بدون

تتأرجح الروح بين الوهم والسراب، تبحث عن موطئ قدم في هذه الحياة المتلاطمة. أيُّ سكينةٍ تمنحُ الروحَ هدوءها حين تثقلُها وجائعُ الوجود؟ الحكمةُ في أيّ دربٍ تكمن؟ حين تصرّ الحياةُ على سفحِ خجلِ الفجرِ تحتَ وطأةِ صمتٍ عاجز، يصبحُ البحثُ عن معنىً ضرورياً. كأنّنا نتحوّلُ في غرفِ العملياتِ، تُستأصلُ الرغبةُ حيّةً، وتُنتزعُ الحياةُ من عروقِنا، بينما أربعةٌ وعشرون عاماً في لمحِ البصرِ كفيلةٌ بأن تُشعِلَ فينا إحساساً بالألفةِ، ورغبةً في رؤيةِ شروقِ الشمسِ. النهارُ الذي كانَ غريباً، يصبحُ آيةً للجمالِ، والليلُ يسكنُ في القلبِ الذي يحتضنُ العالمَ. هل السعادةُ نسبيةٌ، تقاسُ بالتمزقِ بين اليأسِ والأملِ حتى ينتصرَ الأخير؟ حين تتشابكُ الوجوهُ في ضبابِ الذاكرة، تبرزُ ملامحُ الأجدادِ، وصفاءُ العمّ، وضحكاتُ الجيرانِ. ثمّ تختفي، لتتركَ مكاناً لوجوهٍ جديدةٍ، مشاكلُها هي نفسها. العودةُ إلى نقطةِ البدايةِ، حيثُ الأملُ بلقاءِ صديقٍ قديمٍ، وحيثُ الحقولُ الخضراءُ تبدو بعيدةً. هل تستطيعُ الروحُ أن تهربَ من واقعٍ قاسٍ، أم أنّها مجردُ وهمٍ يتبددُ مع أولِ خيطٍ من خيوطِ الفجر؟ بدون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhZpijKeOVqZbYTegMQOqbvHfQBzrZx0wRQ10Qe4w0VniyNijMiJnAgeUieH40m4JKO_2nH9b80cvJWjsJPRQQNOZ-y_6588ivf-_FStrkc43DobTDzFK0iU7PJSQHmZmWE3UX3agi9ETssXyF2_RUI3pOdF1iJoRO3TADEwfzqUg0JkHz66a3sgjzW8FA/s320/62.jpg

تتأرجح الروح بين الوهم والسراب، تبحث عن موطئ قدم في هذه الحياة المتلاطمة. أيُّ سكينةٍ تمنحُ الروحَ هدوءها حين تثقلُها وجائعُ الوجود؟ الحكمةُ في أيّ دربٍ تكمن؟ حين تصرّ الحياةُ على سفحِ خجلِ الفجرِ تحتَ وطأةِ صمتٍ عاجز، يصبحُ البحثُ عن معنىً ضرورياً. كأنّنا نتحوّلُ في غرفِ العملياتِ، تُستأصلُ الرغبةُ حيّةً، وتُنتزعُ الحياةُ من عروقِنا، بينما أربعةٌ وعشرون عاماً في لمحِ البصرِ كفيلةٌ بأن تُشعِلَ فينا إحساساً بالألفةِ، ورغبةً في رؤيةِ شروقِ الشمسِ. النهارُ الذي كانَ غريباً، يصبحُ آيةً للجمالِ، والليلُ يسكنُ في القلبِ الذي يحتضنُ العالمَ. هل السعادةُ نسبيةٌ، تقاسُ بالتمزقِ بين اليأسِ والأملِ حتى ينتصرَ الأخير؟

حين تتشابكُ الوجوهُ في ضبابِ الذاكرة، تبرزُ ملامحُ الأجدادِ، وصفاءُ العمّ، وضحكاتُ الجيرانِ. ثمّ تختفي، لتتركَ مكاناً لوجوهٍ جديدةٍ، مشاكلُها هي نفسها. العودةُ إلى نقطةِ البدايةِ، حيثُ الأملُ بلقاءِ صديقٍ قديمٍ، وحيثُ الحقولُ الخضراءُ تبدو بعيدةً. هل تستطيعُ الروحُ أن تهربَ من واقعٍ قاسٍ، أم أنّها مجردُ وهمٍ يتبددُ مع أولِ خيطٍ من خيوطِ الفجر؟

بدون مجموعة قصصية 062 96 مارس 2018 yes 201091985809 محمد الشحات كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgwhY8S_WIzrXjRsHs1nIdKcHRv7Byp6jFNEkvbcA4Ab_saHbbB_2wI2aESh5BC_XCZljalUfiWh6KThsy3R3fdGrnT8XpTo70y-Eaqtmjm7yPQKElaFT85ePwaR6stsr9kj6IDLA-L7dMwpLT8BXm_RTJ3RnC_y3JlsD2ED3pUjKksW6-RXpNFR9BNjCY/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AD%D8%A7%D8%AA.jpg

يتعرى الإنسان في مفرق الطرق، حيث تتشابك خيوط الوهم مع سراب الواقع، فيدرك ضآلته أمام اتساع الحياة. كل منا يقف على حافة فهمه الخاص، باحثًا عن موضع قدم ثابت في بحر متلاطم من الأسئلة. يتراءى الحصان الأبيض، رمز الأمل، رغم قتامة الحال، كمنارة ترشد التائه في دروب الحياة المتعرجة. أبحث في متاهات الروح عن سكينة تبلسم جراح الوجود، وقد أفرغت الحياة بكارتها الأولى تحت وطأة صمت عاجز. هل ثمة سبيل لحياة أخرى، لم نذق طعمها بعد؟

