000

20 June 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (13)

    في المحاضرة السابقة قمنا بعمل المخطط المبدئي، ورسم الخط الدرامي للرواية وتحديد عناصرها، وفي الخطوة التالية سأقوم بملء هذه العناصر حسب الفكرة التي أتناولها في روايتي.
    قم أنت أيضا بفعل نفس الشيء مع روايتك.

    الاستهلال: شاب يحاول الانتحار لكن الجيران ينقذوه في اللحظة الأخيرة.
    لاحظ أن هذا الاستهلال يثير فضول القارئ ويجعله يتساءل عن السبب الذي يجعل هذا الشاب يُقدم على الانتحار، وبما أني أمسكت بهذا الوتر فسوف أعزف عليه، بمعنى أني سوف أحاول إثارة فضول القارئ أكثر وأكثر.

    لقد قررت أن يكون هذا الشاب هو بطل الرواية، لكن ليس فرضاً عليك أن تستهل الرواية ببطلها، بل ربما تستهلها بشخصية ثانوية، أو هامشية، أو حتى شخصية لن يكون لها دور في الرواية أصلاً.

    وبما أن هذا هو البطل في روايتي؛ أي هو الشخصية التي سوف تشغل أكبر مساحة؛ فسوف آخذ بعض الوقت لبنائها أولاً، أي رسم الخطوط العريضة لشخصيته حسب الأبعاد الأربعة التي شرحناها سابقاً.
    البُعد الجسدي: ما هو شكله؟ وعمره؟ وسيم؟ متجهم؟ طويل؟ قصير؟ سمين؟ نحيف؟..
    البُعد النفسي: هل هو شجاع؟ جبان؟ ماذا يحب وماذا يكره؟ ما هي ألوانه المفضلة؟ أطعمته المفضلة؟ هل يعاني من فوبيا معينة؟ هل هو قليل الكلام أم ثرثار؟ متواضع؟ متكبر؟ مميزاته وعيوبه؟..
    البُعد الفكري: ما هي توجهاته الفكرية والسياسية والدينية والعقائدية؟ هل هو ذكي؟ غبي؟..
    البُعد الاجتماعي: ما هو عمله؟ كيف يعيش وأين؟ ما اسمه؟ وأسماء أصدقاؤه وأخوته وأخواته؟ أين ولد؟ وما هي دراسته؟ وكيف كانت حياته؟ من هم أصدقاؤه؟ أين ولد وكيف عاش طفولته؟ هل له أخوه وأخوات؟ هل أبويه على قيد الحياة؟ هل يقضي أوقات على المقهى؟ هل له علاقات غرامية؟..
    وأخيراً لا تغفل أحداث ما قبل الأحداث، ابتكر لبطلك حياتك سابقة وتاريخ يخدم روايتك.

    وهكذا؛ ارسم حياة كاملة لبطل روايتك ودونها في ملاحظاتك، حياة واقعية وكأنها لشخص من لحم ودم، ولا تنس السر لرسم شخصية حية؛ ابتكر له جرح نفسي قديم، أو قضية يحارب من أجلها في الحياة، أو صراع داخلي، ولا تنس أيضاً أن تكون هذه الصفات خادمة لفكرة الرواية، بمعنى أن البطل سوف يربح جائزة نوبل في الفيزياء على سبيل المثال، وهنا لابد أن أجعل من صفاته الذكاء، البطل سوف يصارع رجال أشداء، فلابد أن تكون من صفاته القوة البدنية..
    وهكذا لابد أن يخدم بناء الشخصية الأحداث.
    اكتب كل هذا في كراسك، وخذ وقتك ما شئت، لأن رسم شخصية حية تحمل أطراف فكرتك أمر في غاية الأهمية للبناء الروائي برمته، ثم احفظ حياة بطلك جيداً لأنك في وقت لاحق لن تكون بحاجة لحفظ هذه الحياة بل أنك سوف تعيشها، ستجد نفسك تتحدث مثله، تحب ما يحب، تكره ما يكره، تقلده في كل شيء.
    في وقت لاحق لابد أن يتلبسك بطل روايتك تماماً، وإن لم يحدث ذلك فثق أن هناك قصور ما، فالكاتب هو أسعد إنسان وأشقى إنسان في الوقت ذاته لأنه وحده القادر على صنع حيوات كثيرة في خياله، ثم يعيشها فيسعد أو يشقى بها.

