عذرية ما قبل الواحدة صباحا

تلملمُ الروحُ فتاتَ صبرها، حين يشتدُّ الزمانُ على قلبٍ باتَ ملجأً لا يُرتجى. ليستْ قصصُ "عذرية ما قبل الواحدة صباحًا" مجردَ سطورٍ تُقرأ، بل هيَ ظلالُ أرواحٍ عاشتْ، صرعتْ أزماتِ الحياة، ثم احتضنتْ خيباتِها لتُخرجَ منها زهرةَ قوةٍ لا تنبتُ إلا في تربةِ اليقين. هنا، يتجلى الحبُ ليسَ بلونِ الشعرِ أو خطوطِ الزمنِ على الوجوه، بل برابطٍ أعمقَ، يعانقُ أوجاعَ البشرِ بصمتٍ. وفي أزقّةِ العشقِ الملتوية، تتناثرُ قصصٌ عن سارة، لا هيَ عاهرةٌ ولا قاسية، بل روحٌ بائعةٌ كرامتَها لِتُبقيَ رمقَ الأملِ في عائلتها، فالمجتمعُ هوَ ذاكَ العاهرُ الحقيقي، حينَ يرتدي دروعَ الشرفِ ليُمارسَ شهواتِهِ على أجسادِ الآخرين. عذرية ما قبل الواحدة صباحاً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEitPDZVgeE8T7E4IvHxqDl7Fx4XVeDQ5ZkIYNNT2K4celY-x22xmZ6bHmbDal8zoQ2YKgQZL4SZe4EHZd6seBmh_aw1GzHa18JbhM-UPTAjgXali-F69DWyrc3rciyyXHaES0Aj7g-PXTQkG7rx2cYBlr0nNHLy-IWQzZiDnxWvvxEEVTQbD7irOrt_Jvg/s320/82.jpg

تلملمُ الروحُ فتاتَ صبرها، حين يشتدُّ الزمانُ على قلبٍ باتَ ملجأً لا يُرتجى. ليستْ قصصُ "عذرية ما قبل الواحدة صباحًا" مجردَ سطورٍ تُقرأ، بل هيَ ظلالُ أرواحٍ عاشتْ، صرعتْ أزماتِ الحياة، ثم احتضنتْ خيباتِها لتُخرجَ منها زهرةَ قوةٍ لا تنبتُ إلا في تربةِ اليقين. هنا، يتجلى الحبُ ليسَ بلونِ الشعرِ أو خطوطِ الزمنِ على الوجوه، بل برابطٍ أعمقَ، يعانقُ أوجاعَ البشرِ بصمتٍ. وفي أزقّةِ العشقِ الملتوية، تتناثرُ قصصٌ عن سارة، لا هيَ عاهرةٌ ولا قاسية، بل روحٌ بائعةٌ كرامتَها لِتُبقيَ رمقَ الأملِ في عائلتها، فالمجتمعُ هوَ ذاكَ العاهرُ الحقيقي، حينَ يرتدي دروعَ الشرفِ ليُمارسَ شهواتِهِ على أجسادِ الآخرين.

عذرية ما قبل الواحدة صباحاً مجموعة قصصية 082 108 سبتمبر 2018 yes 201091985809 مريم فؤاد كاتبة عراقية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjWmvHQvJEm7484gZGVmKyuFdt78S4LRj7HMhyphenhyphen1cPSD3jLZqF4kwKw4gLHZjvQgy315Hv2PVYczxBENNvRjceYuXYd7qtSOpRu8D0ORAgBdfdRtMZpJoBxAdk8hC2MwbKAd99XFmnldlgM2AUtCV6ab1lJDmRhOMT224o2WYdoAdYjhM-nKhx54n1zetf8/s800/%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%81%D8%A4%D8%A7%D8%AF.jpg