تتردد صدى غرف العمليات في الروح، تحول الإنسان من حال إلى حال، كأنها أطياف تتراقص في لحظات الإفاقة. تومض الحياة أمام العين، سيرة سريعة لأعوام قليلة، لكنها حبلى بتجارب تفوق عمرها. هل ماتت الرغبة في الحياة، أم أنها نبتت في تربة أخرى، بعيدة عن مشرط الجراح؟ يتسع الكون في النفس، وتتدفق مشاعر الألفة والحب، تتوق الروح لرؤية شروق شمس جديدة، تحمل معها خزة ضمير تعيد ترتيب الأوراق. الشمس التي كانت بغيضة، تبدو الآن في وهجها الشفاف، متحولة، مغيرًة كل قواعد القلب. النهار يكتسي بهاءً، والليل يذوب في إشراقه، والقلب، ذاك الصغير الذي يسع الدنيا، يعيد صياغة الحياة. لكن كيف لهذا القلب الصغير أن يحكم مساراتها، بينما السعادة تتكسر بين اليأس والأمل؟

تتداخل الوجوه في ضباب الذاكرة، صور لأحبة رحلوا، وجيران، وجد، وعم، يطلون بملامحهم الدافئة، تسبح في هدوء. يتلاشى ضجيج العالم، وتصبح هذه الوجوه واضحة، مضيئة، كنجوم في سماء صافية. تعود الحياة إلى إيقاعها اليومي، حيث وجه صاحب العمل، وصخب الناس، وهمومهم المتكررة. يلتهم فنجان شاي، وصحيفة الأمس، ليتهلل المرء بـ "دوهنا يصبح". جلوس أمام منزل ريفي، يداعب طفلًا، لكنها مداعبة ثقيلة، لا تجلب البهجة المرجوة. حاجز خفي يفصل بين الذات والآخرين، سؤال مبهم: ما الذي يقف حائلاً بيني وبينهم؟ "ليس لديك مزاج للمسامرة"، هكذا تُقال الكلمات، فتُترك الذات في حيرة، لا تدري بما تجيب. "كل شيء سيكون على ما يرام"، كلمات مطمئنة، لكنها لا تخفف من وطأة الحقيقة.

تُقدم استقالة، كأنها انطلاق من نقطة جديدة، حمل الأوراق والرحيل. رائحة المساء تعبق الأجواء، لكن سؤالًا ملحًا يلاحق، "متى أهرب مما أنا فيه؟". يتصل بالأخ الأكبر، الوحيد الذي يجد فيه الراحة، لكنه مشغول. تتجمع شتات النفس، وتقرر المغادرة. يلوح شبح ما، يتردد ظهوره، يقرر المرء مواجهته أو الفرار. على ضفاف الماء، يظهر الوجه مرة أخرى، ويدعوه الصوت: "عيناك حزينتان؟". يتهلل دمعه، يعترف: "أخ، أحادثك". "ماذا تريد؟" "أبحث عن دواء عندك". "الشفاء لديك أنت". كيف ذلك، وقد اختلط الدمع بالروح؟ "عد للحياة إذن". هل يعود الطفل لرحم أمه؟ "إن أراد". كيف؟ "ابحث عن اللحظة التي يبدد فيها الصباح ظلمة ذلك الليل".

يختفي الوجه، ويبقى الشاطئ، والسماء، ونداء "يا رب". تظهر أمي، بوجهها العابس، أبحث في الأفق، لا أجد سوى صحراء قاحلة، وسراب يلوح بوعد كاذب. صوت بكاء وحنين، لقاءات تفوح منها رائحة الموت، طقوس اجتماعية تعرفها النفوس، كأنها مسرحية تتكرر. سعاد، فقدت زوجها، تلتقي بجاراتها، يثرثرن، تبادلن التحيات، ويومض وميض الذكريات. ضحكات تعلو في الصباح، تشق صمت الضباب، بينما يتناول المرء فطوره، متمنيًا الفائدة. "ربنا يطعمها"، دعاء لجارتها التي تريد تسديد ديون زواج ابنتها. ابتسامة تعلو وجهًا مهمومًا، وصيغة طلب: "خذ الجاموسة لفحل الحاج".

في اتجاه مقابل، تتجلى حقيقة ما، عند الوقوف أمام المرآة. يظهر الأب، متقطع الأنفاس، يعاهد على العودة، "الإنسان بلا جذور نبت شيطاني". استعد لشعر شاب، يترقب مكالمة هاتفية، كأنها بداية رحلة. يتجه نحو القطار، حاملًا أربعين عامًا من الخبرة، يفتقد غريبًا وصحبته. امتداد الحقول الخضراء، يفصل بينه وبين ماضٍ بعيد، والأفق يبدو بعيدًا. فكرة عن صديق ينتظره، ماذا يجول بخاطره عند سماعه خبر العودة؟ سنوات مضت، كانت فيها الحياة لعبًا، وبكاء عند الوداع. يعود كل شيء إلى نقطة البداية، انقطعت الأخبار، وأبحر الزمان. عانت العيون، لتخرج من ذاكرة الرحيل والغربة، تساؤل يتكرر: "لماذا كنت متلهفًا هكذا؟"