الحبيب المستحيل

ليلٌ مقمر، يتكسر على صقيع الشتاء. في الثانية عشرة ليلاً، تصدح القطط بنحيبها، وتتراشق الكلاب بنباحها، محدثةً رهبة في نفوس قلة تسير في هذا الحي الشعبي. على قمة أكوام القمامة، تقف فتاة في عقدها الثاني، تفيض جمالاً ورشاقة. شعرها الأصفر ينسدل ليلامس كتفيها، وعيناها عسليتان، أنفها دقيق، وشفتيها رقيقتان، وذقنها يزينها طبع حسن. ترتدي جلباباً قديماً، قذراً، وتبدأ بالبحث بين النفايات، بحثاً عن فتات طعام يسد جوعها. تجد كيساً بلاستيكياً يحمل بقايا خبز. تبحث عن مكان منعزل، حيث لا يراها أحد. تجلس، تخرج الكيس، وتنتقي منه أجزاء الخبز التي طالها العفن، وتضعها في فمها بلامبالاة. وبينما هي تأكل، تسرح بذاكرتها، تسترجع أيام الشقاء. تلك الأيام التي قضتها في شقة متواضعة، بينما كان أبوها خبازاً، وأمها تبيع الخضروات على الرصيف، وكانت هي قد حصلت للتو على شهادة الدبلوم التجاري، تؤهلها لدخول الجامعة. الحبيب المستحيل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhRJ5FzP2y0phmuGbeHy9Q4pudUnbNsxFNs1dIt8h6slV5mWGtzIACd-Dyeyn5PYgUk2B7BdfjH-gwu2ZU8zIthtXAMvwrWXm7ea7BnGZDR67LKiC0nkCXycPDatsHTvJGqjWEGybcCMO0OgdI20zgylxJYdiBgMuNVaqW6_xKrMAQXuunEvZkSD4s2C-0/s320/87.jpg

ليلٌ مقمر، يتكسر على صقيع الشتاء. في الثانية عشرة ليلاً، تصدح القطط بنحيبها، وتتراشق الكلاب بنباحها، محدثةً رهبة في نفوس قلة تسير في هذا الحي الشعبي. على قمة أكوام القمامة، تقف فتاة في عقدها الثاني، تفيض جمالاً ورشاقة. شعرها الأصفر ينسدل ليلامس كتفيها، وعيناها عسليتان، أنفها دقيق، وشفتيها رقيقتان، وذقنها يزينها طبع حسن. ترتدي جلباباً قديماً، قذراً، وتبدأ بالبحث بين النفايات، بحثاً عن فتات طعام يسد جوعها. تجد كيساً بلاستيكياً يحمل بقايا خبز. تبحث عن مكان منعزل، حيث لا يراها أحد. تجلس، تخرج الكيس، وتنتقي منه أجزاء الخبز التي طالها العفن، وتضعها في فمها بلامبالاة. وبينما هي تأكل، تسرح بذاكرتها، تسترجع أيام الشقاء. تلك الأيام التي قضتها في شقة متواضعة، بينما كان أبوها خبازاً، وأمها تبيع الخضروات على الرصيف، وكانت هي قد حصلت للتو على شهادة الدبلوم التجاري، تؤهلها لدخول الجامعة.

الحبيب المستحيل رواية 087 180 سبتمبر 2018 yes 201091985809 مصطفى مكاوي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjxMxtWegz1FK1nwtpcuYcEDtlBMRrxdArqR02OdgBgmJIncua0ehm4G3EuNUBIuarPTtVOPD7STeC2FTZXaJVHHrYPEWhZOz_tfQvTBItd-Vq4DkfQ7IW7e05XK5RJZ-0-jKU2qdqbBsE_YX1J6iA2m_cy0q3SVtdibUY134bm20jLXZ1PaRaN9Jt6KDQ/s800/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%88%D9%8A.jpg

تطل صباح على العالم من فوق تلال القمامة، كزهرة نبتت في غير أرضها، تطحنها أنياب الجوع في ليلة شتوية قاسية لا يكسر صمتها سوى مواء القطط الضالة. هذه الفتاة التي تحمل في ملامحها فتنة القصور وفي ثيابها رثاثة القبور، تمثل تراجيديا الفقر في أقصى تجلياتها، حين يصبح رغيف الخبز المتعفن غنيمة تُنتزع من بين أنقاض المدينة. هي ابنة الشقاء التي نالت شهادتها الدراسية بتفوق، لكنها لم تجد من العالم سوى قسوة أب خباز يبدد شقاءه في العنف، وأم تبيع الخضروات على رصيف العمر المهدر. تبدأ الحكاية ببحث مضنٍ عن لقمة تسد الرمق، وتنتهي بدخول نفق مظلم تسكنه أشباح الإنس والجان، حيث تتحول الأحلام البسيطة في الستر إلى كوابيس وجودية تتجاوز حدود العقل والمنطق.

تنتقل صباح من وحل الشوارع إلى بريق الزيف في فيلا عزيز وهج، مكان تسكنه الرفاهية وتغيب عنه الرحمة، ويحكمه قانون يرفض حتى مجرد النطق باسم الخالق. في هذا القصر، تكتشف الفتاة أن جمالها ليس ميزة بل هو لعنة تجذب إليها ذئاب البشر، فـ "وهج" لا ترى في صباح سوى جسد مصقول وشعر أصفر ناعم يصلح لأن يكون سلعة في سوق النخاسة العصرية. 

يُعرض على صباح المجد والشهرة مقابل التخلي عن روحها، ويُحاصرها عزيز بتهديدات الطرد والحرمان إذا ما تجرأت لسانها على ذكر التوسل بغير أسياد القصر. تسقط الفتاة في فخ الوعود البراقة، لتجد نفسها أمام جاسر، الكيان الذي ينسلخ من بشريته ليفجر أمامها حقائق غيبية مرعبة، حيث تختفي الانعكاسات في المرايا ويظهر الشيطان الكامن خلف الوجوه المبتسمة.

تتجسد في الرواية رؤية ديستوبية للواقع، حيث لا يقتصر الظلم على الفقر المادي، بل يمتد ليشمل استلاب الروح وإغراقها في طقوس سحرية وظلامية تعيد إلى الأذهان صرخات دانتي في "الكوميديا الإلهية". حين يجذبها جاسر إلى داخل المرآة، تنفصل صباح عن عالم الأحياء لتواجه أهوالاً من الأفاعي والجرذان والمردة الذين يقتاتون على العظام البشرية، في مشهد سريالي يصور الضياع الإنساني بين براثن القوى الغيبية. 

إنها رحلة في دهاليز الخوف، حيث تصبح الفتاة الرقيقة مجرد "إنسية" في وليمة للجان، ويفقد الزمن معناه أمام هول المشاهد التي تتحول فيها الجمالات إلى مسوخ. ينتهي النص بترك القارئ أمام صورة معلقة لصباح وهي تواجه مارداً أحمر اللون بقرون طويلة، في إشارة إلى أن الحبيب المستحيل ليس سوى سراب يقود صاحبه إلى حتفه في عوالم لم تُخلق للبشر.