فن الرواية (2) السرد، ولغة الحوار، وقاعدة الإظهار

Cover Image

تعال الآن نتحدث عن البناء اللغوي للرواية، والذي يتكون من شقين أساسيين هما (السرد، والعرض)

السرد: هو كل ما يسهم به الراوي في الرواية، أي الشرح والتصوير والتحليل وتبيان وجهات نظر الشخصيات وأفكارها وميولها.. إلى أخره.

العرض: هو الحوار الذي يدور بين الشخصيات.

والسؤال هنا: هل السرد وحده، أو العرض وحده يكفي لإخراج عمل روائي جيد؟

غالباً لا، ففي حالة رواية تتكون من سرد فقط؛ فإنها ستكون رواية تقريرية.

وفي حالة رواية تتكون من عرض فقط (حوار)؛ فإنها ستكون سيناريو ناقص، وبالتالي فإن الرواية يجب أن تتكون من سرد وعرض يتضافران معاً لرسم صورة كاملة وواضحة للأحداث والمناظر والصراعات في عقل القارئ.

أولاً: بالنسبة للسرد؛ فقد عرفنا أن الراوي إما راوٍ خبير، أو راوٍ مشارك.

في حالة الراوي الخبير فإن السرد في هذه الحالة يسمى (سرد موضوعي)، وفي حالة الراوي المشارك يسمى (سرد ذاتي).

ولا يُبنى السرد الروائي على سرد موضوعي فقط، أو سرد ذاتي فقط، بل يتضافر الاثنان معاً، إلى جانب أن الروايات الحديثة تعتمد أحياناً على بمفهوم (تعدد الأصوات)، ويعني منح كل شخصية صوتاً خاصاً، بحيث تختلف لغة السرد حسب الشخصية التي تقود المشهد، وهذا يكسر حدة صوت الراوي الواحد.

ولاحظ أن الرواية قد تحمل في بعض الحالات عدداً كبيراً من الرواة؛ منهم الراوي الخبير، والراوي المشارك، والراوي المُسمى، والراوي المشاهد، والراوي الناقل وهو الذي سمع عن الأحداث ولم يرها.

شهرزاد عندما تقول: "بلغني أيها الملك السعيد"؛ هي في هذه الحالة راوي ناقل، لم ترَ الأحداث ولكنها سمعت عنها من راوٍ آخر.

إذن السرد هو إسهام الراوي في الرواية؛ وهناك الكثير من الرؤى الخاصة بنظرية السرد داخل البناء الروائي -باعتباره تشخيصاً للحدث- تناولها النقاد بالشرح جملة وتفصيلاً، لكن ما يهمنا هنا معرفة أن السرد لا بد أن يحمل (منظوراً)، وهو رؤية وطريقة الراوي التي ينظر بها للأحداث.

ببساطة؛ وجهة نظره التي قد تكون موضوعية وثابتة، أو متنوعة.

وقد يتطور المنظور تطورات كثيرة، ويتحول من منظور واحد إلى منظورات عدة، أي وجهات نظر مختلفة للشخصيات.

أما العرض، فكما أسلفنا هو الحوار بين الشخصيات، وللحوار أهمية كبيرة في البناء الروائي، وهناك بعض الأخطاء الخاصة بالحوار يرتكبها بعض الروائيين لاسيما من هم في بداية طريقهم.

تخيل بأنك تحكي حكاية لأحد، وفي وسط هذه الحكاية حوار بين شخصين، فإنك سوف تبدأ بتصوير المشهد، بمعنى: أين كان هذان الشخصان؟ في أي وقت؟ بماذا كانا يشعران؟ وماذا كان يرتديان من ملابس.. إلى آخره.

هذا هو السرد (مرة أخرى هو كلام الراوي)، ثم تبدأ بنقل الحوار الذي دار بين الشخصين (العرض).

وبديهي أن الحوار لم يكن على منوال واحد، أو أنهما كانا وجهين من شمع يتحدثان، لا بد أن تكون هناك انفعالات ولغة جسد، أحدهما احتد على الآخر، أحدهما قال جملة وهو مبتسم، أحدهما لم يرد واكتفى بنظرة منكسرة.. وهكذا.

