خطوة خطوة - دليل الكتابة الصحيحة 01

... مشاهدة
Cover Image
خطوةً خطوة - دليل الكتابة الصحيحة 01

مقدمة لغتنا العربية ليست عبئًا ثقيلًا يُلقى على كاهلك، ولا امتحانًا تخشى الرسوب فيه. هي ببساطة أداتك التي تُعبّر بها عن نفسك، وحين تُتقنها لا تشعر بالقيد بل تشعر بالحرية. كثيرون منا كبروا وفي أذهانهم أن الإملاء صعب، أو أنهم ليسوا أهلاً للغة العربية، وهذا ظلم لهم قبل أن يكون

مقدمة

لغتنا العربية ليست عبئًا ثقيلًا يُلقى على كاهلك، ولا امتحانًا تخشى الرسوب فيه.

هي ببساطة أداتك التي تُعبّر بها عن نفسك، وحين تُتقنها لا تشعر بالقيد بل تشعر بالحرية.

كثيرون منا كبروا وفي أذهانهم أن الإملاء صعب، أو أنهم ليسوا أهلاً للغة العربية، وهذا ظلم لهم قبل أن يكون قصورًا منهم. فالحقيقة أن أحدًا لم يُعلّمنا كما ينبغي، لا لأننا لسنا أهلًا للتعلم، بل لأن اللغة العربية تعرضت لعقود من الإهمال المتعمد حتى صارت غريبة عن أبنائها.

هذه السلسلة هي رفيق يأخذ بيدك من البداية، خطوةً خطوة دون استعجال، يقدمها محب للغة العربية، لكن دون شك كل يؤخذ منه ويُرد عليه، لذا قد أصيب وقد أخطأ، لكن في كل الأحوال سأتحرى الدقة بكل ما تفرضه أمانة الكلمة.

سنبدأ من النطق ونفهم لماذا نكتب ما نكتب، ثم نتدرج شيئاً فشيئاً لفهم اللغة كي ندرك أن لغتنا جميلة وبسيطة في الوقت نفسه، ليست قواعد جافة، بل بناء عظيم يحتاج منا فقط أن نفهم المنطق الذي بُني به.

فإن كنت كاتبًا يريد الاحتراف، أو طالبًا يبحث عن الإتقان، أو إنسانًا يريد ببساطة ألا يُخطئ حين يكتب — فتعال نتعلم معاً، وكما أن الحِلم بالتحلم، فالعلم بالتعلم.

***


بداية ما الإملاء؟ وما معناه؟

الإملاء هو التصوير الكتابي للكلمات المنطوقة وفق ضوابط محددة تُعرف بقواعد الرسم الإملائي.

وهذه القواعد وُجدت للتيسير والتنظيم، وليس للتعقيد والتشديد، فقواعد الإملاء ليست سوى مجموعة من المعلومات الميسّرة التي تُعيننا على الكتابة الصحيحة، وتُسهم في صون اللغة العربية وإبراز جمالها.

يقول الأستاذ عبد العليم إبراهيم في كتابه "الإملاء والترقيم في اللغة العربية":

نستطيع أن ندرك منزلة الإملاء بوضوح إذا لاحظنا أن الخطأ الإملائي يشوه الكتابة، وقد يعوق فهم الجملة، كما أنه يدعو إلى احتقار الكاتب وازدرائه مع أنه قد يُغفر له خطأ لغوي من لون آخر"

فإذا كان الخطأ الترقيمي أو النحوي مما يُغتفر للكاتب، فكيف يُغفر الخطأ الإملائي وهو بوابة اللغة العربية وأول ما يُفترض تعلمه في سنوات الطفولة؟

أقول "يُفترض"، لكن هذا للأسف لم يتحقق؛ إذ تواجه اللغة العربية حربًا شعواء منذ أكثر من قرن، وما تزال قوى الاستعمار تُشعل نارها سعيًا إلى طمس الهوية العربية ومحو معالمها. ولهذا أرى دومًا أن الأجيال الجديدة ضحايا وليسوا جُناة.

***


لماذا نقع في أخطاء الإملاء؟

اللغة العربية في جوهرها لغةٌ منطوقة، لذا فالنطق الخاطئ للكلمة يفضي في أغلب الأحيان إلى كتابتها بصورة خاطئة، وهذه إحدى أبرز إشكاليات الإملاء التي سنتناولها.

النطق في أصله صوت، وكل صوت يبدأ من الحنجرة ثم يمر بمخارج معينة داخل تجويف الفم قبل أن يخرج إلى الهواء ويسمعه الناس.

وبطبيعة الحال فإن أفضل من فهم مخارج الأصوات هم القراء والمطربون، إذ يُعينهم التنوع في المخارج على التنويع بين طبقات الصوت: القرار والجواب وغيرهما.

