كاتب ونساء وعبث

تكسرت ساعة اليد، وربما لا تكون هذه المرة الأولى التي يتوقف فيها الزمن. كانت العاشرة إلا قليلاً، لكن الوقت نفسه كان يتآكل داخلي، كأن عقاربها لم تعد قادرة على مجاراة سرعة السقوط. انزلق وعيي، دفعة واحدة، إلى الهاوية، تاركاً خلفه جسداً يتمايل كسراب. وجوهٌ كانت تضيء الدروب اختفت، تاركةً رماداً بارداً. لم أعد أشبهم. بعد سنوات من الانعزال، أصبحتُ غريباً عن المرآة التي تريني وجهًا مألوفًا بملامح مفقودة. صوتٌ داخلي يهمس بأن لا شيء يروقني، وأن هذا القناع الذي ألبسه أصبح جزءًا مني. رحلتُ، وتركتُ ورائي بابًا مفتوحًا، لا أدري إن كان سهوًا أم رسالة. تزاحمت الأفكار كأنها حشدٌ لا يرحم، فأردتُ التخلص منها في وسط المدينة. لكن الصمت كان يلف الشارع، مقاومًا نشاز الموسيقى المنبعثة من مرقصٍ قريب. فتياتٌ بفساتين قصيرة وشفاهٍ حمراء، ينسحبن نحو عالمهن الحقيقي، حيث الأسر، والقيود. كاتب ونساء وعبث
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhTYlnfGRqWRMZCOVdlsqzhMsCIXWc99PFs39OoXY8ZHks1OIeB1FibBu0lJdWfibA0WcQVEMSsRSb4JKeElKZ6I6WFTsd3_roMWrLnB6faH5LZezdOdU4hv4KWaYu74t_1K3PNjMnvO9G7hMeNevwOL9rY18IaDuuShfMXzNPNyvp1GvbS69KCXdUUZa0/s320/65.jpg

تكسرت ساعة اليد، وربما لا تكون هذه المرة الأولى التي يتوقف فيها الزمن. كانت العاشرة إلا قليلاً، لكن الوقت نفسه كان يتآكل داخلي، كأن عقاربها لم تعد قادرة على مجاراة سرعة السقوط. انزلق وعيي، دفعة واحدة، إلى الهاوية، تاركاً خلفه جسداً يتمايل كسراب. وجوهٌ كانت تضيء الدروب اختفت، تاركةً رماداً بارداً. لم أعد أشبهم. بعد سنوات من الانعزال، أصبحتُ غريباً عن المرآة التي تريني وجهًا مألوفًا بملامح مفقودة. صوتٌ داخلي يهمس بأن لا شيء يروقني، وأن هذا القناع الذي ألبسه أصبح جزءًا مني. رحلتُ، وتركتُ ورائي بابًا مفتوحًا، لا أدري إن كان سهوًا أم رسالة. تزاحمت الأفكار كأنها حشدٌ لا يرحم، فأردتُ التخلص منها في وسط المدينة. لكن الصمت كان يلف الشارع، مقاومًا نشاز الموسيقى المنبعثة من مرقصٍ قريب. فتياتٌ بفساتين قصيرة وشفاهٍ حمراء، ينسحبن نحو عالمهن الحقيقي، حيث الأسر، والقيود.

كاتب ونساء وعبث رواية 065 108 يوليو 2018 yes 201091985809 عبد السلام المساتي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgDKEDK1cW7WAA8QkfW1gFXXl-FQQmuVa-T2bfrpwCnjOFmXqcVgG-JjnipZ_Lnd0t3vq2z3cxkId_69abrukoq9HtNWnDP5FMw-YRk5wIVYj3vKJrCkHCBhz36dFdr46q2SdpeVsGxJrdxaT0Uo27m9nqN_tm-DDREPJf2MwYd8xxRtaVIqXNU8TYfpjk/s800/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA%D9%8A.jpg

إسالم مغناوي، بطل رواية "كاتب ونساء وعبث" للكاتب عبد السلام المساتي، يمثل تلك الكتلة البشرية التي تحاول الحفاظ على توازنها فوق رقعة مهتزة من الانهيارات النفسية والاجتماعية. تبدأ الحكاية من نقطة ملموسة للغاية: 

رجل ينظر في المرآة فلا يرى انعكاساً مألوفاً، بل يشاهد شخصاً غريباً يرتدي ملامحه القديمة بنسبة تشابه لا تتجاوز حدود الشكل الخارجي. هذه الفجوة بين الذات وصورتها تمثل 100% من أزمة البطل الذي انزلق نحو هاوية صنعها وعيه الخاص، حيث تتحول الأحلام إلى منعرجات تفقد الإنسان هويته تدريجياً. العزلة هنا ليست مجرد غياب للأشخاص، بل هي مادة صلبة تراكمت داخل إسالم حتى جعلته يشعر بالغربة وسط الزحام، تماماً كما يتراكم الصدأ على محرك قديم فيعطل قدرته على الحركة رغم سلامة تروسه الظاهرة.

