الضحية

نسمة هواء باردة تغلغلت في شوارع إسطنبول المبللة، تحت مطر لم يرحم. "أيدن أورهان" اعتاد الوفاء بوعوده، حتى لو كانت عاصمة تركيا ترتدي عباءة الظلام. في تلك الساعة، لم يكمل يومه الأول في المدينة، لكن عقله كان يعود بالزمن، يستعيد أول لقاء مع "سامية"، صديقته الجديدة التي التقاها قبل رحيله إلى القاعدة العسكرية. جمالها لم يكن غريبا، بل ذكرته بـ"روجينا يلمز"، حب حياته القديم. اهتمامها به دفع لقاءاتهما للتكرار، وها هو الآن يلبي دعوتها، مخترقاً أبواب منزلها الفخم، بخطوات واثقة تتجنب رذاذ المطر. في الداخل، ينتظره خادم يفتح له الباب، ليبدأ فصل جديد في قصة "الضحية". الضحية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhNVYW3rQiyDtwuvM4K3eOPbl9yRqhp_H-NghKJ3inGfauqnYNaiGCfTAErurAD1H82JDgOPwKGcGh-mjDJiTGQ5BFDv53_QhsfJGAmvwQNufDEs1Ed2imr-lRZ-H0ZUr74sUQzDukepAkiRJ4H30MTJuVSo5WGUAa1zgjmtmQ0jV9-j8em_aIpOYdP548/s320/84.jpg

نسمة هواء باردة تغلغلت في شوارع إسطنبول المبللة، تحت مطر لم يرحم. "أيدن أورهان" اعتاد الوفاء بوعوده، حتى لو كانت عاصمة تركيا ترتدي عباءة الظلام. في تلك الساعة، لم يكمل يومه الأول في المدينة، لكن عقله كان يعود بالزمن، يستعيد أول لقاء مع "سامية"، صديقته الجديدة التي التقاها قبل رحيله إلى القاعدة العسكرية. جمالها لم يكن غريبا، بل ذكرته بـ"روجينا يلمز"، حب حياته القديم. اهتمامها به دفع لقاءاتهما للتكرار، وها هو الآن يلبي دعوتها، مخترقاً أبواب منزلها الفخم، بخطوات واثقة تتجنب رذاذ المطر. في الداخل، ينتظره خادم يفتح له الباب، ليبدأ فصل جديد في قصة "الضحية".

الضحية رواية 084 92 سبتمبر 2018 yes 201091985809 سامية ميمونة كاتبة جزائرية

تنبثق نصوص سامية ميمونة في مجموعتها "الضحية" من رحم المكابدة الإنسانية، حيث تتقاطع المصائر عند مفارق الفقد والانتظار، وتغدو الكتابة مرآةً تعكس انكسارات الروح أمام سطوة الغياب. تبدأ الحكاية بزخات مطر خريفية في إسطنبول، تشبه في إيقاعها الرتيب نبضات قلب "أيدن أورهان"، العقيد الذي يطارد ظلال حب قديم في ملامح امرأة جديدة، وكأنه يفر من قدره بمواجهته. المطر هنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو الستارة التي تزدل على مشهد إنساني معقد، حيث تتداخل الواجبات العسكرية بصرامتها مع رهافة المشاعر التي لا تعترف بالرتب أو المسافات. نجد أنفسنا أمام أبطال يتحركون في فضاءات مشحونة بالذكريات، يحاولون ترميم ما أفسدته الأيام، باحثين عن خلاص فردي في عالم يصر على جعلهم قرابين على مذبح التضحية.

يستحضر النص روح الروائي الروسي "دوستويفسكي" في تشريحه للألم البشري، إذ لا تكتفي الكاتبة برصد الأحداث، بل تغوص في لجج النفس حين تواجه الحقيقة العارية. يظهر ذلك جلياً في مشهد "روشان" وهي تحتضر، حيث يتحول المرض من علة جسدية إلى كاشف للمعدن الإنساني، فتقف بين أختها "روجين" وحبيبها القديم "أيدن"، لا لتطلب الشفقة، بل لتمارس أسمى أنواع التحرر عبر الوصية. إنها تدرك أن الزمن خيط رفيع يوشك على الانقطاع، فتقرر أن تنسج من بقايا أنفاسها جسراً يعبر عليه الآخرون نحو السعادة. الصراع هنا ليس بين شخوص، بل هو صراع بين الأنا التي ترفض بناء سعادتها على أنقاض الآخرين، وبين الضرورة التي تفرضها النهاية الوشيكة، مما يجعل لحظة الوداع تكثيفاً تراجيدياً لمعنى الوفاء الذي يتجاوز حدود الموت.

تنتقل الدفة في موضع آخر نحو تجربة الفقد الأبوي، حيث يغدو البيت مسرحاً لصمت ثقيل بعد رحيل الابنة، ويقف "يوسف" وزوجته أمام فراغ لا تملؤه الكلمات. الحزن في قصص ميمونة ليس صراخاً، بل هو انكسار داخلي صامت، يشبه تصدع الرخام تحت وطأة الجليد. الزوج الذي يحاول أن يكون عماداً لبيت تداعت أركانه النفسية، يجد نفسه بين فكي الرغبة في الانهيار وضرورة التماسك من أجل شريكته. تبرز هنا تيمة "العائلة" ككيان متصلب أحياناً، يحاول فرض إرادته عبر التدخل في أدق تفاصيل الحياة الزوجية، خاصة في قضايا الإنجاب والاستمرارية، مما يضع الحب في اختبار دائم ضد الضغوط الاجتماعية التي لا ترحم.

تتجلى الحكمة في نهاية المطاف عبر الرضا بالقدر، لا كاستسلام سلبي، بل كفعل إرادي لاستعادة المعنى وسط الركام. تنتهي المأساة بوعي جديد يتشكل في قلب الزوجة، التي تدرك أن الانغماس في الحزن الشخصي قد يكون نوعاً من الأنانية التي تغفل آلام الآخرين المحيطين بها. تقرر أن تفتح نوافذ بصيرتها على حب "يوسف" الذي صمد أمام عواصف العائلة وقسوة الظروف، فتتحول الضحية من كائن مسلوب الإرادة إلى فاعل يختار أن يعيش من أجل من يحب. اللغة هنا تنساب برقة لتداوي جراح الشخوص، مؤكدة أن النسيان ليس خيانة، بل هو الطريق الوحيد لتجدد الحياة، وأن التضحية الحقيقية ليست في الموت من أجل الآخر، بل في امتلاك الشجاعة للعيش من أجله رغم كل هذا الوجع المقيم.