000

10 June 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (9)


    وصلنا الآن إلى المحاضرة الأخيرة في المنهج النظري، تليها فقط محاضرة مراجعة ونصائح عامة قبل الدخول إلى المنهج التطبيقي، وفيه سوف نكتب معاً رواية خطوة بخطوة كما أشرنا سابقاً؛ ليكون هذا المنهج التطبيقي هو الشارح والموضح لما تناولناه نظرياً عن الرواية بشكل عام وعناصرها الأساسية؛ الراوي، والسرد والعرض (الحوار)، والشخصية، والحبكة، والحدث والزمان والمكان، والصراع والتشويق.
    وفي المحاضرة السابقة تناولنا اللغة والوصف.
    ولعلك تستغرب لماذا نختتم بالفكرة والبناء، رغم أنهما من المفترض أن يكونا أول ما نبدأ به!
    إن كان هذا رأيك؛ فهو في محله دون أدنى شك، ولكني آثرت أن نختتم بما سوف نبدأ به المنهج التطبيقي، أي نبدأ من حيث انتهينا.

    الفكرة باختصار شديد تخرج من سؤال لابد أن تسأله لنفسك قبل أي شيء..
    ما هو الشيء الذي أريد تقديمه للقارئ؟ 
    هذا السؤال لابد أن تسأله لنفسك أولاً، لأن تحديد هدفك من كتابة الرواية يجعلك لا تتوه من نفسك أو تمل كلما تقدمت الأحداث وتشابكت.
    الفكرة إذن هي أساس الرواية، وقوتها سر قوة الرواية نفسها، فكلما كانت الفكرة عميقة وقوية ومبتكرة؛ خرجت إلى العالم رواية يمكنها أن تعيش لأجيال، وكلما كانت فكرة سطحية، كانت رواية سطحية.
    لكن انتبه إلى أمر هام.. قوة الفكرة ليست في ضخامتها، ولكن في الزاوية التي تتناولها، لأنك ببساطة لو حاولت إيجاد فكرة جديدة فأنت تبحث عن إبرة في كومة قش، فكل الأفكار غالباً تمت معالجتها بالفعل، لكن في كل فكرة قتلها الأدباء بحثاً دائما هناك زاوية خفية، وأرض بكر لم يرتادها أحد.
    مرة أخرى؛ قوة الفكرة ليست في ضخامتها؛ فالحرب العالمية الثانية، والقضية الفلسطينية، والحركة الماسونية، هي أمثلة لأفكار ضخمة، لكن التطرق لها دون ارتياد زاوية جديدة سوف يجعلها فكرة سطحية لا تعود على الكاتب بالنفع الذي كان يرجوه، في حين أن الكاتب قد يتناول حياة إنسان بسيط، في حارة بسيطة، ويخرج للعالم برواية عظيمة.

    هذا كلام مرسل، فماذا يعني؟ 
    يعني أنك لابد أن تُحدد أولاً الرسالة التي تريد تقديمها للقارئ، هذه الرسالة سوف تساعدك بالتبعية على تحديد القالب الذي سوف تنتمي إليه روايتك.
    فمثلا؛ أنا أريد القول بأن الأيام دول، وإذا كنا نحن العرب في أخر السلم الحضاري، فحتما سوف تتغير هذا الأوضاع ويجيء جيل أفضل منا يصعد بوطننا إلى القمة مثلما كان أجدادنا العظام يبنون العالم، في الوقت الذي كان فيه الناس في أوروبا يعيشون في عصور سموها العصور المظلمة.
    أنت تعلم الآن أن هذه فكرة، ولكن هل تعلم كم زاوية يمكن أن نُعالج هذه الفكرة من خلالها؟
    عشرات الزوايا، لكن لنأخذ زاوية واحدة كمثال.
    نفترض أن شخص في زمننا الرديء هذا اكتشف في الهرم الأكبر بوابة زمنية، أخذته إلى المستقبل ليعيش في الولايات العربية المتحدة التي تحكم العالم، وتُصدر العلم والمنجزات إلى الدنيا كلها.
    لقد كشفت الزاوية الآن عن القالب؛ وهو "خيال علمي"، وعليه فقد أصبحت على استعداد لتخطو أول خطوة نحو روايتك غير مرتبك أو تائه.
    مرة أخرى؛ الفكرة تختار القالب، أي نوع الرواية.
    وأنواع الروايات كثيرة، منها الروايات العاطفية، والتاريخية، والبوليسية، والوطنية، والواقعية، والنفسية، والفلسفية، والتأملية، والفانتازيا، والرعب، والاجتماعية، والخيالية، والعلمية، والسيرة الذاتية، والصعاليك، والخوارق، وغيرها الكثير.
    وهناك أيضاً من استطاع ابتكار أصناف أخرى، مثل الواقعية السحرية التي أبدع فيها ماركيز.

