من بعد غياب

بين طيات هذا الديوان، ينسج سعيد الشوادفي خيوط الغياب والحنين، يرسم لوحاتٍ بمدادٍ من لهجة الشارع، لا ليُبهر بخطابةٍ براقة، بل ليلامس الروح مباشرة. تقف الكلمات على عتبات الوجع، لا تستجدي الشفقة، بل تدعوك للتأمل في مرارة البعد، حيث تتشظى الوعود كزجاجٍ مهشم، وتتحول آمال الأمس إلى أشباحٍ تلاحق الحاضر. هنا، لا مكان للهوامش الفارغة، كل جملةٍ تحمل ثقلاً، كل بيتٍ هو شاهدٌ على رحلةٍ طويلةٍ بين الأحبة، رحلةٌ تقف على مفترق الطرق بين الوصل والجفاء، بين الصدق والكذب، بين القدرة على النسيان أو الاستسلام لأسر الذكرى. إنها دعوةٌ مفتوحةٌ لاستكشاف قلبٍ ينبض بصدقٍ، وإن بدا أحياناً مثقلاً بالجراح. من بعد غياب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgGhYYctgWYEDA738FTGLkWiJ3S_lPKPVZk12-n1VFNuJYXjUkeCCQWuF-ZF6h6Fkl8dkvBLekoc_oR9jcMXsNPbX6Xxq8JK2XvO50824k55mdcmnQ87s7D1lx0f2YPxXv7e13pDGMWCraZJNmNRq7ZWeOfnMOEm2_wKGW7KQaKrdJyrvFasv9yXZUjOf0/s320/187.jpg

بين طيات هذا الديوان، ينسج سعيد الشوادفي خيوط الغياب والحنين، يرسم لوحاتٍ بمدادٍ من لهجة الشارع، لا ليُبهر بخطابةٍ براقة، بل ليلامس الروح مباشرة. تقف الكلمات على عتبات الوجع، لا تستجدي الشفقة، بل تدعوك للتأمل في مرارة البعد، حيث تتشظى الوعود كزجاجٍ مهشم، وتتحول آمال الأمس إلى أشباحٍ تلاحق الحاضر. هنا، لا مكان للهوامش الفارغة، كل جملةٍ تحمل ثقلاً، كل بيتٍ هو شاهدٌ على رحلةٍ طويلةٍ بين الأحبة، رحلةٌ تقف على مفترق الطرق بين الوصل والجفاء، بين الصدق والكذب، بين القدرة على النسيان أو الاستسلام لأسر الذكرى. إنها دعوةٌ مفتوحةٌ لاستكشاف قلبٍ ينبض بصدقٍ، وإن بدا أحياناً مثقلاً بالجراح.

من بعد غياب شعر عامية 187 96 يناير 2019 yes 201091985809 سعيد الشوادفي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi_pFPK2p5bsFH57MsHU0sBc7pypr_4TqY1K77iGoJGdHS1QRPGRhe0DLpemIeZ_KeKLFZq8six0pT91o6hw5BdjjHKaKZSO5WqqQ2D-ZLPZ604wMPAvajL75b7PMcvWJ0tVOYHxPVNpHdtoWqwLv0QKGhuBSenoKvD9egNkpgwAB67MPzN928OkbJZa8c/s800/%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%88%D8%A7%D8%AF%D9%81%D9%8A.jpg

سعيد الشوادفي في ديوانه "من بعد غياب" لا يكتب شعراً بالمعنى التقني البارد، بل يفتح شرياناً من العامية المصرية لتنزف حنيناً وندماً على ورق دار لوتس، متبعاً أثر "بيرم التونسي" في تطويع المفردة اليومية لتصبح قادرة على حمل أثقال الوجود. تبدأ الرحلة بمغادرة اضطرارية، فالبطل يسكن الغربة، لكن الغربة الحقيقية تسكنه، حيث تتبدى القصائد كرسائل مطوية لم تجد طريقاً لصندوق بريد المحبوبة إلا عبر القصيدة. "من بعد غياب عن الأحباب، بكتبلك يا حبيبتي جواب"، هكذا يستهل الشوادفي عوالمه، مسقطاً أقنعة الكبرياء منذ السطر الأول، فالحب عنده ليس معركة للانتصار، بل هو حالة من الانكسار المشرف أمام سطوة الذاكرة. 

