في ليلة شتا

هنا، حيث تغفو الإسكندرية تحت عباءة شتاءٍ نديّ، وتنساب ذكرياتٌ قاطنةٌ كأمواجٍ لا تهدأ، تتجلّى روحٌ تعشقُ السَّمرَ مع البحر. هذا الكتابُ ليس مجردَ قصائدَ، بل نبضُ حياةٍ متهتّكةٍ بينَ الأمسِ واليوم، بينَ دفءِ الروحِ وبردِ الواقع. هو ذاك الصباحُ الذي تبحثُ فيهِ عنْ دفءٍ يتسرّبُ منْ شمسٍ خجولةٍ، ذاك الحنينُ الذي يداعبُ الأيامَ، تاركًا بصماتٍ لا تُمحى على جدرانِ القلب. هنا، لا تُحكى الحكاياتُ إلا بمدادِ الصدق، وتُغزلُ الصورُ منْ خيوطِ الشوقِ والألمِ والبهجة. تأخذُكَ الكلماتُ في رحلةٍ عبرَ الزمن، حيثُ تتجاورُ الضحكاتُ معَ الدموع، وتُصبحُ الذكرى ملاذًا لروحٍ تبحثُ عنْ ذاتها بينَ طياتِ الأيام. هنا، البحرُ ليسَ مجردَ ماءٍ، بلْ مرآةٌ تعكسُ أعماقَ النفس، وصديقٌ وفيٌّ يتقبّلُ كلَّ الأسرارِ دونَ جواب. في ليلة شتا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEggyhLzZSZLeMz1khdiQSgtfpJFzjk-utf1RCDDpdApP1uAcgJK0crfIzPn4CeAy6qL-rL7vlFUDYuT8J6hof51utBqX76RL5DAJnvuask4t3PHdYb1JW0wIXGtB8PokhQ7zHSiDuUTV8OPhYpHY7_Oowe_7nV9Oe1UNm_FfF0KlBbbCulQi6kAv6PQmuQ/s320/58.jpg

هنا، حيث تغفو الإسكندرية تحت عباءة شتاءٍ نديّ، وتنساب ذكرياتٌ قاطنةٌ كأمواجٍ لا تهدأ، تتجلّى روحٌ تعشقُ السَّمرَ مع البحر. هذا الكتابُ ليس مجردَ قصائدَ، بل نبضُ حياةٍ متهتّكةٍ بينَ الأمسِ واليوم، بينَ دفءِ الروحِ وبردِ الواقع. هو ذاك الصباحُ الذي تبحثُ فيهِ عنْ دفءٍ يتسرّبُ منْ شمسٍ خجولةٍ، ذاك الحنينُ الذي يداعبُ الأيامَ، تاركًا بصماتٍ لا تُمحى على جدرانِ القلب. هنا، لا تُحكى الحكاياتُ إلا بمدادِ الصدق، وتُغزلُ الصورُ منْ خيوطِ الشوقِ والألمِ والبهجة. تأخذُكَ الكلماتُ في رحلةٍ عبرَ الزمن، حيثُ تتجاورُ الضحكاتُ معَ الدموع، وتُصبحُ الذكرى ملاذًا لروحٍ تبحثُ عنْ ذاتها بينَ طياتِ الأيام. هنا، البحرُ ليسَ مجردَ ماءٍ، بلْ مرآةٌ تعكسُ أعماقَ النفس، وصديقٌ وفيٌّ يتقبّلُ كلَّ الأسرارِ دونَ جواب.

