وأد الزهور

تستيقظ الروح على صوت المؤذن، لا كدعوة للفريضة فحسب، بل كهمسة صادقة: "الصلاة خير من النوم". أي نوم هذا الذي نحيا فيه، غفلة عن الذات، عن جوهر الحياة، عن ذلك السعي الدنيوي الذي قد يطمس أثر الآخرة؟ تتجه الخطى نحو الحمام، تطهر الجسد، ثم نحو سجادة الصلاة، لتطهر الروح من غبار الغفلة. تتناول إفطارًا بسيطًا، لكنه ثقيل بعبق الأمل، بوهج الاستعداد ليوم يتشكل من خيوط الحقيقة، لا من نسيج الشائعات. فالكلمة، تلك الشرارة التي قد تشعل حرائق، أو تزهق أرواحًا، هي ذاتها التي قد تبني صروحًا وتُحيي آمالًا. لكن حين تسكن كلمات الناس قلوبنا، نتوه في ضباب الأكاذيب، وتتهاوى ثقتنا بأنفسنا أمام وهمهم. هذه القصة، وإن كانت خيالًا، فقد نسجت من صدى ذلك الخيال الذي قد يلامس الواقع. وأد الزهور
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgVBV6-0CWcerr91HXiIWJoRop-a6S8PaK-Bq-s2LEZhHLJg0LHKlQPWHa87EA8KE9cKkNHQhP7T-XJG101FB-wAdqZT7ehmrJiSCSGNveTtF7cidawO7NebY3obs80oW7FXmiy2drcWbpm8aZjJYcEg_PmsXVZaJ1POXx-XP_CIfFLBTs79AR_EDESTdQ/s320/78.jpg

تستيقظ الروح على صوت المؤذن، لا كدعوة للفريضة فحسب، بل كهمسة صادقة: "الصلاة خير من النوم". أي نوم هذا الذي نحيا فيه، غفلة عن الذات، عن جوهر الحياة، عن ذلك السعي الدنيوي الذي قد يطمس أثر الآخرة؟ تتجه الخطى نحو الحمام، تطهر الجسد، ثم نحو سجادة الصلاة، لتطهر الروح من غبار الغفلة. تتناول إفطارًا بسيطًا، لكنه ثقيل بعبق الأمل، بوهج الاستعداد ليوم يتشكل من خيوط الحقيقة، لا من نسيج الشائعات. فالكلمة، تلك الشرارة التي قد تشعل حرائق، أو تزهق أرواحًا، هي ذاتها التي قد تبني صروحًا وتُحيي آمالًا. لكن حين تسكن كلمات الناس قلوبنا، نتوه في ضباب الأكاذيب، وتتهاوى ثقتنا بأنفسنا أمام وهمهم. هذه القصة، وإن كانت خيالًا، فقد نسجت من صدى ذلك الخيال الذي قد يلامس الواقع.

وأد الزهور رواية 078 120 سبتمبر 2018 yes 201091985809 سهير ربيع كاتبة مصرية

تشرع سهير ربيع في روايتها "وأد الزهور" أبواب الوجع الإنساني على مصراعيه، متخذة من الكلمة مبضع جراح يعيد تشريح جثث الحكايات التي طمرها النسيان أو تعمد المجتمع خنقها تحت ركام التقاليد البالية. تبدأ الحكاية بزفرة الفجر، حيث تستيقظ البطلة "هنا" على نداء الصلاة الذي يذكرها بأن اليقظة الروحية هي المنجى الوحيد من غفلة الدنيا وزهوها الكاذب. لكن هذه الطمأنينة الصباحية ليست سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، إذ سرعان ما نجد أنفسنا أمام نص يقتفي أثر الشائعات التي تنهش الأرواح، تلك الأكاذيب المغرضة التي وصفها النص بأنها نار لا تترك أخضراً ولا يابساً إلا أتت عليه. إنها تراجيديا الثقة التي تتهشم أمام صخرة "كلام الناس"، حيث يصبح الفرد عبداً لنظرات الآخرين، وتتحول الكلمة من أداة تواصل إلى سلاح يزهق الأرواح ويحرق المجتمعات، تماماً كما كان يرى الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر أن "الآخرين هم الجحيم".

تنسج الرواية خيوطها حول مشهد طبي موغل في القسوة، حيث يسترجع الطبيب ذكريات ليلة مشؤومة لا تزال تلاحقه كظله، تجسدت في فتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، سيقت إلى حتفها بدم بارد لأن "حكيمة" القرية أخطأت في تشخيص انتفاخ معدتها ظناً منها أنه حمل غير شرعي. هنا يتجلى الوأد بأبشع صوره؛ ليس وأداً للجسد فحسب، بل وأد للبراءة تحت سياط الجهل وسطوة "الشرف" المتوهم الذي يغسل بالدماء قبل التأكد من الحقائق. يصف النص تلك الفتاة وهي تنزف من كل مسامها، بينما يقف الرجال حولها مدججين بالأسلحة، لا لحمايتها، بل لضمان موتها الذي يدرأ "العار" عن قبيلة غيبت عقلها واستسلمت لأوهام العرافات. هذا المشهد يمثل ذروة الصراع في الرواية، حيث يتقاطع الطب مع الخرافة، وتنهزم الإنسانية أمام الموروث المشوه الذي لا يفرق بين الألم والمرض وبين الخطيئة.

تنتقل الدفة السردية لتغوص في أعماق النفس البشرية وتناقضاتها، مستعرضةً لحظات الضعف التي تنتاب الرجال حين يحاولون كبح بكائهم، ظناً منهم أن الدموع من شيم النساء، في حين أن الوجع المكتوم داخلهم يكاد يفتت العظام. نرى الطبيب وهو يصارع كوابيسه، متذكراً الحادث الذي أودى بصبي صغير تحت عجلات سيارته في لحظة ضبابية اختلطت فيها الرؤية بالدموع والحزن. هذا التداخل بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والحلم، يخلق هالة من الأسى تغلفت بها شخصيات الرواية، لاسيما "هنا" التي نجدها في نهاية المطاف ممدة على فراش المستشفى، غارقة في "اللاوعي"، وكأنها تحاول الهروب من عناء الدنيا وشرورها إلى عالم أكثر رحمة وسكينة.

إن "وأد الزهور" ليست مجرد سرد لحوادث متفرقة، بل هي صرخة في وجه مجتمع يقتات على الشائعة ويقدس الجهل. تستحضر الكاتبة من خلال شخصياتها مرارة الفقد وخيبة الأمل في الحب والوفاء، متسائلة عن معنى "الرجولة" التي تتباهى بالقوة بينما تترك الروح التي تحبها تعاني وحدها. إنها رحلة في دهاليز النفس التي أرهقتها الغربة، سواء كانت غربة المكان أو غربة الروح داخل الوطن. تنتهي الرواية تاركة القارئ أمام تساؤلات وجودية عميقة حول قيمة الإنسان حين يتحول إلى مجرد رقم في سجل الضحايا، أو مادة دسمة لحديث المجالس، مذكرة إيانا بأن الزهور التي تواد اليوم قد تفرز عبيراً مراً يزكم أنوف الظالمين غداً، وأن الشمعة التي تحترق في سبيل الآخرين قد تنطفئ دون أن يبصر ضوءها أحد، تماماً كما تنقضي الحيوات في صمت مطبق خلف جدران المستشفيات وأزقة القرى المنسية.