الراوي هنا لا يحمل كاميرا لكنه يحمل كلمات، إذن كيف يمكن للقارئ تخيل هذا المشهد لو جاء على الطريقة التالية:

أحمد: لقد انتظرتك كثيراً، أين كنت؟

محمد: لقد تعطلت السيارة.

أحمد: ولكنك تأخرت كثيراً.

محمد: المهم أني وصلت، وهذا أفضل من عدم حضوري.

هذا هو الخطأ الذي يقع فيه الروائي مع الحوار، لأن الحوار بهذه الكيفية هو حوار سينمائي أو مسرحي وليس حواراً روائياً، ففي السينما أو المسرح سيكون مع هذا الحوار صورة متحركة تصف حال الشخصيات وانفعالاتهم وقت هذا الحوار، لكن الروائي لا يملك هذه الصورة، هو يملك فقط كلمات، وعليه تصوير المشهد بهذه الكلمات كي لا يترك القارئ يضرب أخماساً في أسداس.

أي على الراوي أن يقوم بتصوير الحوار كالتالي:

تشنجت عضلات وجه أحمد وقال بضيق:

- لقد انتظرتك كثيراً، أين كنت؟

لوى محمد شفتيه مجيباً:

- لقد تعطلت السيارة.

فعاجلة أحمد قائلاً ومازالت علامات الضيق مرسومة على ملامحه:

- ولكنك تأخرت كثيراً.

رمى محمد الحقيبة من يده صائحاً:

- المهم أني وصلت، وهذا أفضل من عدم حضوري.

هكذا يصبح الحوار حياً، يتضافر مع السرد ليكمل الصورة في عقل القارئ.

لكن الحوار قد يأتي متراكباً دون استخدام السرد بين فقرات هذا الحوار، وهذه تقنية تُستخدم غالباً في حالة الحوار السريع، أو الحوار المشروح من تلقاء نفسه، أو لا يحتمل شرحاً وتبياناً.

وانتبه جيداً لقاعدة ذهبية في السرد الروائي تسمى (قاعدة الإظهار لا الإخبار)

وسوف نتناولها تفصيلاً في الجزء القادم إن شاء الله.

وهي أحد أسرار فن الرواية، وتُشبه الفرق بين قراءة خبر في جريدة وبين مشاهدة فيلم سينمائي.

أما هدفها فهو تحويل القارئ من متلقٍ سلبي للمعلومات إلى مشارك فعال يعيش الأحداث، حيث يستنتج القارئ المشاعر والظروف بنفسه بدلاً من أن تُلقى عليه جاهزة.

ببساطة: الإخبار هو أن تقول للقارئ ماذا يحدث، بينما الإظهار هو أن تجعله يرى ما يحدث من خلال التفاصيل الصغيرة.

على سبيل المثال يمكن أن تقول: "كان الرجل غاضباً"

هذا إخبار للقارئ بأن الرجل غاضب، لكن بدلاً عن ذلك يمكن أن تقول: "تشنجت عضلاته وضرب الطاولة بقبضته"

أنت هنا لم تقل صراحة أن الرجل غاضب، لكن الوصف جعل القارئ يستنتج بداهة أن الرجل في حالة غضب، أي جعلت القارئ يشاركك التجربة بحواسه.

أيضاً بدل أن تقول: "كان المكان مزعجاً"، قل: "صكت أصوات الباعة الجائلين وصيحات المارة أذني"، أو: "رائحة القهوة كانت تملأ المكان ممزوجة بعبق الورق القديم"، أو: "كان الملمس الخشن للجدار يوحي بقدمه وتآكله".

كل هذه جمل وصفية تخلق شعوراً يرسم الصورة في ذهن القارئ.

ولإن للمشاعر الداخلية صدى، فلا بد أن يوظف الكاتب هذا الصدى، أي يركز على ردود الأفعال الجسدية مما يجعل القارئ يرى من خلال الوصف، مثل: مطأطأ الرأس، دامع العينين، شارداً في صمت.

هذه أوصاف تجعل القارئ يستنتج أن الشخصية حزينة.

أيضاً اترك الأفعال تتحدث عن الشخصية. فإن كانت الشخصية كريمة، لا تقل: "كان رجلاً كريماً"، بل اجعل القارئ يرى كيف يتقاسم طعامه مع الفقراء، أو كيف يدفع ثمن الفاتورة دون تردد.

لكن انتبه فليس الإخبار خطأ مُطلق، بل أحياناً يكون ضرورياً في حالات معينة، منها اختصار الزمن.

