الضال

تنهض الروح من سباتٍ طويل، مخلّعةً عنها عباءة الوهم، لتجد نفسها في أرضٍ باردة، يلفّها ظلامٌ كثيف يكاد يطمس الحواس. الألم يزلزل المفاصل، والدم يغلي في العروق كجمرٍ متقد، لكنّ ثمة أملٌ خافت يتسرّب إلى الجسد، يدفع صاحبه إلى الأمام نحو ضوءٍ بعيد. يفتح الباب على قاعةٍ واسعة، تتربع في وسطها أسئلةٌ لا حصر لها، فهل هو في متاهةٍ من الاختيارات، أم في غرفةٍ مليئةٍ بالأبواب؟ يظهر وجهٌ عجيب، بلحيةٍ بيضاء وعينين مطمستين، ليُعيد البرد ليسري في الجسد، فهل هي نهايةٌ أم بداية؟ يتشظّى العقل إلى ألف سؤالٍ وسؤال، تتكاثر كأسراب الظلام، لكنّ الرغبة في الحياة تظلّ أقوى من حكم العقل. هنا، حيث تتداخل الخيارات وتتلاقى المسارات، يبدأ "الضال" فصله الأول، رحلةٌ لا تعرف وجهتها، لكنّ بوصلتها هي البحث عن الذات في دهاليز الوجود. الضال
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjSPNgUwfSq7z3g3lCRaSkYoHczScHbqY4i0ZVblFPfEkqeggIYk_VorygjhgjetSUXKFSJTjg4g8tJl5KvxjCHensjWZvb3KkEA5OgLNRjh1SyFzpGRKKMjyalttl3qkZ_8MVilwXpsKBOD64mzu_8PbmLhtUELWDMUhK-g2OUq69rIjnJnDI5pkZEJ7Y/s320/56.jpg

تنهض الروح من سباتٍ طويل، مخلّعةً عنها عباءة الوهم، لتجد نفسها في أرضٍ باردة، يلفّها ظلامٌ كثيف يكاد يطمس الحواس. الألم يزلزل المفاصل، والدم يغلي في العروق كجمرٍ متقد، لكنّ ثمة أملٌ خافت يتسرّب إلى الجسد، يدفع صاحبه إلى الأمام نحو ضوءٍ بعيد. يفتح الباب على قاعةٍ واسعة، تتربع في وسطها أسئلةٌ لا حصر لها، فهل هو في متاهةٍ من الاختيارات، أم في غرفةٍ مليئةٍ بالأبواب؟ يظهر وجهٌ عجيب، بلحيةٍ بيضاء وعينين مطمستين، ليُعيد البرد ليسري في الجسد، فهل هي نهايةٌ أم بداية؟ يتشظّى العقل إلى ألف سؤالٍ وسؤال، تتكاثر كأسراب الظلام، لكنّ الرغبة في الحياة تظلّ أقوى من حكم العقل. هنا، حيث تتداخل الخيارات وتتلاقى المسارات، يبدأ "الضال" فصله الأول، رحلةٌ لا تعرف وجهتها، لكنّ بوصلتها هي البحث عن الذات في دهاليز الوجود.

الضال رواية 056 156 يناير 2018 yes 201091985809 عبد الفتاح عطا الله كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj43W4MijnM5DaeZTQUvkODUIm1MBVKUtOq4eLtB4LNeh3WmEpe01gqx-uZQ7GJ-pUe-njwhy3aKs20a756UUOtm2IOlcFOvtSeiRls6QgJqGiYEYPre50Rq1hkAtpTwN-OgXxhg3Ycht7joYrVAeDEtZLAXagTo4FoNIRlqEfF_ru5Ev6YNvCB3wClRT4/s800/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%B9%D8%B7%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87.jpg

صحوتُ على بردٍ غريبٍ يلفّ أطرافي، في ظلامٍ دامسٍ يكاد يعمي البصر. استشعرتُ الألم في مفاصل تعتريها صلابةُ الزمن، وحدها تلك الدماء التي كانت تبثّ الحياة في عروقي، ردٌّ قارسٌ على أسئلةٍ لم أجد لها جواباً. خطواتٌ قليلةٌ في هذا السواد، وجدتُ أملي يشتدّ بي، أكتم صراخي محاولاً تذكّر كيف وصلتُ إلى هنا، ما هذا المكان؟ يداي استكشفتا جداراً حجرياً بارداً، احتضنته، وسرتُ في بطن الظلام، لا صوتٌ، لا استغاثة، لا صرخة. ساعاتٌ مضت، تفككت مفاصلُ جسدي، وتسلل اليأس إلى صدري. أين أنا؟ من أنا؟ لم أجد سوى رغبةٍ عتيقةٍ في الحياة، تبثّ فيّ دفء اللحظات الأولى. نسائمٌ حارةٌ داعبت وجهي، أيقظت انتباهي، ومعها بصيصُ نورٍ خافتٍ بعيد، هبّ واقفاً، بدأتُ أتحرك، متجاهلاً أسئلتي، فالرغبة في الحياة أقوى من حكمة العقل.

