عن الذي استدان ليشتري الشقاء

تتساقط الكلمات على قارعة دروب الحياة، حيث يجلس شيخ وقور أمام كشك خشبي يحمل اسماً زاهياً: "طاقة القدر". تقوده إلى هذا المكان شاب يحمل على كتفيه ثقل ماضٍ قاسٍ، وقد اعتاد على مد يده طلباً لبضع قروش. يدخل الشاب إلى الكشك، فيتلاشى الذل عن وجهه لتبرز عيناه نظرة تحمل وهجاً مختلفاً. في هذا المكان، تتكشف حكاية "روم" الذي تعلم كيف يمد يده، لا ليطلب، بل ليأخذ؛ كيف تتقاذفه الأقدار من حارة إلى أخرى، ليصقل الندم والحزن من روحه شخصية لا تعرف إلا البقاء. يروي الكتاب كيف تتقاطع المصائر، وكيف يمكن للحياة أن تتحول من شقاء إلى طاقة، ومن انتظار إلى فعل، في رحلة لا تعرف الهزيمة، بل تصر على مواجهة القدر بقلب يشيخ لكنه لا يلين. عن الذي استدان ليشتري الشقاء
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEju163N-T2Dp5Y05M5BgmkZVOHAfaglmlN8JJnElTchc-bmaIXIfcZZGMmM70YKk4JDqRv1mPTnBpeZC0Is6qzITrjAcPKV4cYJx-BfhdY34RA43EetjTLv3gXn9AgXeGUTUUgP3fzsFhhY_RQ3q8lx9Uy8RpqAUKGUUfFXN_MViMyHQdefAUxjzzJhOus/s320/46.jpg

تتساقط الكلمات على قارعة دروب الحياة، حيث يجلس شيخ وقور أمام كشك خشبي يحمل اسماً زاهياً: "طاقة القدر". تقوده إلى هذا المكان شاب يحمل على كتفيه ثقل ماضٍ قاسٍ، وقد اعتاد على مد يده طلباً لبضع قروش. يدخل الشاب إلى الكشك، فيتلاشى الذل عن وجهه لتبرز عيناه نظرة تحمل وهجاً مختلفاً. في هذا المكان، تتكشف حكاية "روم" الذي تعلم كيف يمد يده، لا ليطلب، بل ليأخذ؛ كيف تتقاذفه الأقدار من حارة إلى أخرى، ليصقل الندم والحزن من روحه شخصية لا تعرف إلا البقاء. يروي الكتاب كيف تتقاطع المصائر، وكيف يمكن للحياة أن تتحول من شقاء إلى طاقة، ومن انتظار إلى فعل، في رحلة لا تعرف الهزيمة، بل تصر على مواجهة القدر بقلب يشيخ لكنه لا يلين.

عن الذي استدان ليشتري الشقاء رواية 046 276 يناير 2018 yes 201091985809 هبة عبد المنعم كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjdSD24ZyEQvhjZquCwYcUYZH5-80xUzvcrfZ7M9uTpUCNhIIhwemIA0_7icPLITN2JSdGZdqvXJlJ4d9vw53N6Dihquf9n0AOqSlMCkwWaZigBIM9rfzx0O9nRkSMN7gy0h5EiJnPjCX-ew-Q511pCAjjuydzCw72q-qeSC-OQzntIg-3-W392UkCacvw/s800/%D9%87%D8%A8%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B9%D9%85.jpg

إبراهيم، الذي استدان من قدره ليشتري شقاءً طويلاً، لم يكن سوى ظلاً باهتاً يزحف على أرصفة القاهرة قبل أن تفتح له "طاقة القدر" أبواباً من الوهم. تبدأ الحكاية بلقاء على قارعة الطريق، حيث يقف كهل وقور خلف كشك خشبي، يوزع الأمل كأنه عملة نادرة في زمن السخط، وهناك يقف الشاب المسكين، الذي فرغ لتوه من عمل مضنٍ، ليمد يداً مرتعشة لم تكن تطلب سوى القروش، فإذا بها تجد دعوة لولوج عالم الغيب. هذا المشهد يختزل فلسفة الوجود التي تطرحها هبة عبد المنعم؛ فالمكان ليس مجرد كشك، بل هو محراب للمناجاة، تذكير للغافلين بأن العطاء يبدأ من اليقين بالاستجابة، وأن المسافة بين التسول والسيادة قد تختصرها لحظة صدق واحدة داخل جدران خشبية بسيطة.

