هكذا ضعنا

ليلة الخميس، استيقظت عبير على شظايا حلم وردي. فارس وسيم ببدلة سوداء على حصان أبيض، اقترب ليبدو لها فارساً للحياة، لكنه اختطف فتاة أخرى وانطلق بها، تاركاً إياها وسط صقيع الخيبة. كابوسٌ عصيبٌ عكر صفو ليلتها، لم يهدأ إلا مع أذان الفجر. ارتسمت في ذهنها أسئلةٌ لم تجد لها إجابة: من هو ذاك الفارس؟ ولمن ستفتح قلبها الذي حاوطته بجدرانٍ عالية خشية السرقة؟ هل تجد في الواقع ما بنته في أحلامها من قصورٍ شاهقة؟ ثم، تذكرت أحمد، زميلها في العمل، الذي طالما اشتهت أن يقف أمامها، يمسك بيدها، يتسامران في استراحات العمل. لكنه خطيبٌ، وحبها له أصبح ناراً تحرقها كلما تذكرت خطبته. هل يحترق قلبها من أجله، أم أنها ستستسلم للحزن وتتجرع مرارة الخسارة؟ هكذا ضعنا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj5oKAr8UjLPEdw31EJdhw3onqqBKXojiPeS9GIA5jn7O_wugjqo22o5LXrVy4MwDTBKIUMJQWu3TXxzmTTCJVmxCSSxaskCQ5wKuWfZFARE3JhA4tpUCDivYSshVfR0CDKbOOSu88JjdeWpLw8FY4wF5o3Ban3GpKs9Ifz9iOM9i8Idq3WEDBJKOUbV6s/s320/71.jpg

ليلة الخميس، استيقظت عبير على شظايا حلم وردي. فارس وسيم ببدلة سوداء على حصان أبيض، اقترب ليبدو لها فارساً للحياة، لكنه اختطف فتاة أخرى وانطلق بها، تاركاً إياها وسط صقيع الخيبة. كابوسٌ عصيبٌ عكر صفو ليلتها، لم يهدأ إلا مع أذان الفجر. ارتسمت في ذهنها أسئلةٌ لم تجد لها إجابة: من هو ذاك الفارس؟ ولمن ستفتح قلبها الذي حاوطته بجدرانٍ عالية خشية السرقة؟ هل تجد في الواقع ما بنته في أحلامها من قصورٍ شاهقة؟ ثم، تذكرت أحمد، زميلها في العمل، الذي طالما اشتهت أن يقف أمامها، يمسك بيدها، يتسامران في استراحات العمل. لكنه خطيبٌ، وحبها له أصبح ناراً تحرقها كلما تذكرت خطبته. هل يحترق قلبها من أجله، أم أنها ستستسلم للحزن وتتجرع مرارة الخسارة؟

هكذا ضعنا رواية 071 164 أغسطس 2018 yes 201091985809 إيمان مصطفى كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg69YPLiXxqZQ_f_uD6QPYWr0mUcOYNWBV3D6mmWJKahhyUCq9LjmL5RaMAldBPtfBfg4ntig63Rfl8yKh9jaHEv96AM0_ECFyjjg9m2_s7Ykz6VlERhp7Da64QTbsKURa6-v_wIYwS6xk_mY8oqvgEoXhIUkp4pcrNi73zjANHFTKyXMZV3XEdb6i_AGs/s800/%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89.jpg

الأحلامُ مرايا مكسورة تعكس شظايا الواقع قبل حدوثه، هكذا بدأت حكاية "عبر" في رواية إيمان مصطفى، حين رأت فارساً يختطف امرأة أخرى في المنام، لتستيقظ على كابوس يمتد من فراشها إلى أروقة حياتها اليومية. تسرد الرواية رحلة ضياع إنساني في سراديب العاطفة غير المتكافئة، حيث تبحث الروح عن سكن في مكان لا يرحب بها، وتنسج قصوراً من خيال فوق أرض صلبة من الجفاء. تبدو البطلة كأنها تقتفي أثر "أوجين جرانده" في رواية بلزاك، حيث تضيع المشاعر الصادقة وسط حسابات الواقع الباردة، وتتحول اللهفة إلى ندوب غائرة ترفض الالتئام بسهولة. "عبر" ليست مجرد فتاة تقع في الحب، بل هي تمثيل رمزي للهشاشة التي تواجه كبرياءً ذكورياً لا يرى في البداية سوى الفوارق الطبقية والاجتماعية، وكأن الحب يحتاج إلى جواز مرور مادي ليعبر إلى القلوب.

أحمد، ذلك الرجل الذي كان يسكن أحلام "عبر" ويشغل صمتها في ممرات العمل بالمدرسة، لم يكن يدرك أن تجاهله هو النصل الذي يمزق خيوط الأمل في قلبها. كان يرى نفسه في مقام لا يسمح له بالالتفات إلى مشاعرها، فتعامل مع إعجابها بنوع من الاستعلاء المغلف بالبرود، بل وتمسك بخطيبته التي لم تكن تشبه أحلامه بقدر ما كانت تمثل استقراراً يفتقر إلى الشغف. هكذا يمضي النص في تصوير مأساة "التوقيت"، فالحقيقة الوحيدة التي تفرض نفسها هي أن القلوب لا تتفق دائماً على ساعة زمنية واحدة؛ فحين كانت هي تشتعل، كان هو يغلق النوافذ في وجه ريحها، وحين قرر هو أن يفتح الأبواب، كانت نيرانها قد استحالت رماداً.

الاستقالة التي قدمتها "عبر" من عملها لم تكن مجرد ورقة تنهي بها علاقة وظيفية، بل كانت صرخة لإنقاذ ما تبقى من كبريائها الجريح، وهروباً من وجه الشخص الذي أحبته فآذاها. في تلك اللحظة، يتجلى الانكسار في أبهى صوره، حيث تودع الأطفال بألم، وكأنها تودع براءتها الخاصة التي ذبحت على عتبات هذا الحب المستحيل. لكن القدر، في لعبة تراجيدية متكررة، يختار أن يمنح الإنسان ما يتمناه فقط عندما يفقد القدرة على الاستمتاع به. يعود أحمد خاطباً، معتذراً، وطالباً للود، ليقف أمام "عبر" التي كانت تحلم بكلمة واحدة منه، لكنه يجد أمامه امرأة غريبة، عيناها تخفيان خلف الماكياج الخفيف والملابس الأنيقة قلباً قرر أن يغلق أبوابه إلى الأبد.

التجربة الإنسانية هنا تشبه لوحة زيتية أهملها صاحبها طويلاً حتى جفت ألوانها، وعندما حاول ترميمها، وجد أن القماش قد تهرأ. إنها قصة الخسارة التي لا تعوض بالاعتذار، والضياع الذي يحدث عندما يفقد الطرفان البوصلة في آن واحد. تنتهي الرواية بوقوف أحمد في انتظار رد بالموافقة، بينما "عبر" تغادر المكان مسرعة، لا هرباً منه فحسب، بل هرباً من نسخة قديمة من نفسها كانت تظن أن سعادتها معلقة بصوته. الدرس المستفاد من هذا النص المتدفق بين الوصل والهجر هو أن القلوب التي تُكسر عمداً لا تعود كما كانت، وأن الحب الذي يأتي متأخراً عن موعده بليلة واحدة، قد يجد البيت مهجوراً وصاحبه قد رحل إلى وجهة لا تعرف الرجوع.