    حسناً؛ بعد تفكير كثير وبحث وترتيب لهيكل روايتي، فقد قررت استخدام تقنية صعبة بعض الشيء لكتابة الرواية، وبطبيعة الحال أنت لست ملزماً في روايتك بهذه التقنية الصعبة، لكني آثرت استخدامها كمثال تطبيقي كي تكون القوالب الأبسط فيما بعد أسهل عليك.

    هذه التقنية هي أني جعلتها رواية بداخل رواية، أي هما روايتين بداخل بعضهما، وللتقريب يمكنك مراجعة رواية "قواعد العشق الأربعون"؛ فهي مبنية على نفس التقنية. إلى جانب أني سأجعل الرواية تعتمد على الفلاش باك،
    أي الاسترجاع من الذاكرة والحكي، ولهذا سأجعل الحدث الانعطافي الأول هو اللحظة التي يبدأ فيها البطل الحكي، ومن هذه اللحظة تبدأ ملامح الحكاية في الظهور، أو بمعنى أبسط تبدأ الرواية الثانية والأساسية.
    لكن لا تنس أبدأ عنصر التشويق، ولا تكشف أوراقك للقارئ دفعة واحدة.

    في قلب الرواية تكون الأحداث التي يرويها البطل، ولاحظ هنا أن الراوي في المقدمة كان من خارج الأحداث (راوي خبير)، والسرد هو سرد موضوعي، وبداية من الحدث الانعطافي الأول سوف يلعب البطل دور الراوي (راوي مشارك)، والسرد سيصبح سرد ذاتي، لكن الراوي الأساسي لن أجعله يختفي.
    مرة أخرى؛ هذا لأني قررت استخدام تقنية صعبة سأجعل عن طريقها الرواية تتحول إلى رواية بداخل رواية.

    قد يبدو الأمر صعباً، ولكن كلما تقدمنا في تفصيل الرواية أكثر، فسوف يتضح الأمر، وسنرى كيف سنجعل من الرواية حياة كاملة حافلة بالأحداث والشخصيات الأساسية والثانوية والهامشية، لا تتعجل وتقدم معي خطوة بخطوة، وسوف تكتشف أن كتابة رواية ليست بالأمر الصعب، أنت فقط تحتاج أن تتعلم، وتمارس، وتعرف كيف تنظم أفكارك كي لا يصيبك الملل، أو تتوه بين الأحداث.

    وتذكر دائما أن الرواية هي كذبة تكذبها، وقديما قالوا: كذب منظم أفضل من صدق عشوائي، فأنت تكذب كذبة وتريد أن تجعلها محكمة ومُقنعة؛ لذا لابد أن تفعل ما بوسعك حتى يصدقك القارئ الذي يعرف سلفاً أنها كذبة، لكنه يريد تصديقها.

    وقبل أن نكمل، راجع في كراسك أنك دونت فكرتك العامة التي تريد طرحها واختصرتها في جملة واحدة، وبالتالي أصبحت تعرف بداية روايتك ونهايتها، ثم كتبتها في شكل قصة قصيرة، ثم قمت برسم المخطط الدرامي، والآن أنت في مرحلة التفصيل، وتفصيل التفصيل حتى نصل إلى تحديد الفصول وأحداث كل فصل، وكيف ترمينا نهاية الفصل إلى الفصل التالي له بتشويق للقارئ حتى نصل إلى النهاية.