فلو أن هناك شخصاً يسافر من بلد إلى بلد آخر، فلا داعي للوصف الدقيق إلا لو كان في الرحلة أحداث مهمة، غير ذلك فيكفي القول بشكل مباشر أن السفر استغرق يومين في القطار.

أيضاً الإخبار هام في الأجزاء التي تسبق ذروة الأحداث لزيادة وتيرة السرد تمهيداً للذروة.

والخلاصة: استخدم الإخبار لربط مشاهد الرواية ببعضها، والإظهار لتجسيد الشخصية، وبالطبع ينبغي على الكاتب الدمج بينهما ليجعل الإيقاع الروائي متماسكاً واحترافياً.

فالإخبار يضغط الزمن، أي يمكن للراوي أن يسرد أحداث سنة كاملة في صفحة واحدة، بينما الحوار يُبطئ الزمن مما يجعل القارئ يشعر بأنه يعيش اللحظة الحقيقية.

هذا التبادل هو ما يخلق نبض الرواية المتأرجح بين الإخبار (الملخص) وهو أداة الكاتب لتجاوز الزمن بسرعة وضغط الأحداث غير المحورية، مثل قول: "مرت شهور والقرية كلها ما زالت تنتظر عودة الغائب"

وبين الإظهار (المشهد) وهو أداة إبطاء الزمن؛ حيث تتوقف الأحداث ليعيش القارئ لحظة هامة في الأحداث.

من هنا يمكن القول إن الإيقاع الجيد للرواية هو الذي يجعل القارئ يُسرع في الملخصات، ويتمهل في المشاهد، ويتنفس مع الأحداث.

إذن النص الروائي يتكون من سرد (كلام الراوي) وعرض (الحوار)، لكن هناك عنصر ثالث لا يقل أهمية هو المونولوج الداخلي، بمعنى أفكار الشخصية، فالشخصية الروائية ليست مجرد أفعال وأقوال، بل هي عقل يفكر، والمونولوج الداخلي -أو تيار الوعي- هو أحد أسرار بناء الشخصية، والتي سنتناولها تفصيلاً لاحقاً.

أما الخطأ الثاني المرتبط بالحوار فهو استخدام اللهجة العامية، أو عدم توظيفها التوظيف الصحيح.

لماذا استخدام اللهجة العامية في الحوار خطأ؟

أولاً: لأن الكاتب يخاطب وطن عربي كامل، فلماذا يسجن نفسه في بلد محدد؟

ثانياً: اللهجة العامية -على غير ما هو شائع ومعروف ومألوف- فقيرة جداً أمام الفصحى الثرية والقوية في التصوير والوصف.

ثالثاً: إذا خضع العمل للترجمة، فإن فرصة ترجمته ترجمة صحيحة تصبح أفضل مع الفصحى خاصة لو كان المترجم غير عربي.

فعلى سبيل المثال، هناك -إن صحت ذاكرتي- رواية للأستاذ توفيق الحكيم يذكر في حوارها على لسان أحد الشخصيات جملة (كوز درة)؛ وبالطبع المصريون يعلمون أنه يقصد ثمرة نبات الذرة.

ولكن حين خضعت الرواية للترجمة؛ حار المترجم غير العربي في ترجمة هذا الجملة، وكانت النتيجة أنه ترجمها على أنها إناء (كوز) مملوء بحبات الذرة.

هناك أيضاً خطأ ثالث مرتبط بالحوار وهو إضافة الانفعالات بالأسلوب نفسه المستخدم على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قد تأتي جملة حوارية تسبقها ضحكة فنكتب الضحكة هكذا (هههههه)، أو أن يكون هناك مد في لفظ على لسان أحد الشخصيات فنكرر الحرف دليلاً على هذا المد؛ فنكتب على سبيل المثال: "ماااااا هذاااااا؟"

إن كتابة الحوار بهذه الطريقة ليس احترافياً، فهو أولاً يعمل على التقليل من أهمية دور الراوي، إلى جانب أنه حجر على خيال القارئ.

والكلام هنا عن الحوار، ناهيك عن السرد.

لكن انتبه، فالعامية -أحياناً- توظف في الحوار توظيفاً ذكياً، وأحياناً تكون ضرورة فنية.

يُتبع...