شيء من قلبي

القلب، ذلك السجين العتيق لأوهام الحب، يجد نفسه أحياناً في عتمة الخديعة، يردد أسفاً على عمرٍ ضاع في وهم. تتكشف الحقائق كالليل حين ينسلّ على النهار، تاركةً وراءها مرارةً تعلم القلب ألا يبني قصوراً من صبرٍ على أرضٍ هشة، وأن يدرك أن الغدر قد يكون كالريح العاتية التي لا تبقي على جسرٍ يربط الأمس بالغد. بعض الأرواح، وإن غلّفتها ثياب الوفاء، تحمل في طياتها جحوداً يطعن في القلب، فتتوقف ينابيع العطاء لتنحني أمام دروس الحياة القاسية. لم يعد العمر يتسع لندوبٍ جديدة، ولا للرجاء الذي يترنح على حافة اليأس. الصبر الذي كان درعاً، قد يصبح قيداً، والحب الذي ارتفع كالصرح، قد ينهار أمام زلزال الخيانة. في رحلة الروح، حيث تتجفف الدموع ويهدأ الأنين، يشرق اليقين كفجرٍ جديد، ويتحول الألم إلى صبرٍ عظيم، رضاً بقضاءٍ ينسج خيوط الغد، ويفتح باباً إلى بدايةٍ أجمل، حيث لا تسقط من الذكريات سوى أحزانها، ويبقى الحمد زفيراً يطلق كل ما كان. شيء من قلبي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgcrbpeBd__ZK-d5my0STjDSniuqOeYZHYLLlzUPcH6UQ_P-4snyLQIo0ZkcfK5veC4g8sWNL8ZCrI9ikZUKsIKmPqNk1Mbicw8y23P2sUK3JFKe22GQnJYNauAbKlHIZWRw5OV2qkOOAtcwHc3L1_7X8mZY8ikea-hJ1KwuFGrD7HIpDomTN6ycJ9H5Fo/s320/73.jpg

القلب، ذلك السجين العتيق لأوهام الحب، يجد نفسه أحياناً في عتمة الخديعة، يردد أسفاً على عمرٍ ضاع في وهم. تتكشف الحقائق كالليل حين ينسلّ على النهار، تاركةً وراءها مرارةً تعلم القلب ألا يبني قصوراً من صبرٍ على أرضٍ هشة، وأن يدرك أن الغدر قد يكون كالريح العاتية التي لا تبقي على جسرٍ يربط الأمس بالغد. بعض الأرواح، وإن غلّفتها ثياب الوفاء، تحمل في طياتها جحوداً يطعن في القلب، فتتوقف ينابيع العطاء لتنحني أمام دروس الحياة القاسية. لم يعد العمر يتسع لندوبٍ جديدة، ولا للرجاء الذي يترنح على حافة اليأس. الصبر الذي كان درعاً، قد يصبح قيداً، والحب الذي ارتفع كالصرح، قد ينهار أمام زلزال الخيانة. في رحلة الروح، حيث تتجفف الدموع ويهدأ الأنين، يشرق اليقين كفجرٍ جديد، ويتحول الألم إلى صبرٍ عظيم، رضاً بقضاءٍ ينسج خيوط الغد، ويفتح باباً إلى بدايةٍ أجمل، حيث لا تسقط من الذكريات سوى أحزانها، ويبقى الحمد زفيراً يطلق كل ما كان.

شيء من قلبي خواطر 073 128 سبتمبر 2018 yes 201091985809 مشيرة يوسف كاتبة مصرية

تشرق مشيرة يوسف في كتابها "شيء من قلبي" كمن يرمم آنية خزفية حطمتها رياح الخيبة، محاولةً لملمة شظايا الروح التي تناثرت بين جفاء الصديق وغدر القريب. تبدأ الكاتبة نصها بمواجهة حادة مع "العزيزة" التي لم تعد كذالك، فتخط بمداد من الأسف دروساً قاسية عن غرائز القسوة التي تتخفى خلف وجوه الألفة. هي لا تكتب لمجرد البوح، بل لتمارس طقس التطهر من حسن الظن الذي تحول إلى سجن، واصفةً كيف كان قلبها منبعاً طيباً استحال بمرور الخديعة إلى هوة سحيقة من الإدراك المرير. إنها تستعيد كرامة المغادر الذي يرفض أن يظل مرتهناً لزيف المودة، مؤكدة أن بعض من منحناهم إخلاصنا لم يورثونا سوى الطعنات، وكأنها تردد صدى قول المتنبي "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا". هذا الخروج من عباءة التسامح الساذج إلى رحابة الوعي بالذات يمثل العمود الفقري لهذه الخواطر التي تنضج على نار الصدمة واليقين.