    وعليه نفهم أن الفكرة هي أول لبنة في البناء الروائي، لكنها تحتاج إلى اختمار، تحتاج أن نفكر فيها طويلاً، وتتأملها، فهي كالبذرة تزرعها في عقلك وترويها بالتفكير العميق والتأمل كي تنبت وتتفرع وتتشعب.
    ضع الفكرة أمامك، التف حولها من كل الزوايا، وفي هذه المرحلة ستحتاج إلى القيام بخطوة هامة للغاية هي "بحث التيمة".
    المرادف العربي لكلمة تيمة Theme هو للتقريب "الموضوع"

    وبحث التيمة يعني أنك لابد أن تبحث حول الموضوع الذي ستكتب عنه، فمثلاً إن كنت ستكتب رواية عن حرب العراق، فعليك أن تقرأ كثيراً، وتشاهد الكثير من الأفلام الوثائقية عن تاريخ العراق، وثقافة أهله، وتراثه الحضاري، والأوضاع السياسية خاصة وقت الحرب، والتركيبة السكانية، والانتماءات، والأكلات الشعبية هناك، وجغرافيا المكان، وحتى اللهجة والمسميات.
    وتذكر دائما أن عملية الكتابة هي أن تشرب نهر كي تستطيع وصف طعم كوب ماء.

    عملية بحث التيمة هذه هي غذاء الفكرة، هي ما تجعل فكرتك تنمو وتتشعب وتتفرع إلى أفكار أخرى، وصراعات، فعلى مدار عملية البحث سوف تكتشف أن الأفكار تنهال عليك، وفي هذه المرحلة لابد أن تدونها حتى لا تنساها، وحتى إذا جاء الوقت لبدأ الكتابة تكون مستعداً لنسج هذه الأفكار في نسيج واحد، هذا النسيج يُسمى "البناء".
    وهنا اسمح لي أن أطرح عليك سؤال بسيط؛ هل رأيت في حياتك شخص يبني الطابق الثاني من مبنى قبل الطابق الأول؟
    بالطبع هذا لا يحدث، وبالتالي فالرواية كذلك، لا يمكن بناء حدث فيها إلا على حدث يسبقه،
    لكن لا تنس أن هذا ليس المقصود به التراتب الزمني.

    وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فهناك أمر في غاية الأهمية لابد للروائي أن يكون واعياً له، وهو أحداث ما قبل الأحداث. أي هي الأحداث التي تم بناء الرواية عليها ولم تُكتب، ولم تُروى، ولم تُذكر إلا إسهاما في أحداث الرواية المكتوبة، أي هي ماض يسبق صفحات الرواية، هذا الماضي حدث قبل أحداث الرواية نفسها، فالبطل -على سبيل المثال- يكره جنس النساء والتقرب منه ولا يريد الزواج.
    هذا بسبب أنه في الماضي اكتشف أن حبيبته الأولى خانته.
    فعل الخيانة هذا لم يقع ضمن أحداث الرواية ولكنه سبقها، ومن هذا الحدث الذي لم يقع ضمن الرواية تم بناء شخصية البطل سابقة الذكر، وهذا هو المقصود بأحداث ما قبل الأحداث.
    ولا تقلق سوف نتوقف مرة أخرى مع هذه النقطة في المنهج التطبيقي.

    للمرة الثالثة؛ كل ما سبق هو كلام نظري لا تبتأس إن لم تفهمه فسوف يتضح بجلاء في التطبيق العملي لنرى كيف تخدمنا هذه المعرفة في بناء رواية جيدة.

