وخشعت قلوبهم

يُولد الصراخ في باب الحوش الصفيح. تتجمع العائلة حول الأب، أبو جهاد، وصمته يسبق السؤال. "ماذا حدث؟" تهمس الجدة، صوتها يئن من خبرٍ ثقيل. ليلى، الصغيرة المرتعدة، تتمسك بثوب أمها، تدرك أن شيئًا كبيرًا ومخيفًا يلتهم عالمها، وأن الدور قادم على مخيمها. تتناقل الألسنة أخبار مذبحة صبرا وشاتيلا، آلاف الأرواح ابتلعتها الأرض. لا يخجلون من حديثها أمام الصغار، فهم ليسوا أطفالًا عاديين، بل رجال ونساء في ثياب الطفولة، حملوا على أكتافهم ما يفوق قدرة الأجساد الصغيرة. جراح العالم تلتئم بسرعة، لكن جرح فلسطين ينفجر دمًا جديدًا لا يتوقف. تنام ليلى، وصور الرعب تزدحم في دماغها الصغير، تتشبث بأمها، تتمنى لو تحيطها يدٌ من كل اتجاه، تحميها من غول تقطّع الأطراف وتبقر بطون الحوامل. وخشعت قلوبهم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjmjymFg_bUfA4TAexrumYckOKXvNpq2sfPGoXCFnIay1KSZ5lhoukR5GOo7vnFe3f7AbdEbKNDwcXevYLAmyfTucDv9I-VY66o-cYArgHAWGkK2kXgStihKl3nAhEQxbC4Muz-nMGJmsJtvB6JEeqdbE-02lDDCj1GAJy5xeLAVLn8DWfjKGeXDA9irDo/s320/162.jpg

يُولد الصراخ في باب الحوش الصفيح. تتجمع العائلة حول الأب، أبو جهاد، وصمته يسبق السؤال. "ماذا حدث؟" تهمس الجدة، صوتها يئن من خبرٍ ثقيل. ليلى، الصغيرة المرتعدة، تتمسك بثوب أمها، تدرك أن شيئًا كبيرًا ومخيفًا يلتهم عالمها، وأن الدور قادم على مخيمها. تتناقل الألسنة أخبار مذبحة صبرا وشاتيلا، آلاف الأرواح ابتلعتها الأرض. لا يخجلون من حديثها أمام الصغار، فهم ليسوا أطفالًا عاديين، بل رجال ونساء في ثياب الطفولة، حملوا على أكتافهم ما يفوق قدرة الأجساد الصغيرة. جراح العالم تلتئم بسرعة، لكن جرح فلسطين ينفجر دمًا جديدًا لا يتوقف. تنام ليلى، وصور الرعب تزدحم في دماغها الصغير، تتشبث بأمها، تتمنى لو تحيطها يدٌ من كل اتجاه، تحميها من غول تقطّع الأطراف وتبقر بطون الحوامل.

وخشعت قلوبهم رواية 162 164 ديسمبر 2018 yes 201091985809 أمنة محمد قناش كاتبة فلسطينية

يطرق باب الحوش صفيح بارد، فتندلع في أزقة المخيم شرارة الحكاية التي تدونها آمنة قناش في روايتها "وخشعت قلوبهم". يسكن محمود، ذاك الصوت المجهول الذي يحمل عبء الذاكرة الفلسطينية، في قلب الجغرافيا المنسية، حيث البيوت ليست سوى طبقات جيولوجية من الصفيح والانتظار. يبدأ المشهد بصراخ فتى يرتطم واقعه بجدار الحقيقة القاسية، بينما يطأطئ الأب رأسه في صمت ثقيل، كأنه يداري عجز التاريخ أمام سطوة الجرح. تختبئ الطفلة ليلى خلف ثوب والدتها، تراقب بعينين اتسعتا لهول ما تسرب من أخبار مجزرة صبرا وشاتيلا، لدرجة أن البراءة في هذا الزمان لم تعد ترفاً متاحاً. يتحول الصغار هنا إلى رجال ونساء يسكنون أجساداً ضئيلة، يدركون بالفطرة أن جسد المخيم ليس سوى ندبة متجددة النزف، كلما حاول الزمن رتقها، تفتقت من جديد بفعل رياح السياسة وتقلبات المصير.

