000

01 June 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (8)


    في المحاضرة السابقة تحدثنا عن الصراع والتشويق، وفي هذه المحاضرة سوف نتناول اللغة والوصف.
    بداية؛ لماذا نستخدم اللغة؟
    وماذا لو لم تكن بيننا لغة مشتركة؟
    الاستخدام الأساسي للغة هو التواصل بيننا نحن البشر، وإذا لم تكن هناك لغة متعارف عليها لوصف الأحداث والمشكلات والأحاسيس؛ لما حدث تواصل من الأساس، فعلى سبيل المثال إن أصعب التخصصات على الإطلاق في مجال الطب هي الطب البيطري، يليها طب الأطفال، لافتقار الحيوان أو الطفل الرضيع إلى لغة يستطيع من خلالها نقل أحاسيسه بالألم للطبيب كي يساعده على اكتشاف مواطن الداء.
    واللغة يُعرّفها العلماء على أنها جملة ما تعارف عليه أفراد المجتمع من ألفاظ وأصوات وتراكيب يكتسبها بالتلقين من جماعته اللغوية، وبالتالي فهي ظاهرة اجتماعية وأداة تواصل لتلك الجماعة.
    من هنا نفهم أن الفرد يستخدم الإمكانيات التعبيرية للغة المجتمع الذي ينتمي إليه، لكن إن كان هذا الفرد واحد من مبدعي الكلمة؛ فإنه يضع هذه اللغة في قالب خاص.
    ولاحظ أنه لا يضيف كلمات جديدة بقدر ما يضع الموجود بالفعل موضع توظيف جمالي.
    فالشاعر يستخدم نفس اللغة التي يستخدمها مجتمعه، لكنه يتميز عن الجميع بإعادة صياغة هذه اللغة بشكل مناسب للقالب الذي يكتب ضمنه؛ لتخرج تراكيب لغوية منظمة ذات إيقاع ووزن وجرس موسيقي تستحسنه الآذان.
    ولا يختلف الروائي عن الشاعر في هذه النقطة، فعلى الرغم من كون الروائي غير مقيد بقوانين الشعر، إلا أنه لابد أن يُعيد صياغة اللغة بشكل جمالي لتصبح في قالب فني أو إبداعي يقوم على التخيل، ويتجاوز قالب اللغة العادية، باستخدام آليات تساعده على ذلك منها الدلالة، والرمزية، والاستعارة، والإسقاط، وغيرها، وهو ما يعرّفه النقاد بمصطلح (الانزياح)، ويعني باختصار إزاحة اللغة العادية من مكانها إلى مكان آخر أكثر عمقاً وأقدر على ترك أثر فني في نفس القارئ.
    لذا فإن الروائي لو استخدم اللغة نفسها التي يستخدمها المجتمع فقد جردها من فنياتها، وجعلها ذات اللغة التي نستخدمها في حياتنا اليومية، دون عمق دلالي. وعليه فإن تجاوز اللغة العادية إلى لغة أخرى أعمق هو من أهم المبادئ اللغوية التي لابد أن يحرص عليها الكاتب، وإلا صارت روايته مجرد حكاية تُروى مثل تلك الحكايات والسير المتوارثة عن أبو زيد الهلالي، وقصص الأطفال التي لا تحتمل عمق لغوي لتناسب عقل الطفل.

    واللغة إجمالا هي من أعقد المشكلات التي تواجه الروائي، ففي مضمار اللغة يكون الكاتب أمام خيارين؛ الأول هو استخدام لغة بسيطة، أو عامية، أو دارجة؛ ظناً منه أن هذه اللغة البسيطة قريبة من القارئ وسوف يفهمها بسرعة وتجذبه لأنها اللغة نفسها التي يقرأها على صفحات التواصل الاجتماعي، ويتواصل بها مع البشر من حوله في العالم الواقعي. أما الخيار الثاني فهو استخدام لغة قوية، رصينة، ومصطلحات صعبة، وتراكيب لغوية مستخرجة من بطون المعاجم؛ ظنا منه أن هذه اللغة سوف تجعل منه كاتباً يشير الناس إليه بالبنان، ويحسدونه على قوة عضلاته اللغوية.
    ولاحظ هنا أن الحديث عن لغة الحوار وليس السرد. 
    ولا تظن بأن الجدال حول هذه الإشكالية حديث العهد، بل إن لكل لغة من الاثنتين فريق يدافع عنها منذ زمن بعيد، ففي عام 1949 كتب لويس عوض روايته "مذكرات طالب بعثة" باللهجة العامية، وقبله بأربعين سنة أي عام 1909 كتب محمد طاهر حقي رواية "عذراء دنشواي" باللهجة العامية أيضا، وذكر في مقدمة الرواية أنه لا يستهين بالفصحى، ولكن استخدامه للعامية جاء كتعبير صادق عما يدور في نفوس الشخصيات البسيطة التي تسكن قرية.
    مرة أخرى الحديث عن الحوار، أما السرد فلا يكون إلا بلغة عربية.