مريم فؤاد، في مجموعتها القصصية "عذرية ما قبل الواحدة صباحاً" الصادرة عن دار لوتس، لا تكتب مجرد حكايا، بل تفتح جرحاً في جسد الوجع العربي لتراقب كيف ينزف الحبر. تبدأ نصوصها من تلك النقطة الحرجة التي يسميها الفيلسوف الروماني إميل سيوران "لحظة اليقظة المريرة"، حيث تنقشع أوهام النهار وتتعرى الحقائق تحت ضوء المصباح الخافت قبل ولوج الفجر. الكتاب في جوهره انعكاس لواقع متشظٍّ، تصارعت فيه الحروف مع أزمات الحياة قبل أن تستقر بين يدي القارئ، حاملةً وصية المؤلفة بأن السعادة ليست ترفاً، بل هي تلك القوة الكامنة التي تولد من رحم الانتكاسات المتتالية. هي دعوة صريحة للتمرد على شبح الفشل، سواء كان عاطفياً أو اجتماعياً، واعتباره جسراً للعبور نحو ذات أكثر صلابة وقدرة على مواجهة العبث اليومي الذي يغلف مصائرنا في هذه البقعة من العالم.

تتجلى براعة السرد في التقاط اللحظات الإنسانية الهشة، كما في مشهد الزوجة التي تواجه خيانة زوجها وتبريراته الواهية عن "فحولة الأربعين". هنا، يتحول الشعر الأبيض والتجاعيد من علامات ذبول إلى منحوتات وفاء وشواهد على حرب مشتركة خاضها الزوجان لتأسيس حياة، لكن الرجل يختار "صبية ربيعية" ليبحث في جسدها عن شباب متوهم. ترسم مريم فؤاد بريشة حزينة صورة المرأة التي ترفض صبغ خصلاتها الفضية، معتبرة إياها قيداً من كرامة لا يدركه من لا يرى في الحب سوى القشرة الخارجية. الحب في هذه النصوص يتجاوز المظهر والوجه المكمش والأيادي الخشنة، إنه شعور يتضاعف مع الأيام ويأبى أن يموت تحت وطأة الزمن، شرط أن يجد أرواحاً تدرك أن القداسة تكمن في العشرة لا في اللباس الفاخر أو التباهي الكاذب بالرجولة التي يظن البعض أنها تُشترى بفتات الخبز أو الدراهم البخسة.

تنتقل الكاتبة بجرأة نحو تفكيك مفاهيم الشرف والعهر في المجتمع، مقدمةً شخصية "سارة" كنموذج للتضحية المأساوية التي يُساء فهمها تحت وطأة النظرة الشرقية الضيقة. سارة، التي تبيع نفسها لتعيل عائلتها وتضمن لأختها الصغيرة مقعداً في المدرسة الثانوية، تبدو في النص أكثر شرفاً من مجتمع يرتدي قناع الفضيلة نهاراً وينغمس في الشهوات ليلاً. تضعنا المؤلفة أمام مرآة قاسية؛ فالرجل الذي يعاتب حبيبته على خصلة شعر خرجت من حجابها هو نفسه الذي يغرق في خيال جامح حول خصر سارة النحيق. العهر الحقيقي، كما تصوره مريم، ليس في فعل الاضطرار الذي تمارسه امرأة منكسرة، بل في تلك "الفحولة المضمحلة" التي تستغل حاجة الضعفاء، وفي الألسنة التي تقذف المحصنات وهي غارقة في ازدواجية أخلاقية مريضة.

تنسج المجموعة القصصية خيوطها حول فكرة المحاولة والخطأ، معتبرة أن الفشل ليس نهاية الطريق بل هو وقود للانتصار على عقبات الحياة. تخاطب مريم فؤاد قارئها بنبرة ذاتية صادقة، معترفة بمرورها بحالات فشل ذريع أعقبت نجاحات سابقة، لتؤكد أن الإنسان هو الوحيد القادر على إخراج نفسه من آبار اليأس. النص يتدفق كهر يجرف معه الأوهام، محاولاً حماية "عذرية الروح" من التلوث بمفاهيم المجتمع الزائفة. هي قصص تُقرأ لتُعاش، تُحرض على الحب الصادق الذي لا يهتم بالوجه "المكرمش"، وتدعو إلى رؤية الجمال في انكسارات الضوء على التفاصيل الصغيرة، فكل جرح في هذه المجموعة هو في الحقيقة نافذة تطل على فجر جديد لم يلوثه زيف النهار بعد.