    حددنا الآن الاستهلال، ثم المقدمة، ثم الحدث الانعطافي الأول الذي تبدأ على إثره أحداث قلب الرواية، وفي هذا القلب يقع الانعطاف المركزي، وفي روايتي هو اللحظة التي يصل فيها البطل إلى فلسطين.
    قم أنت أيضاً بتحديد هذا الانعطاف المركزي في روايتك، وخذ وقتك في التفكير العميق لتحديد مكان هذا الحدث، وتذكر أنه تقريبا يقع في منتصف الرواية.
    ولكن هل تعرف لماذا استخدمت أنا هذا الحدث تحديداً لأجعل منه الانعطاف المركزي؟
    لأنه حتى هذه اللحظة ليس هناك صراع حقيقي، وإنما تمهيد للصراع، تخيل حتى منتصف الرواية وأنا أمهد فقط للصراع الأساسي، وهذا هو السبب الذي جعلني أستخدم تقنية الرواية بداخل الرواية حتى لا يمل القارئ، وحتى أستطيع ابتكار صراعات فرعية تخدم على الجملة الصراع الرئيسي.
    لكن يمكنك بدأ الصراع مبكراً لا مشكلة في ذلك، يمكن أن نبدأه حتى من الاستهلال إن أردت، في النهاية إن لخيالك المضمار وحده، والأمر والنهي لتحديد كل شيء.

    الحدث الانعطافي الثاني سأجعله اللحظة التي يقرر فيها البطل القيام بعملية استشهادية؛ لأن هذا ليس قرار سهل، فما الذي سيجعل البطل يقتنع بالقيام بذلك؟ ولماذا؟ وكيف سيتحول هذا التحول العنيف؟

    النقطة التالية هي ذروة الصراع، لكننا لم نتحدث حتى هذه اللحظة عن الصراع نفسه أليس كذلك؟
    حسنا، قلنا إن فكرة الصراع تعتمد على الصراع التاريخي بين الخير والشر، لذا فلابد أن يكون للبطل أصدقاء يساعدونه على الخير، ولابد أن يكون هناك أعداء يقفون في وجهه.
    أعداء بطلنا هم كيان الاحتلال الصهيوني، ولا شك أنهم قوة أكبر كثيراً من قوة البطل وأصدقاؤه، وبديهياً يبدو وكأن البطل لن ينتصر في هذه المعركة.
    إلى جانب أن هناك صراع داخلي؛ بداخل عقل البطل نفسه، فهو دائما يتساءل عن جدوى مقاومة جيش كامل، وهل يخوض غمار هذا الصراع محسوم النتيجة أم لا؟
    ذروة الصراع هنا عندما يقف البطل أمام أعداؤه وجهاً لوجه لحظة تنفيذ العملية الاستشهادية، وتبدأ الهزيمة الحتمية تلوح في الأفق قبل أن يحدث التحول الذي يدفع بنا نحو نهاية الرواية.

    راجع الآن ما قمت بإنجازه في روايتك، قبل التقدم نحو الخطوة التالية وهي تفصيل التفصيل.
    خذ وقتك واستخدم خيالك لابتكار هذه الأحدث، وسأعطيك الآن أحد الأسرار التي تساعدك في عملية التفكير هذه..
    استغل لحظات ما قبل النوم؛ ففي هذه اللحظات تنهمر الأفكار، حاول أن تركز على روايتك باعتبارها فيلم سينمائي تشاهده، وفي الصباح قد بتدوين ما رأيته بخيالك.
    ولا تنس أني لم أرتب هذه الرواية التي أشرحها لك بين ليلة وضحاها، ولم أرسم الخط الدرامي وهيكل الرواية في لحظة تجلي، لكن الأمر استغرق وقت طويل من التفكير والتخيل، لذا لا تغفل ما قلناه سابقاً بأن تعطي نفسك الفرصة كاملة للتفكير وتقليب فكرتك ذات اليمين وذات الشمال، كي تختار الأفضل من بين البدائل والحلول الدرامية التي سوف يبتكرها خيالك.

    ونكمل في المحاضرة القادمة بإذن الله.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6