاهرة....»

الثالث: مضيفاً فلسفته تجاه الحياة، أو تجاه موقف بعينه، كأن يقول:

«نأتي إلى الدنيا حفاة، عراة، لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً، لا نقوى على مواجهة المخاطر، يصلنا بالحياة سبب رفيع يخرج من بين فرث ودم، ونمضي في رحلة طويلة من الكد والعناء والكبد كي نخرج من الدنيا مثلما دخلنا؛ حفاة عراة»

الراوي هنا يحكي تفاصيل حدث بعينه سواء مجرداً أو أضاف إليه وجهة نظره أو فلسفته، ولكن لمن يحكي هذا الحدث؟

ليس للقارئ، وإنما (للمروي له)

فطالما هناك رواية وهناك راوي، فلابد أن يكون هناك مروي له.

وكثير من الروائيين يخلطون بين القارئ والمروي له، فالراوي شخص تخيلي يروي الحكاية لشخص تخيلي آخر، أما القارئ فهو المشاهد للصورة الكاملة التي تجمع الراوي والرواية والمروي له.

هنا تكمن براعة الروائي الواعي لهذا التراتب، ويوظفه بطريقة تجعل القارئ يشعر بأنه هو المروي له

لكن لا يصل الروائي لهذه المرحلة إلا لو نجح في جذب انتباه القارئ وتحويله من مشاهد عابر إلى متابع مهتم ومنصت.

هذه مرحلة أولى، أما المرحلة الثانية فهي جذب القارئ وجعله متفاعلاً مع الأحداث وكأنه متورط فيها، أو كأنه أحد أبطالها.

هذه المراحل لا تتأتى إلا بتضافر مجموعة من العوامل منها الصدق والإقناع، وبناء شخصية حية، وغيرها.

إذن، فأحد أهم أسباب نجاح الرواية هو قدرة الكاتب على تحويل القارئ من متابع إلى مروي له، ومن مروي له إلى أحد الأبطال وكأنها حكايته هو، وبذلك تتحول الرواية من عمل باهت ثنائي الأبعاد إلى عمل تفاعلي.

واسترجعاً لما سبق فالرواة نوعين، النوع الأول هو الراوي الخبير، ويطلق عليه بعض النقاد لقب "الأنا الثانية للكاتب"؛ لإن الكاتب لا يتحدث بصوته وإنما يفترض شخصاً تخيلياً مجرداً من الإحساس والعاطفة يروي الأحداث، فالكاتب يخلق عالماً من الخيال، والراوي هو أسلوب الكاتب في السرد.

أما النوع الثاني من الرواة فهو شخص من داخل الرواية نفسها، قد يكون بطلها أو أحد شخصياتها، ويسمى في هذه الحالة "الراوي المشارك أو المُصاحب"

ولاحظ أن الراوي الخبير يتحدث بضمير الغائب (هو /هي)، بينما يتحدث الراوي المصاحب غالباً بضمير المتكلم (أنا)، ولاحظ أيضاً أنه في حالة الراوي المشارك لا بد للكاتب ألا يغفل كون هذا الراوي غير خبير، أي لا يعلم دواخل الشخصيات وأفكارها، لا يعلم ما سوف تؤول إليه الأحداث، لا يعلم الغيب سواء كان غيب مُطلق؛ مثل: "متى يموت فلان"، أو غيب نسبي مثل: "حدث لم يشهده"

فتخيل بطل الرواية يقول: "قابلت صديقي، كان متهلل الأسارير فرحاً ولا يعلم أنه سوف يموت في المساء"

كيف عرف هذه المعلومة؟

إن الذي يستطيع طرحها بهذا الشكل هو الراوي الخبير فقط لأنه محيط سلفاً بكل الأحداث، و(يروي) حكاية حدثت وانتهت بالفعل، أي يحكي للمروي له عن ماضٍ وليس مستقبل وغيب.

ولكن انتبه إلى أن الراوي المشارك يمكن أن يكون هو نفسه الراوي الخبير في حالة واحدة تسمى الاسترجاع، والمتعارف عليها باسم فلاش باك Flashback

فلو كان الراوي يحكي قصة حدثت له قبل عشر سنوات، فهو الآن مشارك في الحدث الماضي، وفي الوقت ذاته خبير بالنهاية لأنه عاشها بالفعل.

في كل الأحوال سواء في حالة الراوي الخبير أو الراوي المشارك، لا بد من الانتباه لعنصر هام هو التشويق، فرواية الحدث على لسان راوي مشارك بطريقة تكشف غيباً هو قصور في الحبكة الدرامية تجعل الحدث غير منطقي وغير قابل للتصديق، فضلاً عن إضعاف عنصر التشويق، لذا لا تحرق الأحداث واجعل القارئ متشوقاً لمعرفة ما سوف تؤول إليه تلك الأحداث.

إذن الراوي إما أن يكون من خارج الأحداث (راوي خبير أو عليم)، أو من داخل الأحداث (راوي مشارك أو مُصاحب).

الراوي الخبير غير مسؤول عن الأحداث، يرى كل شيء من الخارج، يعرف خبايا النفوس والمستقبل وما يحدث خلف الجدران، لديه مصداقيته مطلقة، ويتكلم بضمير الغائب (هو / هي)

أما الراوي المشارك فهو متورط في الأحداث، يرى ما تراه الشخصيات الأخرى، لذا لا يعلم الغيب فمعرفته محدودة بحواسه وتوقعاته الشخصية، غير موثوق أحياناً لأنه قد يكذب أو يخطئ، ويتكلم بضمير المتكلم (أنا) لأنه يحكي أحداثاً (عاشها) بنفسه.

ولإن الرواية هي أحداث تُروى، أي أحداث وقعت في الماضي، لذا فإن الراوي عندما يصف مشهد حركة فمن الأفضل أن يستخدم صيغة الماضي، ليقول على سبيل المثال: "تحرك الرجل نحو العربة، اقترب منها ببطء، ألقى نظرة عابرة إلى الداخل عبر الزجاج المخضل بماء المطر.."

وهذا على وفق المدرسة الكلاسيكية التي تعتمد على المنطق الزمني في السرد، حيث يُعطي الفعل الماضي انطباعاً بأن الأحداث قد قُدرت واكتملت.

أما لو جاء المشهد مروياً بصيغة المضارع كأن يقول الراوي: "يتحرك اللص نحو العربة، يقترب منها ببطء، يلقي نظرة عابرة إلى الداخل عبر زجاجها المُخضل بماء المطر.."

فهذا خطأ بنائي يرهق ذهن القارئ ويجعله يشعر باللهاث، بينما الماضي يوفر تدفقاً هادئاً ومنظماً.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن هناك مدرسة أخرى لا ترى في الفعل المضارع خطأً بنائياً، بل تراه أداة سينمائية تنقل القارئ من مقعد المستمع لحكاية قديمة إلى مقعد المشاهد لحدث يقع الآن، وتلغي المسافة الزمنية بين القارئ والحدث.

والخلاصة أن استخدم الأفعال بصيغة الماضي هو الأفضل لإنه المنطقة الآمنة، فالرواية كلها -في الغالب- مجموعة من الأحداث التي وقعت في الماضي، لكن استخدام الأفعال بصيغة المضارع لا ينتقص من الكاتب بقدر ما يجعله في خطر الوقوع في الاضطراب السردي، حيث تبدأ الفقرة بالماضي ثم تنتقل للمضارع دون مبرر فني، وهو ما يُعرف بتذبذب الزمن.

يُتبع..