تمضي الكاتبة في تشريح سيكولوجية البقاء السام، محذرة من الاستمرار في استجداء الحب ممن لا يرى في الآخر سوى مرآة لأنانيته أو مسرحاً لساديته. ترسم صورة بليغة للمرأة الأسيرة في محراب كاهن لا يفهم معنى العطاء، داعيةً صديقتها الافتراضية وكل قارئة إلى مرافقة الغدر بالفراق، دون ندم أو التفات إلى الوراء. النص هنا يتحول إلى بيان ثوري ضد الانكسار، حيث الزهد في الآخر يصبح ذروة الكبرياء، والرحيل الذي كان يبدو موتاً يتجلى بوصفه ميلاداً جديداً. إنها لحظة انشقاق السماء عن يد الرحمة التي تلتقط المعاناة، ليتسلل سكن اليقين إلى الأعماق الجريحة، معلنةً انتهاء زمن العطاء المجاني ونضوب النهر الذي كان يفيض على من لا يستحق. الإيمان هنا ليس مجرد شعائر، بل هو المرفأ الذي تشرق منه شمس الرضا لترمم سنوات الضياع، مؤكدة أن الألم الذي يُحتمل بصبر لا يذهب سدى، بل يتبدل سكينةً في فجر الخاشعين.

تتأمل مشيرة يوسف مفهوم النهاية، ليس بوصفها انقطاعاً، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب البدايات وتحسين جودتها. تصف تلك اللحظة التي يطلق فيها المرء زفيراً طويلاً ينفث فيه بقايا الأحزان الماضية، لتسقط مع كل زفرة سنوات من الذكريات المثقلة بالندوب. الرحلة في نظرها تنتهي حين يخلو الصدر من الوجع، وتستقبل الروح أرض النهاية بابتسامة الحمد، مدركة أن جفاف الحياة ما هو إلا اختبار لصلابة المعدن الإنساني. إنها تفرق بذكاء بين الرحيل والفراق، فثمة قلوب نرحل عنها جسداً لكننا نحياها دعاءً، وثمة أرواح تظل تسكننا رغم انقطاع اللقاء، وكأنها تؤمن بأن المسافات لا تقتل المودة الأصيلة، بل تصفيها من شوائب الحضور العابر. هذا الترحال الدائم بين العزلة والذاكرة يخلق حالة من الاغتراب الجميل، حيث تطل الكاتبة من نافذة عمرها على زجاج الأحلام، محاولة التمسك بما تبقى من طهر الأثر قبل أن تجرفه أمواج الأيام.

يصل النص إلى ذروته الدرامية حين يستعرض صورة المرأة التي شاخت بين الجدران، تحاور صمتها وتهادن دموعها في مواجهة ذكريات لا ترحم. هي المرأة التي اختارت الكرامة حجةً والرحيل قراراً، فمرت عليها الأعوام وهي في فرارها المتكالب بعنادها على نفسها وعلى القلوب التي ظلمتها. تصفها الكاتبة بابتسامة ذاب وقارها في مرارتها، وشعر رمادي يحكي قصص المعارك التي خاضتها وحيدة دون نصير. لقد نسيت أنوثتها طواعية لتتفرغ لحروبها الخاصة، حتى اتسقت مع ركام حياتها أخيراً، معتبرة أن عزلتها هي الفوز الواهي بدموع الحرية. تنتهي الخواطر بالاعتراف بأن ما مضى قد انقضى، وأن الكلمة الأخيرة تظل عالقة بالذاكرة مهما حاولنا الهرب. إنها قصة الأمس التي خلفت وراءها بضع مرارات وضحكات شاحبة، تاركة القارئ أمام حقيقة أن السلام الذي لا يحمله لقاء، والشعور الذي لا يلمحه ضياء، هما أقصى ما يمكن أن يغنمه الإنسان من معترك الحياة المنهك.