اليمني

صنعاء، مطارٌ يئن تحت وطأة التأجيل، تعلّق فيه مسافرون أحلامهم على أجنحة طائرةٍ حلمت بالوصول. رأفت، مهندسٌ يحملُ ندوبَ ماضٍ قطعت صلته ببلدٍ يعجّ بأصوله، ينتظرُ رحلةً ليست ككل الرحلات. مصر، أرضُ الأجداد، أصبحت وجهةً لا يرغبُ فيها، مجرد محطةٍ مفروضةٍ لبضعِ أشهرٍ لدراسةٍ لا تسرّ روحه. ذاكرتهُ تحملُ صورًا باهتةً لزوجينِ افترقتا، أمٌّ تنازلت عن وليدها لتنال حريتها، وأبٌ أحسّ بالخيانةِ والهوان. هذهِ الرحلةُ ليست مجرد انتقالٍ جغرافي، بل هي غوصٌ في أعماقِ ذاكرةٍ مثقلةٍ بالخيبات، حيثُ تتشابكُ خيوطُ الماضي بالحاضر، وتُعادُ قراءةُ فصولِ الحبّ والفقدِ في آنٍ واحد. في كل تأخيرٍ، في كلّ إعلانٍ عن موعدٍ جديد، تتزايدُ وطأةُ الثقلِ على صدرِ رأفت، وكأنّ المطارَ نفسهَ يرفضُ أن يمضيَ بهِ قُدماً قبلَ أن يلتئمَ ما انصدعَ في روحه. اليمني
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjUHdpKtoDCOvBde_o_QDygcj7cmqFAl5Qz0emmZdXyFJ_MUJRZNZlkQqPduFUqW9RzA_P7jxj7AaF_F3gkuWgJ4t_k4XRrSz5dk9gcCkwL73oowxHZS9rM2wCXvtK-4FfHejBMEfH1XA7OFb5rKmpU_aKIy_6o8pnfEB_y5rISV4KukCwQso4mB7IRykU/s320/183.jpg

صنعاء، مطارٌ يئن تحت وطأة التأجيل، تعلّق فيه مسافرون أحلامهم على أجنحة طائرةٍ حلمت بالوصول. رأفت، مهندسٌ يحملُ ندوبَ ماضٍ قطعت صلته ببلدٍ يعجّ بأصوله، ينتظرُ رحلةً ليست ككل الرحلات. مصر، أرضُ الأجداد، أصبحت وجهةً لا يرغبُ فيها، مجرد محطةٍ مفروضةٍ لبضعِ أشهرٍ لدراسةٍ لا تسرّ روحه. ذاكرتهُ تحملُ صورًا باهتةً لزوجينِ افترقتا، أمٌّ تنازلت عن وليدها لتنال حريتها، وأبٌ أحسّ بالخيانةِ والهوان. هذهِ الرحلةُ ليست مجرد انتقالٍ جغرافي، بل هي غوصٌ في أعماقِ ذاكرةٍ مثقلةٍ بالخيبات، حيثُ تتشابكُ خيوطُ الماضي بالحاضر، وتُعادُ قراءةُ فصولِ الحبّ والفقدِ في آنٍ واحد. في كل تأخيرٍ، في كلّ إعلانٍ عن موعدٍ جديد، تتزايدُ وطأةُ الثقلِ على صدرِ رأفت، وكأنّ المطارَ نفسهَ يرفضُ أن يمضيَ بهِ قُدماً قبلَ أن يلتئمَ ما انصدعَ في روحه.

اليمني رواية 183 252 يناير 2019 yes 201091985809 شذى الشعيبي كاتبة سودانية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiHgPi4BfrhT0DdqfYCBADcyCqaPDAZyLiepyqDwZUVU8rtOdqKXkahyKR40nondXOGXR2O66jxk2Y3yEp-SfJ-tLIWISwsVKeHKEX0Pq5E1PdkHAdPLrsRu2Rdd9P7kmfNVNTRZXPpLgk_EjJFIo0_0f1ZIXeK9xG1qFbEvSMc1nufh_d4cPgO62isCHI/s800/%D8%B4%D8%B0%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%8A%D8%A8%D9%8A.jpg