المصادفة هي الوقود الذي يحرك التروس الجامدة في حياة إسالم، وتحديداً في تلك اللحظة التي قادته إلى مكتبة يبحث فيها عن ورقة تخرجه من رتابة أيامه. هناك، يلتقي بسلوى، المرأة التي كانت تقف أمام رف الروايات العربية ممسكةً بعمل إرنست همنغواي "العجوز والبحر". يكسر إسالم حاجز الصمت بنصيحة تقنية حول الرواية، مستخدماً المعرفة كجسر عبور، حيث يشرح لها أن همنغواي رغم عبقريته قد يثير الملل بسبب انشغاله بالأدب الهادف على حساب عنصر التشويق. 

هذا الحوار القصير، الذي بدأ بجملة "اقتنيها.. لن تندمي"، كان بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل علاقة معقدة، حيث يرى إسالم في الكتب وسيلة لخدش العزلة، وفي النساء مرايا يحاول من خلالها استعادة أجزاء روحه المبعثرة.

العلاقات في الرواية لا تسير في خطوط مستقيمة، بل تتشابك مثل أسلاك معقدة في لوحة تحكم عاطلة. يجد إسالم نفسه عالقاً في مثلث من المشاعر المتناقضة، حيث الحب ليس مجرد عاطفة مجردة، بل هو عقد مختوم بالخيانة والترقب. 

في إحدى اللحظات الفاصلة، يراقب هاجر وهي تغادر منزله تاركة الباب مفتوحاً، وهي لفتة هندسية بسيطة توحي بانفتاح الجروح أو ربما بالسهو الذي يسبق الانهيار النهائي. يشعر البطل أن جدران المنزل تضيق عليه بنسبة تمنعه من التنفس، مما يدفعه للهروب إلى شوارع المدينة التي تبدو خالية من كل شيء إلا من طيف المرأة التي تسكن خياله. 

الصمت في الخارج لا يعني الهدوء، بل هو مقاومة يائسة ضد صخب الموسيقى المنبعثة من المراقص الليلية، حيث تتصادم الحقيقة مع الأقنعة التي يرتديها الناس.

الوقت في عالم إسالم ليس وحدة قياس ثابتة، بل هو أداة معطلة تماماً كساعة يده التي تحطمت قبل ثلاثة أعوام في لحظة انكسار قلبه. غياب الهاتف وإهمال الوقت يعكسان رغبة البطل في الانفصال عن المنظومة الاجتماعية التي تفرض عليه وجوهاً لا تشبهه. يسير نحو المرقص المظلم بحثاً عن ضوء، لكنه يصطدم بحقيقة أن الغربة مكان يسكنه المرء وليست مجرد إحساس عابر. الشخصيات النسائية في الرواية، 

من سلوى إلى هاجر، يمثلن محطات في رحلة تيه كبرى، حيث يحاول الكاتب عبر إسالم مغناوي أن يشرح كيف يمكن للوعي الزائد أن يتحول إلى فخ، وكيف يمكن للعبث أن يصبح هو القاعدة الوحيدة التي تحكم مسارات البشر عندما يفقدون البوصلة التي كانت تنير دروبهم لسنوات طويلة.

ينتهي النص بتصوير حالة من الجمود الفيزيائي عند عتبة المكان؛ إسالم يقف متسمراً أمام باب المرقص، عاجزاً عن الدخول وعاجزاً عن العودة. هذا التوقف يختصر فلسفة الرواية في التعامل مع الضياع، حيث يصبح الإنسان مجرد جسد يتحرك نحو وجهة مجهولة، فاقداً للحماية التي كانت توفرها له أحلامه القديمة. 

التراكمات النفسية لم تغير ملامح إسالم فحسب، بل أعادت صياغة علاقته بالواقع، ليصبح الخوف من المحيط ومن النفس هو المحرك الأساسي لأفعاله. إنها دراسة أدبية في كيفية تحول الحياة إلى سلسلة من العثرات التي لا تمنع المرء من الاستمرار، لكنها تجعل من السير عملية شاقة تشبه محاولة المشي في حقل ألغام من الذكريات والخيبات المتلاحقة.