رومة، أو إبراهيم، يحمل في ذاكرته جرحاً غائراً يعجز عقله عن استحضار تفاصيله الكاملة، كأنه يطبق وصية نيتشه في نسيان ما لا يُحتمل. يذكر صاعقة هبطت على رأسه، أبٌ اختفى خلف قضبان السجن المؤبد بتهمة قتل الأم، وطفل أُلقي به في جوف الشارع ليتعلم أقسى دروس البقاء. في تلك الخرابات التي تضج بالفئران، تحول إبراهيم من كائن بشري يملك كرامة إلى ظل لزج يقتات على المهانة، يضع أي شيء في وعائه الشرير، بطنه التي لا تكف عن العواء، ليدرك مبكراً أن الحياة ليست خياراً متاحاً للجميع بالتساوي. هذه التربية القاسية في مدرسة الشارع جعلت منه رجلاً يتقن القفز فوق الحواجز، لكنها أبقت روحه معلقة في ماضٍ يرفض الانعتاق، مهما تبدلت أثوابه أو صقلت الأيام هندامه الخارجي.

الثراء الذي ناله إبراهيم لاحقاً لم يكن بلسماً، بل صار قيداً من ذهب يطوق عنقه، حيث انتقل من تسول القروش إلى تسول المعنى في عالم الأضواء والشهرة. تزوج من امرأة سكنها الخواء، كانت تبحث عن النجومية بينما كان هو يبحث عن مأوى لروحه القلقة، فاستحالت حياتهما إلى سلسلة من الصراعات الكئيبة والشكوك المرة. طلقها دون ندم، ليعود إلى وحدته وانكساراته، غارقاً في كؤوس الخمر التي صارت رفيقه الوحيد في رحلة الهروب من الذات. الخمر لديه لم تكن متعة، بل كانت وسيلة لغسل كتفيه من أعباء ثقيلة، ومحاولة لتغييب وعيه عن حقيقة أنه لم يذق من السعادة سوى رشفات عابرة نهلها في غفلة من الزمن، كأن هناك رقيباً كونياً يقف له بالمرصاد كلما اقترب من مرفأ الطمأنينة.

تستحضر الرواية مشهد الشقاء الإنساني في أبهى صوره التراجيدية، حيث يظل إبراهيم معلقاً بين وجهين: وجه المتسول القديم الذي يخشى الجوع، ووجه الثري الجديد الذي يخشى الخواء. لم يجد في علاقاته النسائية العابرة سوى مزيد من التيه، مفضلاً حرية زائفة على زواج يحفظ ما تبقى من شتات نفسه، خوفاً من تسرب الملل أو تكرار الخيبة. وفي خضم هذا الصخب، تظل صورة فتاته القديمة، أميرته الراحلة، تزوره في المنام كطيف صامت لا يتحدث، لكن حضورها ينغرس في قلبه كخنجر جديد، ليعيد تذكيره بأن كل ما اشتراه بماله وشهرته لم يكن سوى أثواب أنيقة تخفي تحتها جسداً منهكاً وروحاً ما زالت تنام في تلك الخرابة القديمة. إنها رحلة الاستدانة من العمر، حيث يدفع الإنسان سنين صدقه ثمناً لنجاحات باردة، ليكتشف في النهاية أن "طاقة القدر" الحقيقية لم تكن في المال، بل في تلك الابتسامة التي وضعها والده يوماً على لسان المعنى، وضاعت في زحام البحث عن البقاء.