وصلتُ إلى مصدر الضوء، قاعةٌ مستديرةٌ واسعة، تغصّ بأبوابٍ لا تُحصى. المشاعل المنيرة غرست في المكان دفئاً، وأنا في منتصفها، أسئلتي تتلاطم في ذهني: أين أنا؟ لقد أصبحتُ ضالاً، وسط بحرٍ من الخيارات، غرفةٌ مليئةٌ بالأبواب، حياةٌ مليئةٌ بالاختيارات. وفجأة، من العدم، ظهر أمامي وجهٌ غريب، بلحيةٍ بيضاء طويلة، وعينين مطموسين، وأنفٍ كالمنقار، وجسدٍ مفتول. عاد الدم ليتجمّد في عروقي، والخوف يتفشى في جسدي. من؟ ومن أين؟ ولماذا؟ كلّ الأسئلة فقدت قيمتها.

ثمّ غبتُ في مستنقعٍ مظلم، لم أشعر بشيءٍ سوى لمساتٍ ناعمةٍ على خدي، وصوتٌ عذبٌ يهمس: "أيها الحكيم". كنتُ أسمع، وأبقي عينيّ مغمضتين. "لقد أعطيته جرعة زائدة، أريده أن يصدق كل ما نقول، فلا يعارض شيئاً وينفذ المهمة". صوتُ طفلٍ حكيمٍ كان بعيداً، وآخر يضحك: "لقد بدأنا بإيجاد المفاتيح، لن يمضي الكثير من الوقت ونتحرر من هذا المكان". عاد صوت الحكيم: "معركتنا لن تتوقف، نحن جنسٌ يعشق القتل، المشكلة ليست في الكيمياء فحسب، بل تكمن في النفس أولاً وأخيراً".

ثمّ سمعتُ صوتاً يقترب، "انظر إلى النجمة الخماسية على صدر الزائر، نجمة العبيد". التفتُ إلى جسد الضال، "لقد أتى هارباً من الذبح الذي اجتاح البلاد بالخارج. صنعنا وحوشاً من هؤلاء العبيد. يعاملونهم كالحيوانات المسخرة لهم، لكنهم في النهاية سيثورون ويقتلون السادة، ولا مفر من الموت". لم تكن تلك الكلمات شفاءً لصدري، فقد تذكرت، كنتُ عبداً. ساد الهدوء، وبدأ الحكيم يتحدث إلى نفسه: "بالدماء ننال التقرب، الخيانة هي أول ما وجد، هكذا يبدأ كل لغز. لقد فهمتُ الأمر الآن، ليس مجرد لغز، بل إعادة للتاريخ مجدداً. اللعنة التي وضعت لمنع الكيميائي من استعباد أرواح زوار القلعة، هي نفس لعنات الرغائب. الشهوة تضعنا تحت سلطتها، الشر غير مقيد. لقد مسح الرب بوجوده، لكننا دائماً نفشل في الاختبار، نختار الفناء بحثاً عن ما هو فانٍ. نموت من أجل ما لا قيمة له، وفي النهاية كلنا سنموت وستبقى آثارنا".

في غمرة التأمل في العرش، وفي سحرٍ انقلب ضد أصحابه، قاطعني تساقطٌ ما. ثمّ رأيتُ أشجاراً بجوار القطار، ودبّ الرعب في صوتي. بدأتُ أستشعر وعيي، نظرتُ إلى الخارج، رأيتُ نساءً يُسلبن، ورجالاً يُقتلون. الدموع انهمرت من عينيها، وهي تحاول كتم صرخاتها. نظرتُ إلى الخارج، وكأنني أشاهد فيلماً سينمائياً. أمسكتُ بيدها، وتابعتُ النظر. بدا أنني فقدتُ الوعي، أو أن الحادث أثّر على عقلي.

صوتُ الرصاص انذر بقدومهم. تحركنا خلف الأشجار، وهم يبحثون في العربة الخارجة عن القضبان. راقبتُ الوضع، شعرتُ بالبرد يديها. قمتُ وتحركتُ بحذر، عيناي لم تفارق شيئاً ما، وكأنني أستنشق هواء البحر، أستعد لما كنتُ أنتظره. تحركتُ نحو الشاطئ، هادئاً جداً. "يجب أن تتم العمليات بنجاح، وإلا خسرنا كل شيء". قال أحدهم وهو يعيد ملء بندقيته الآلية. "لا أعلم ما يريدون من هذين اللذين نحتجزهما، نحن لا نريد أي مفاوضات مع الحكومة بشأن ما نفعله". سأله زميله متعجباً، فضحك الآخر: "أنت حقاً لا تجيد سوى إطلاق العيارات في الهواء، هؤلاء الرهائن هم لب القضية، سنتفاوض لإخراج زملاءنا، وسنحتفظ بالبعض الآخر لخروج آمن".

فجأة، خرجتُ من بين الأشجار. رفع كفيّ، موجهاً البنادق نحوي، يطلبون مني التوقف. "الأمر أبسط من ذلك بكثير، أنتم مجرد طعم لاستدراج الشرطة إلى هنا، ومن ثم... انفجار". نظر كل منهم إلى الآخر متفاجئاً، ورفع أحدهم السلاح وقال...