ينتقل الشاعر بين نقيضين يمثلان جوهر الصراع الإنساني: الرغبة في النسيان، والاستحالة المطلقة لتحقيقه، فهو يعلن في لحظة غضب "ح نساكي"، ثم يعود ليغرق في تفاصيل عطرها التي تخترق حصون صمته وسط زحام الوجوه، وكأنه يجسد مقولة الفيلسوف "سيوران" عن أننا لا ننسى ما نريد نسيانه، بل ننسى فقط ما لم يعد يؤلمنا، وألم الشوادفي لا يزال طازجاً، يتنفس خلف كل فاصلة ونقطة.

تتحول القصائد في هذا الديوان إلى مرايا مهشمة، نرى فيها وجه الحبيب الذي خان العهود ووجه المحب الذي يرفض التصديق، حيث ينسج الشاعر صوراً مشهدية للغربة، لا بوصفها مسافة كيلومترات، بل بوصفها "غربة مع الأغراب" داخل الروح نفسها. يبرز الصراع النفسي بوضوح حين يستنطق الشاعر قلبه، فيحدثه القلب بلغة الحقيقة المرة: 

"كداب.. عمرك مرة في يوم ما نسيتها"، وهنا تكمن براعة العامية في بلوغ أقاصي الصدق بمفردات بسيطة لا تتجمل. إن الديوان يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى الوفاء في زمن الارتداد، فبينما يصر الشاعر على حفظ الوعود، يجد نفسه أمام "واحدة ثانية" وعهود حطمتها الحدود، وكأن الحب في عالمه قدر إغريقي لا فكاك منه، ينتهي دائماً بالعودة إلى نقطة الصفر، حيث الدموع هي الثوب الوحيد الذي يستر عري الخيبة.

لا يكتفي الشوادفي بالذاتي العاطفي، بل يمد بصره إلى الشأن الإنساني الأوسع، فيعرج على تفاصيل الحياة اليومية المنهكة، مصوراً خديعة "دخان السيجارة" الذي يسلب الصحة والمال، في استعارة كبرى عن كل ما يحرقنا ونحن نعتقد أنه يمنحنا السكينة، داعياً للتحرر من قيود "النيكوتبن" و"الشيطان" كنهاية رمزية للتطهر من أدران الضعف البشري.

تمثل لحظة "اللقاء الأول" في الديوان طقساً مقدساً يتم استعادته بكثير من المرارة، حيث كان الوعد بالبقاء أبدياً، لكن النص ينتهي باعتراف بهزيمة القلب أمام القسوة، فالشاعر الذي حاول أن "يبيع اللي باعوه" يكتشف في نهاية المطاف أن القلب ليس سلعة تخضع لقوانين السوق، بل هو طفل معاند يرفض الفطام عن ثدي الذكرى. الموسيقى الداخلية في الأبيات تنساب بعفوية تشبه نبض الشارع المصري، تارة تتسارع مع دقات القلق، وتارة تتباطأ مع زفرات اليأس، لتشكل في مجملها لوحة درامية لحياة رجل قرر أن يواجه غيابه بالكتابة. 

"من بعد غياب" ليس مجرد ديوان شعر، بل هو وثيقة إنسانية عن الوجع الذي يتركه الراحلون في زوايا الغرف وفي ثنايا الروح، حيث يظل السؤال معلقاً في الفضاء: كيف يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد بينما كل الطرق لا تزال تؤدي إلى وجه الشخص الذي غادر؟ الدرس الذي يتركه لنا الشوادفي بين السطور هو أن النسيان ليس قراراً نتخذه، بل هو معجزة ننتظرها، وحتى تحدث تلك المعجزة، لا يملك الشاعر إلا أن يمسك القلم ويكتب جواباً آخر، من غربة أخرى، ومن بعد غياب أطول.