الشيطانة وعصا الجحيم

في صحراء المدينة، حيث تتربص الظلال وتهمس الأساطير، استيقظت روح ليليث القديمة. لم تكن مجرد زوجة للدم، بل طينة تحدت قدرها، وامرأة رفضت الانصياع. نسجت الحكايات حولها خيوطاً من الرعب، فصوّرتها ملتحفة بأجنحة سوداء، تنهش لحم الأطفال، وتستدرج الرجال بأعماق شهوانيتها. يمتد أثرها عبر قرون، من سومر القديمة حيث كانت تسكن شجرة الصفصاف بجوار التنين، إلى أساطير أوربا التي أحاطت المواليد الجدد بتعاويذ للحماية. لكن هل يمكن لتلك الروح الأسطورية، التي وصفت بأنها حية أغوت آدم، أن تتجسد في عالم تتقدم فيه المعرفة؟ أم أن عصا لعينة، ومطاردة من قبل أطباء ورؤساء شرطة، ما زالت تحمل بصمة الشر الذي لا يموت؟ تساؤل يلوح في الأفق، كغيمة عاصفة تذرع سماء مصر. الشيطانة وعصا الجحيم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg4hnGemLQzRQAkZhPjGX8nHHx2xQcM-QhkHYHuwGwBunXRnUWo18uvX1EWHdydi8FewbGJ6TMkQkHhUoETqfg1OP7Ifid0J7laWD7zxhD_RK4AKE42WndVksgAv0nQH2WQ3GXaQwrxMsslib9TtKRAJSXxF4KJWso1TQiehAzawV3WJQ58iJuwOJucPrE/s320/59.jpg

في صحراء المدينة، حيث تتربص الظلال وتهمس الأساطير، استيقظت روح ليليث القديمة. لم تكن مجرد زوجة للدم، بل طينة تحدت قدرها، وامرأة رفضت الانصياع. نسجت الحكايات حولها خيوطاً من الرعب، فصوّرتها ملتحفة بأجنحة سوداء، تنهش لحم الأطفال، وتستدرج الرجال بأعماق شهوانيتها. يمتد أثرها عبر قرون، من سومر القديمة حيث كانت تسكن شجرة الصفصاف بجوار التنين، إلى أساطير أوربا التي أحاطت المواليد الجدد بتعاويذ للحماية. لكن هل يمكن لتلك الروح الأسطورية، التي وصفت بأنها حية أغوت آدم، أن تتجسد في عالم تتقدم فيه المعرفة؟ أم أن عصا لعينة، ومطاردة من قبل أطباء ورؤساء شرطة، ما زالت تحمل بصمة الشر الذي لا يموت؟ تساؤل يلوح في الأفق، كغيمة عاصفة تذرع سماء مصر.

الشيطانة وعصا الجحيم رواية 059 150 مارس 2018 yes 201091985809 أحمد أبو النجا كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi2qwAXQaQey33WokYL64lxxssEXzPu0Pfxkwp0HF5QyU6LOafsW7K_2ALBosAYe06AVeUix_-x0yrWEWU43c1q-HyzfRRTLWbnX5ykM8JuU6Q9HN1BXT5nIRsGNWuxDDp51S-E-RnYmpBwRZ0jME8-G1vbi4J6vKbGRR2UbRhwSo5Hpljb-uf7hxJdFS4/s800/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC%D8%A7.jpg

ليليث هي الخديعة الأولى التي نسجتها مخيلة البشر من طين التمرد، تلك الأنثى التي أبَت أن تكون ظلاً لآدم، فاستحالت ريحاً صرصراً تطارد المهد والرحم. يفتتح العمل ستائره على هذه الأسطورة الضاربة في جذور التاريخ السومري واليهودي، حيث لا تُعد ليليث مجرد شيطانة، بل هي رمز للانشقاق الأول عن نواميس الطاعة، حين اختارت الهروب إلى أحضان الغواية لتلد مائة طفل كل يوم، وتتحول من "أم محتملة" للبشرية إلى "قاتلة محترفة" لذريتها. وكأن الكاتب يستحضر هنا مقولة خورخي لويس بورخيس بأن الوحوش تُخلق لتملأ الفراغات في قلقنا الإنساني، فصارت ليليث هي التفسير الجاهز لكل موت غامض يخطف الرضع في الخرائب، والظل الذي يرتعد منه الموتى قبل الأحياء. هذا النفس الأسطوري ليس مجرد زينة، بل هو عصب الحكاية التي تمزج بين رعب الغيب وقسوة الواقع، حيث تظهر ليليث في النصوص القديمة بأجنحة ومخالب، تمتص الدماء وتلتهم اللحوم، وتتجسد للرجال في هيئة فاتنة شهوانية لا تنتهي مضاجعتها إلا بالقتل، لتظل ذكراها محفورة فوق أقراص الطين في مدينة "أور" السومرية، شاهدة على صراع قديم حسمه جلجامش بضربة سيف، لكنه لم يمحُ أثره من الذاكرة الجمعية.