تتشكل البنية التحتية للمخيم من مزيج من الخوف والحنين، حيث الغولة التي كانت تخيف بها الأمهات أطفالهن لتنويمهم، استعارت في الواقع وجوه غيلان تبقر بطون الحوامل وتقطع أطراف الصغار. ترتعش ليلى في فراشها، تتشبث بصدر أمها الذي يمثل الحدود الوحيدة الآمنة في خريطة تتآكل أطرافها يوماً بعد يوم. لا يقتصر الأمر على الرعب الوجودي، بل يمتد إلى تفاصيل الاقتصاد اليومي والروابط الاجتماعية التي تصر على البقاء رغم ضيق المساحة واليد. يمثل جهاد، الشاب الذي يحمله الرفاق على الأكتاف في ليلة عرسه، خيط الأمل الرفيع الذي يربط المخيم بالعالم الخارجي، حيث يسعى للهجرة إلى السعودية، باحثاً عن متسع للرزق بعيداً عن الغرف الضيقة التي تتكدس فيها الأجساد والأحلام.

تتحرك ليلى في زحام العرس، يسكنها صداع مفاجئ يخنق بهجتها، فتنسحب إلى زوايا البيت الذي صار يضيق بأهله مع كل إضافة جديدة للعائلة. يعيش هؤلاء اللاجئون صراعاً مريراً مع المكان؛ فالبيت الذي استقبل أربعة أفراد عند النكبة الأولى، صار يضم ثمانية يتقاسمون الهواء والذكريات. ترصد الرواية هذا التحول الديموغرافي كفعل مقاومة صامت، حيث التناسل والبقاء هما الرد الوحيد الممكن على محاولات المحو. تبرز صورة الجدة والأم كحارسات للرواية الشفوية، يمددن ليلى بالمعلومات عن مراحل اللجوء، وكأنهن يسلمنها مفتاحاً غير مرئي لبيت قديم ما زال يسكن في الوجدان أكثر مما يسكنون هم فيه.

تحمل ليلى في مخيلتها صورة القدس الثائرة واللاجئين الذين رحلوا وراء السحاب، بينما تظل هي وشمس، الشخصية التي تعشق ثرى الأرض دون سؤال، تمثلان استمرارية النبض في عروق القضية. يظهر المخيم في النص ككائن حي، يشعر بالبرد والجوع والخوف، لكنه يمتلك قدرة هائلة على الاحتفال في قلب المأساة. إن الضيق الذي تشعر به ليلى بعد عرس أخيها ليس ضيقاً مادياً فحسب، بل هو ضيق الخيارات المتاحة أمام جيل ولد في خضم الزحام، ويحلم بوصال أرض لم يرها إلا في حكايات الجدات. تظل الرواية صوتاً مجلجلاً يخرج من رحم المعاناة، ليعيد رسم الخريطة الفلسطينية لا عبر الحدود السياسية، بل عبر تضاريس الوجع والأمل واليقين بالعودة.

تستمر تقلبات الحياة في رسم مسارات الشخصيات، فمن الحزن على المجازر إلى الفرح بالزيجات والولادات، تكتمل دائرة الوجود الإنساني تحت سقف الصفيح. تدرك ليلى أن دور مخيمها آتٍ في سلسلة الأحداث العظمى، فتستعد بروحها المثقلة لتلقي ضربات القدر، متدثرة بثياب الطفولة التي أخفت تحتها وعياً مبكراً بالضياع. إنها قصة شعب يرفض أن تكون نهايته مجرد رقم في سجلات اللجوء، بل يصر على أن يحول كل صرخة وكل غصة وكل حلم بسيط إلى فعل كتابة يخلد ذكراهم. ينتهي المشهد بوقوف ليلى في طابور المدرسة، مستعدة لاستقبال يوم جديد، يحمل في طياته انتظاراً طويلاً وفجراً يرفض أن يشرق تماماً ما دام القيد يطوق القدس وما دام المخيم يئن تحت وطأة الغياب.