رأفت، العالق في برزخ الهوية بين صنعاء والقاهرة، يجد نفسه مدفوعاً نحو رحلة لم تكن يوماً خياره المفضل، بل قدراً رُسم بخطوط من الوجع القديم. تبدأ الحكاية بانتظار قلق في مطار صنعاء الدولي، حيث الرحلة رقم 510 المتجهة إلى مصر لا تمثل له مجرد بعثة علمية لدراسة الأجهزة المخبرية، بل هي عودة قسرية إلى رحم الذكريات المبتورة. إنه يحمل في داخله ندبة لا تندمل؛ ندبة اليوم الذي وقعت فيه والدته "نازلي" ورقة طلاقها مقابل التنازل عن حضانته، مخلفة وراءها طفلاً يرى في الصمت موطناً وفي الجفاء درعاً. هذه الرواية التي تصيغها شذى الشعيبي في طبعتها الثانية الصادرة عن دار لوتس، لا تسرد قصة سفر مكاني فحسب، بل تغوص في جغرافيا الروح اليمنية حين تتشظى بين الانتماء والخذلان.

الحياة في هذه الصفحات تشبه لوحة زيتية تداخلت فيها ألوان الغربة مع ملامح الحزن النبيل، حيث يبرز رأفت كشخصية ترفض التصالح مع نصفها المصري لأن هذا النصف كان يوماً ثمن حريته المسلوبة. إن استعادة مشهد الطلاق في ذاكرة النص يعيد إلينا أصداء فلسفة "سيمون دي بوفوار" حول الحرية وتكلفتها، لكنها هنا حرية مغمسة بالمرارة؛ فـ "نازلي" التي اختارت قلبها وهربت نحو "إبراهيم"، تركت خلفها ابناً يراقب في صمت انطفاء شعلة الحب في قلب أبيه سعيد. هذا الشرخ العائلي هو المحرك الخفي لكل انفعالات البطل، الذي يجد نفسه في القاهرة ليس كباحث، بل كمطارد لأشباح الماضي التي لم يغلق أبوابها تماماً، لتبقى تلك الغرف المغلقة في منزله بصنعاء رمزاً لقلبه الذي لا يفتح بابه لأحد.

تنتقل بنا السردية إلى منعطفات اجتماعية حادة حين تظهر "آلاء"، تلك الشخصية التي تدخل دائرة حياة رأفت في ظروف استثنائية تجعل من الزواج السريع ملجأً لا اختياراً. في بيت "أم خيرية"، يتجلى الدفء الإنساني الذي يفتقده رأفت، حيث تحاول هذه السيدة اليمنية الأصيلة لملمة شتات العروسين بكلمات تقطر حناناً، محاولة كسر الجليد الذي غلف كينونة رأفت. الموقف الذي يجمعهم في ليلة الزفاف الأولى، ومشادات الانتقال بين الغرف، والتوتر الكامن في نظرات رأفت لآلاء، يعكس صراعاً داخلياً بين رغبته في المودة وخشيته من تكرار خديعة الأم. الكاتبة ترسم هنا مشهداً سينمائياً بامتياز؛ ترقب الأم، تذمر الأب، ودموع آلاء التي انهمرت لتغسل جزءاً من وحشة المكان، لتتحول تلك اللحظات إلى طاقة فائقة تعيد ترتيب فوضى المشاعر داخل البيت الصغير.

الهوية اليمنية في الرواية ليست مجرد جواز سفر أو لهجة، بل هي منظومة من القيم التي تتصادم مع رغبات الفرد في الانفلات من أسر التقاليد أو جراح الماضي. رأفت الذي يرفع سبابته في وجه آلاء كأنه يهدد القدر ذاته، يمثل الجيل الذي يحاول صياغة مستقبله بعيداً عن أخطاء الوالدين، لكنه يكتشف في كل خطوة أن جذوره مشتبكة في تربة صنعاء العتيقة بقدر اشتباكها في زحام القاهرة. الرواية في جوهرها هي رحلة للبحث عن "الأمان" في زمن التحولات، حيث يصبح الإهداء الموجه للصديقات في كل بلد بمثابة إعلان عن عالمية الوجع الإنساني وقدرة الاختلاف على توسيع المدارك. إنها دعوة لقراءة الروح البشرية التي، رغم انكساراتها، تظل تبحث عن مرفأ، تماماً كما تبحث الطائرة المتأخرة في المطار عن مدرج للهبوط بعد طول غياب.