تنتقل البنية السردية من غبار الأساطير إلى رطوبة المستنقعات وصرامة المجتمع الإنجليزي، حيث نلتقي بـ "شاكر"، الشاب المصري الذي يمثل صوت العقل واليقين الديني وسط أجواء مشحونة بالغموض والفروسية. في رحلة صيد بصحبة السير توماس، تظهر الفوارق الجوهرية بين عقلية شرقية تؤمن بوهن الشيطان وقدرته المحدودة على الوسوسة، وبين عقلية غربية يغلب عليها التوجس من تجسد الشر في هيئات مادية. المستنقع الذي كان ساكناً كالقبور لم يمنحهم صيداً إلا بعد يأس، وكأن الأرض لا تفتح ثغورها إلا حين تقرر هي، فكان الوعل الذي سقط برصاصة شاكر هو القربان الوحيد في تلك الرحلة التي غلفها الصمت والترقب. الحوارات بين الشخصيات ليست مجرد تبادل للكلمات، بل هي اشتباك بين منطق العلم والإيمان ومنطق الخرافة والظلال، حيث يحاول شاكر إقناع رفيقه بأن عصر المعرفة والتقدم لا يتسع لتجسد الشياطين، بينما يصر السير توماس على أن محاضر الشرطة الإنجليزية لا تكذب، وأن حوادث القتل الغامضة المرتبطة بعصا الجحيم هي وقائع لا تقبل التأويل.

تتصاعد الدراما حين تتدخل الأقدار لتقطع خيوط الاستقرار الإنجليزي، فوصول خطاب مفاجئ من قبطان السفينة يقلب الموازين، معلناً تقديم موعد الرحيل إلى مصر لضرورات جوية أو سياسية غامضة. هذا الارتباك الزماني يضع شاكر في مواجهة مباشرة مع الوقت، وهو الذي جاء ليثبت أن الإرادة والعرق هما وقود النجاح، مستلهماً في خياله نموذج الشاب المصري الذي لا يعرف المستحيل. الغضب الذي تفجر من شاكر وهو يضرب سطح المكتب لم يكن مجرد رغبة في البقاء، بل هو قلق المسافر الذي يخشى أن تبتلعه الغربة قبل أن يكمل رسالته، خاصة في ظل وجود صراعات خفية حول "عصا ملعونة" يسعى الجميع لامتلاكها، من طبيب القرية إلى رئيس الشرطة. إنها رحلة بين عالمين، عالم يسكنه الجن والعفاريت والتمائم، وعالم تحكمه البنادق والخطابات الرسمية ومواعيد السفن، وبينما يحاول شاكر التمسك بيقينه، تظل ظلال ليليث تلوح في الأفق كرمز للشر الذي لا يموت، بل يغير جلده مع كل عصر.

ينتهي هذا الجزء من الحكاية بوضع القارئ أمام تساؤل أخلاقي عميق حول طبيعة الشر، هل هو تلك القوة الغيبية التي تهرب من الجنة لتسكن الشوك، أم هو الطمع البشري الذي يتقنع بالأساطير للوصول إلى مآربه؟ الكاتب لا يقدم إجابة وعظية، بل يترك الشخصيات تتخبط في مصائرها وسط ضباب لندن وزحام الموانئ، حيث السفينة التي ستغادر غداً في التاسعة صباحاً تمثل طوق النجاة الأخير من مستنقع الأسرار الذي كاد أن يبتلع الجميع. اللغة هنا ليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل هي فضاء يمتزج فيه التاريخ بالخيال، لتصبح "الشيطانة وعصا الجحيم" مرآة تعكس مخاوف الإنسان الأزلية من المجهول، وصراعه الدائم لإيجاد ثغرة من النور وسط عتمة الحكايات القديمة التي تأبى أن تُنسى. الدرس هنا لا يُقال باللسان، بل يُلمح في حركة الجياد، وفي صوت الرصاصة التي خرقت صمت المستنقع، وفي تلك اليد التي تضرب المكتب حنقاً من قدر يحاول التلاعب بمواعيد العودة إلى الوطن.