    وأخيراً تذكر أن الوقت الأطول الذي تستغرقه الرواية هو مرحلة الإعداد لها، وتفصيلها، وبحث التيمة، أما الكتابة نفسها فهي لا تستغرق وقت طويل.
    وكنصيحة عامة نختتم بها المنهج النظري؛ ضع نصب عينيك قبل البدء في الكتابة ثلاثة أسئلة مهمة هي:
    "لمَ؟ لمن؟ كيف؟" 

    لمَ تكتب؟ 
    قم بتحديد الغرض من الرواية، الفكرة التي تريد تناولها، الهدف الذي تسعى للوصول إليه، والأثر الذي ترمي إلى تركه في نفس القارئ.
    لا تكتب بشكل عشوائي أحداث ومواقف للتسلية فقط، ولكن لابد أن يكون لديك رسالة تريدها أن تصل للقارئ، سواء معلومة جديدة، أو قيمة معينة، أو أمل في الحياة أو طريقة جديدة يعيش بها هذه الحياة، أو محاولة لتصحيح أخطاء مجتمع، أو إشارة لمشكلة ما.. إلى أخره.
    لا تجاوب على هذا السؤال أبدأ بأنك تكتب لنفسك، أنت تكتب لأنك تحب الكتابة، تجد متعة في هذا الفعل، لكنك تكتب للناس؛ إذن اعطهم شيئاً مفيداً.

    لمن تكتب؟ 
    حدد قارئك المستهدف؛ فئة الشباب والمراهقين، الأطفال، المرأة؛ هذا لأن تحديد القارئ المستهدف يساعدك على اختيار قالب ولغة وأفكار تناسب هذا القارئ.

    كيف تكتب؟ 
    هذا أمر يرجع إليك، فالكاتب مثل النحلة تستقي الرحيق من أزهار متنوعة الألوان والأنواع لتصنع عسلها الخاص، وهذا يعني أن عليك القراءة كثيراً وفي كل المجالات ومن كل المدارس.
    اقرأ في الأدب العربي والغربي وحاول أن تتعلم من أسلوب كل كاتب وطريقة تناوله للفكرة حتى يصبح لك أسلوبك الخاص والمميز.
    شاهد الأفلام الجيدة وحاول تحليلها لمعرفة كيف تم بناء قصتها، وما هو الصراع فيها، وكيف تناول الكاتب الفكرة.
    وتذكر دائما أن الكاتب الجيد هو في الأصل قارئ جيد، فإن كنت لا تحب القراءة، إن كنت لا تجد متعة في الكتابة؛ فلا تضيع وقتك لتكتب.
    وأخيراً اسأل نفسك: لماذا أكتب؟ أو ما هو الغرض الذي تكتب لأجله؟
    هل تحلم بالشهرة؟ بالمال؟ بأن تترك قيمة للبشرية والأجيال التالية؟ أم لك غرض آخر؟
    تحديد الغرض مهم جداً لأن لكل غرض آلياته التي تساعدك على الوصول إليه، لكن لأبد أن تعرف أولا بأن الكتابة هي رغبة قبل حتى أن تكون موهبة،
    أنت تكتب لأنك تحب الكتابة، بدون هذا الحب فلن تصل إلى شيء.
    أما الموهبة فهي منحة من الله، والإشكالية هنا أنك لن تستطيع الحكم على نفسك كونك موهوب أو لا، السبيل الوحيد هو التجربة، لكن عند التجربة حاذر من السقوط في فخ المجاملات أو فخ النقد الهدّام.
    فعلى مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تقع بسهولة في أحد الفخين؛ فعندما تكتب وتنشر على هذه المواقع فإنك ستجد أن المجاملين كثُر، وأغلبهم لم يقرأ، وستجد أصحاب النقد الهدّام كثُر أيضاً.
    إذن ممن تأخذ الرأي؟ 
    من أصحاب النقد الموضوعي، واختصاراً يمكن القول بأن النقد بشكل عام هو إما نقد انطباعي؛ وفيه ستجد إطراء ومدح دون إبداء أسباب، أو ذم وقدح دون إبداء أسباب أيضاً. أما النقد الموضوعي فهو الحكم على عملك بأنه جيد بسبب كذا وكذا، أو سيء بسبب كذا وكذا.

    ونكمل في المحاضرة القادمة بإذن الله مع مراجعة ونصائح عامة نختتم بها المنهج النظري.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6