مائة عام على كوكب الأرض

ماذا لو منحك الله فرصة أن تعيش مائة عام على كوكب الأرض كائناً من أقمار المشتري، تتقمص فيها أجساداً بشرية متعددة وتشهد من الداخل ما لم يره سواك؟ هذه الرواية ليست حكاية إنسان يعيش ويموت، بل هي رحلة بصيرة تُسائل وجودنا من خارجه. سوهارت لم يأتِ إلى الأرض ليحكم، بل جاء مشتاقاً، ظاناً أنها جنة، فوجد أن اللقب الذي أطلقه القرآن على الإنسان قبل آلاف السنين لا يزال يصفه بدقة مذهلة: ظلوم جهول. بيد أن الرواية لا تنتهي بخيبة أمل، بل بشيء أعمق، رضا مكتسب بالمعاناة لا بالمنح. مائة عام على كوكب الأرض
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgX5W6YsOIZ7DzTM28B48Rai0AdyhNHrFcms3Dj8i5KkkfF_cf6QKiXNEueUKh_ZUiJHgN7mWPthvTjYriNLchU4elVFsvkb7lfkxRaHi92IjWncv2E3aoazQVVHEMclRtxevtzj4o7T_yRTTfaknQ_P4IzupLfp-E1jwSPNo22joQophv3Y6LMdcmv0eM/s720/39.jpg

ماذا لو منحك الله فرصة أن تعيش مائة عام على كوكب الأرض كائناً من أقمار المشتري، تتقمص فيها أجساداً بشرية متعددة وتشهد من الداخل ما لم يره سواك؟

هذه الرواية ليست حكاية إنسان يعيش ويموت، بل هي رحلة بصيرة تُسائل وجودنا من خارجه.

سوهارت لم يأتِ إلى الأرض ليحكم، بل جاء مشتاقاً، ظاناً أنها جنة، فوجد أن اللقب الذي أطلقه القرآن على الإنسان قبل آلاف السنين لا يزال يصفه بدقة مذهلة: ظلوم جهول.

بيد أن الرواية لا تنتهي بخيبة أمل، بل بشيء أعمق، رضا مكتسب بالمعاناة لا بالمنح.

مائة عام على كوكب الأرض رواية 039 136 ديسمبر 2017 yes 201091985809 محمد صبحي صبري كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhanw0hui23qV_2y8WlHWZddmnWr_ZZVPNsq20Ds8UHVcjO7LEO0wq7OkOxhpxODloIeVv-zJmGkN4WYAPsB7EEbyB9oPmRl3R5v_vGbX6UBdCu8B0zxSmUnE_-zCLQsz4EJsc7kYPugXutyCgAIeVECmbdlbaCHwbomItptgJNY9PV7uCoE_auQAGkKEk/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D9%8A-%D8%B5%D8%A8%D8%B1%D9%8A.jpg

ثمة سؤال يسكن قلب هذه الرواية ولا يُطرح مباشرة أبداً، هو: هل يستحق الإنسان الكوكب الذي يعيش عليه؟

من هذا السؤال المُضمَر تنبثق رواية "مائة عام على كوكب الأرض" للروائي محمد صبحي صبري، إذ يختار الكاتب مدخلاً غير مألوف في الأدب العربي المعاصر؛ فبدلاً من أن تبدأ حكايته من داخل الحياة البشرية، يبدأها من خارجها تماماً، من فضاء بارد وشاسع حيث يقبع سوهارت، قمر من أقمار المشتري، يدور في مداره ملولاً متطلعاً بحسد إلى تلك النقطة المضيئة في الكون: الأرض.

غير أن سوهارت ليس كائناً مجرداً ولا رمزاً فلسفياً جامداً.

فهو يحمل أشواقاً حقيقية، يدعو ويتوسل إلى الله أن يمنحه فرصة التجربة، لا الفرار من واقعه فحسب، بل حقيقة الاقتناع، تلك المعرفة التي لا تأتي إلا بالمعايشة.

من هنا تنطلق فكرة الرواية الجوهرية: الله يمنح هذا القمر مائة عام على الأرض يختار فيها ما لا يزيد على خمسة مواضع وأجساد يتقمصها، ثم يعود من حيث جاء.

وعلى هذا الأساس يصوغ الكاتب بناءه السردي كفصول متتالية تمثل كل واحدة منها حياة كاملة يعيشها سوهارت في جسد مختلف وبيئة مختلفة، مبتدئاً بمصر وهو يختارها معقداً الظن بأنها أعرق الحضارات فلا بد أن تكون أرقاها.

بيد أن مصر التي يلدها سوهارت في جسد طفل مصري بسيط ليست مصر الأساطير، بل مصر الواقع بكل ما يعتريها من إخفاقات.

يكبر في فصول الرواية الأولى ذلك الطفل الذي يحمل روح سوهارت، يلج المدارس الزاحمة، يصطدم بأحلام مبتورة حين يخفق في الحصول على مجموع يؤهله لكلية الطب، ويُكرَه على كلية بعيدة عن رغبته، ثم يخوض الحياة المصرية بكل تشعباتها.

فضلاً عن ذلك، لا تتوقف الرواية عند الفرد وإخفاقاته الشخصية، بل تمتد إلى نقد أعمق للبنى الاجتماعية، إذ يرصد سوهارت بعيني الغريب الذي جاء من خارج الكوكب كيف يُبذر البشر أعمارهم في سجن ذاتي مصنوع من التوقعات والأعراف والخوف.

ومن مصر تتقلب الرحلة عبر فصول الكتاب الأربعة، في كل فصل جلد جديد وجغرافيا جديدة وشريحة اجتماعية مختلفة، غير أن الخيط الرابط بينها جميعاً هو ذلك الشعور المتصاعد بالخيبة الذي يتراكم في نفس سوهارت مع كل تجربة.

في المقابل لا يكتفي الكاتب بإدانة الإنسان ومحاكمته، بل يوازي هذا النقد بلحظات دافئة وإنسانية نادرة تُضيء بعض الظلمة.

يرصد سوهارت من موقعه الفريد كيف أن البشر يحملون في داخلهم طاقة هائلة للمحبة والوفاء كما يتجلى في فصل الكلب بالقطب الجنوبي، ذلك الفصل الأكثر مباغتةً والأغنى دلالةً، إذ يتجسد سوهارت في كلب بري يعيش في ثلوج القطب الجنوبي يبحث عن سلام بعيداً عن البشر.

ولعل هذا الفصل هو المفتاح الحقيقي لفهم مراد الرواية كلها؛ ففي عزلة القطب يجد سوهارت شيئاً من الصفاء، بيد أن البشر يجدونه مجدداً حتى في أقصى نقاط الأرض نائية، ليس هرباً بل توسعاً في الاستيلاء.

وعلى هذا الأساس يُوظَّف الحيوان في هذه الرواية لا باعتباره استعارة ساذجة بل كفضاء اختبار يكشف المسافة بين فطرة الولاء في عالم الحيوان وفطرة الغدر التي رسّخها البشر.

تنتهي الرواية بخاتمة مكثفة يعود فيها سوهارت إلى مداره ليس يائساً ولا غاضباً فحسب، بل شاكراً حمداً حقيقياً لم يكن يملكه حين كان يتمنى الأرض.