في ليلة شتا شعر عامية 058 100 مارس 2018 yes 201091985809 وسام عبده كاتبة مصرية

إسكندرية ليست مجرد مدينة في قصائد وسام عبده، بل هي الرئة التي تتنفس بها الروح حين يضيق المدى، والملجأ الذي يرمم انكسارات الذات أمام صقيع الأيام. تبدأ الشاعرة نصها "في ليلة شتا" بمواجهة مباشرة مع الحنين، حيث الكورنيش ومحطات الرمل وسيدي بشر ليست نقاطاً على خريطة الجغرافيا، بل هي محطات في رحلة الوجدان الساعي نحو الخلاص. إنها تكتب بلهجة عامية رشيقة، تذكرنا بمقولة "صلاح جاهين" عن الكلمة التي "تخرج من القلب لتدخل القلب دون استئذان"، فتجعل من المطر السكندري غسولاً للهموم، ومن صخب الشوارع في المعمورة وزيزينيا سيمفونية تعيد ترتيب الفوضى الداخلية. القصائد هنا لا تبحث عن تعقيد لغوي، بل تنشد بساطة تشبه "طبع البحر" الذي تصفه الشاعرة بصديقها الوحيد، فالبحر في هذا الديوان هو المستشار الأمين الذي يحفظ الأسرار ولا يشي بها، وهو المرآة التي تعكس ملامح الطفولة المنسية والضحكات التي سرقها الزمان.

تنتقل الصور الشعرية من رصد المكان إلى سبر أغوار الذاكرة، حيث تصبح "الذكريات" كائناً حياً يرافق الشاعرة في صمتها وصخبها. تصف وسام عبده العلاقة مع الماضي بوصفها قيداً وحرية في آن واحد، فهي تشكو للذكريات وتبكي معها، لكنها ترفض أن تظل رهينة "كلمة يا ريت". نلمس في النصوص صراعاً إنسانياً نبيلاً بين الرغبة في الانعزال ومداواة الجروح بالصمت، وبين ضرورة المواجهة والانتصار على الظروف "بسقفة وبدقة على العود". إنها دعوة صريحة للتمسك بالذات وسط عالم يموج بالغدر والخداع، حيث الظل نفسه قد يتخلى عن صاحبه في لحظة غياب الضوء. الشاعرة هنا ترسم ملامح "الإنسان الصامد" الذي يقرر أن يفتح الباب لمن يريد الرحيل، مؤمنة بأن الطيبة لا تعني الاستسلام، وأن نقاء القلب هو القوة الحقيقية التي تكسر حدة الأزمات.

تتجلى في ثنايا الكتاب صورة الأنثى التي تحمل في داخلها طفولة لا تشيخ، طفلة "حتة سكرة" تفرح بالتفاصيل الصغيرة وتغضب من انشغال الحبيب، لكنها تملك عناداً يواجه الكوابيس بابتسامة. هذا المزيج بين الرقة والصلابة هو الخيط الناظم للديوان، فالحب عندها ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو "نبع صافي" وعمر محسوب بالدقيقة. وحين يشتد الحزن، تجد الشاعرة في الكتابة ملاذاً، كأن الحروف هي الدم الذي يجري في الوريد، وكأن القلم هو المشرط الذي يستأصل الألم ليحوله إلى نغم. تصف الشاعرة حالتها مع الكتابة بأنها حالة من العزلة الاختيارية، حيث تهرب من الناس لتشكو للبحر، وتجد في غموض الموج ما يشجعها على إفراغ حمولة الأسرار، فتتحول القصيدة إلى شط أمان يقي الروح من الغرق في بحور الوحدة الموحشة.

يختتم الديوان رحلته بالتصالح مع الفقد والرضا بالقسمة، حيث الماضي "حد بلقمته راضي" والحاضر محاولة مستمرة لنحت الفرح من صخور اليأس. تصف الشاعرة كيف كانت الحروف تطاوعها كظلها، وكيف كانت تغسل بها هموم القلب، متجنبة الخوض في تفاصيل الغرام التقليدية لتنحاز إلى التجربة الإنسانية الأعمق؛ تجربة البحث عن "بر أمان" في عالم متقلب. إن "في ليلة شتا" هو سيرة ذاتية للقلب في تقلباته، وكتاب مفتوح للقارئ الذي يبحث عن صدق الشعور خلف زحام الكلمات. الدرس الباقي من هذه النصوص أن الضحكة المتمردة هي السلاح الوحيد ضد "سنين فاتت" لم ندرك فيها سوى أن راحة البال هي الكنز الحقيقي، وأن المرء مهما اغترب في دروب الحياة، سيظل يبحث عن ذلك "اللحن الذي يشبهه" في زحام الغرباء، ليعود في النهاية إلى حضن نفسه، متوهجاً كشمس الصباح فوق شواطئ الإسكندرية.