    إذن؛ أنت أمام خيارين؛ إما الفصحى أو العامية، لكن هناك خيار ثالث هو الذي نفضله بشكل خاص، وهو اللغة الوسطى بين الفصحى القوية والعامية الركيكة، وهذه اللغة كان من روادها عبد الرحمن منيف، الذي قال:
    إن اللغة الوسطى هي لغة لها علاقة أساسية بالفصحى، ولها صلة أيضاً بالعامية من خلال الكلمات والظلال التي لها إيحاءات، وتستطيع أن توصل مقدارا أوفر وأكبر من المعاني، هي تقريبا لغة المتعلمين، لغة الصحافة، لغة قطاع واسع من الناس وهي في تزايد مستمر 
    وكذلك توفيق الحكيم؛ والذي أبدع في استعمال هذه اللغة الوسطى لاسيما في مسرحية "الصفقة"، التي تدور أحداثها في قريبة بسيطة، وكتبها بلغة عامية كاملة، وفي نفس الوقت لم يكن بالمسرحية كلمة عامية واحدة، واستخدم هذا العبقري لغة أسماها "الفصح عامية" اعتمد فيها على حقيقة أن الكثير من الكلمات العامية هي في الأصل كلمات فصيحة.
    وسوف أعطيك مثالاً صغيراً: ما رأيك في جملة "شاب روش"؟
    أعتقد أنها عامية مصرية مستحدثة ودارجة جداً، ولكن هل تعلم أن كلمة "روش" هي كلمة من بطون المعاجم؛ يقولون "رَوِشَ الرجل" أي خف عقله.
    وعلى ذات المنوال جاءت لغة الحكيم، ولكنها لغة ذات مستوى بعيد.
    ونجيب محفوظ أيضاً كان من دعاة اللغة الوسطى لأنها تضرب عصفورين بحجر واحد، الأول هو الحفاظ على أصالة الفصحى، والثاني هو القرب من العامة وجمهور القراء دون أن تخلو من المحسنات اللغوية والمظاهر البلاغية، يقول محفوظ:
    أتوخى عادة السهولة واليسر، لأنه لا معنى إطلاقا لأن نحمل القارئ مسئولية إضافية في فهم غرائب اللغة
    وغالباً ما نجد مؤلفين يهربون إلى الحوار باللهجة العامية استناداً على الضرورة الفنية، وهذه قضية شرحناها سابقاً، فعلى سبيل المثال ليس من المقبول أن ترد جملة بالعربية الفصحى على لسان فلاح بسيط، أو عامل نظافة غير متعلم، لكن هذا فهم متواضع لحقيقة اللغة، أولاً لأن القارئ يتفاعل مع الحوار بعقله، وبالتالي على الكاتب أن يراعي المنطقية في الحوار وليس اللغة، فعقل القارئ سوف يترجم الجملة التي قالها الفلاح البسيط بالعامية حتى لو كتبها المؤلف بالفصحى.
    أما العقلانية فتعني أنه لا يمكن لهذا الفلاح الحديث عن برامج الفضاء المعقدة على سبيل المثال، إلى جانب أن هناك لغة وسطى بين الفصحى والعامية وهي العامية غير المتبذلة.

    بقي أمر أخير وهو أن اللغة في الرواية لا تكون على مستوى واحد، وعلى الكاتب أن يعي بأن لغة الشخصيات تختلف عن بعضها حسب الزمان والمكان والمستوى التعليمي والاجتماعي، فأهل الصعيد لهم لغة تختلف عن أهل الشمال، والبدو يختلفون في لغتهم عن سكان المدن، والمقصود باللغة هنا المستويات الدلالية لهذه اللغة والمفردات والتراكيب وحتى الأسماء نفسها تحمل دلالات بيئية، فشخص اسمه "عوضين"؛ بداهة وبشكل تلقائي نعرف أنه صعيدي.
    الشخصية المثقفة لها مستوى لغوي يختلف عن العامل البسيط، الطفل يختلف عن البالغ فلا يستخدم مفردات قوية لها مدلول عميق أو كناية أو رمزية.
    اللغة التي كان يستخدمها الناس في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، تختلف عن اللغة التي نستخدمها اليوم.
    وأخيرا؛ أكرر بأن الكاتب مع اللغة لابد أن يكون بهلوانا، يعرف كيف يتلاعب بمستويات هذه اللغة صعوداً وهبوطاً ليعطي عمله مصداقية وواقعية تجعله قريبا من نفس القارئ.

    أما فيما يخص الوصف، فالروائي عندما يقوم بالوصف لابد ألا يُسهب فيه كثيراً فيصيب القارئ بالملل، فعلى سبيل المثال أطلق النقاد على الكاتب الفرنسي بلزاك لقب "تاجر الملابس"؛ لأنه كان يطيل في وصف ملابس الشخصيات بشكل رأوا أنه مبالغ فيه، وهذا أمر منطقي؛ فما فائدة أن يعرف القارئ بأن البطل يرتدي حلة سوداء في جيبها العلوي منديل أصفر؟
    إلا لو كان لهذا المنديل دور في كشف غموض جريمة القتل على سبيل المثال.

    لذا فالوصف لابد أن يخدم الجو العام للرواية ويضيف إلى حبكتها، فلا يكون مختصراً فيُخل بالمعنى، ولا مُسهباً فيورث الملل.

    ونكمل إن شاء الله في المحاضرة القادمة والأخيرة في القسم النظري من الدورة.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6