ما يعنينا هنا أن الحروف لا تخرج جميعها من مخرج واحد، فلكل حرف مخرجه الخاص، وإن خرج من غيره تحوّل إلى حرف آخر وتُخطأ الأذن في سماعه ومن ثَم تخطأ اليدُ في كتابته.

فمثلًا، لو نطقت حرف الثاء وحرف السين بالطريقة ذاتها ومن المخرج نفسه، فسوف أحدهما بالآخر؛ كما في كلمتي "ثَناء" بمعنى المدح والإطراء، و"سَناء" بمعنى العلو والرفعة.

إذن لا بد من نطق كل حرف من مخرجه الصحيح حتى نكتبه بشكل الصحيح، ولإن موضوع مخارج الخروف موضوع كبير ومتشعب، لذا دعنا تناول النقاط الهامة منه.

***


مخارج الحروف في اللغة العربية

تنقسم الحروف العربية بحسب مخارجها إلى مجموعات:

الأولى: حروف الشفتين: فـ م ب

وهي لا تُنطق إلا بحركة الشفتين دون سواهما.

الثانية: حروف اللسان: ر د ج وغيرها

وهي لا تُنطق إلا بتحريك اللسان.

ثالثاً حروف الخيشوم: م ن

وتتميز بأن عند نطقها يخرج بعض الهواء من الأنف.

جرّب أن تُغلق أنفك وأنت تنطقهما فلن تستطيع، ولهذا يتغير صوت المريض بالزكام إذ يُغلق الخيشومَ فيُحرَم من نطقهما صحيحًا.

رابعاً: حروف الجوف: أ ي

ألصق لسانك بسقف الفم وحاول نطقهما فلن نستطع.

خامساً: حروف الحلق: هـ ح خ ع غ.

وهي بالطبع تخرج من الحلق.

مرة أخرى هذا الموضوع واسع الآفاق، غزير المادة، فابحث فيه وتوسع فثمة ما لا يُحصى من المصادر التي تشرحه على أتم وجه.

خلاصة القول: النطق الصحيح للكلمة هو الطريق إلى كتابتها برسم صحيح، والنطق الصحيح لا يقوم إلا على السماع الصحيح.

لهذا لا عجب أن يعجز غير العرب عن نطق حرف الحاء على سبيل المثال، فتراهم ينطقون "خبيبي" بدلًا من "حبيبي"، والسبب أن آذانهم لا تُميّز بين الحاء والخاء أصلًا، فضلًا عن أن معظم لغات الأصل اللاتيني تخلو من الحروف المفخّمة.

***


وتعال نتناول تقسيماً هاماً للحروف العربية وهو الحروف المرققة والحروف المفخمة

لماذا نحتاج إلى معرفتها؟

كما قلنا: أن النطق الصحيح يُفضي إلى الكتابة الصحيحة.

أولاً: حروف التفخيم:

وهي خ ص ض غ ط ق ظ

مع ملاحظة أن الغين والقاف والخاء تُرقَّق عند الكسر، فكلمة "الغاشية": الغين مفخمة لأنها مفتوحة، بينما كلمة "الغِلان" (جمع غول): الغين مرققة لأنها مكسورة.

وثمة حروف تتبدل بين التفخيم والترقيق كالألف واللام في لفظ الجلالة، وحرف الراء، أما سائر الحروف فمرققة.

***


إذن نطق الكلمة نطقًا سليمًا يُعين على رسمها رسمًا سليمًا. وقد شهدت ذات مرة في إحدى دورات التأهيل الصحفي محاضرًا يعمل في كبرى الصحف ينطق الطاء تاءً، فيقول "التب" بدلًا من "الطب"، وهذه إشكالية، فمن ينطق حرف الطاء على هذا النحو، فإنه في الغالب سيكتبه كذلك.

أما الإشكالية الثانية فهي الخلط بين الحرف والحركة، نقول: "الحمدُ لله".

والواو التي تظهر في النطق آخر كلمة "الحمد" ليست حرف واو، بل هي ضمة، أي حركة إعرابية، هذه الحركة الإعرابية تسبب أحياناً الوقوع في الخطأ، إذ يظن السامع أو الناطق للكلمة بأن الحركة حرفاً، ومن ثَم يكتب: "الحمدو"، و"الله وأكبر" وما شابه ذلك.

وللتغلب على هذه الإشكالية لا بد من الإلمام بعلم النحو، غير أننا ما دمنا في مرحلة الإملاء فيجب أن نستوعب القواعد الأربع لدراسة الإملاء، أو ما يُعرف بأنواع الإملاء.

يُتبع بإذن الله.