000

19 June 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (12)

    في المحاضرة السابقة بدأنا التطبيق العلمي لكتابة الرواية، وقمنا بتحديد الفكرة وتدوينها، ثم الاستفاضة أكثر وكتابتها في شكل قصة قصيرة تحمل الخطوط العريضة للحكاية من أولها لأخرها.
    وفي هذه المحاضرة سنبدأ بالتفكير الجزئي، والتشعب أكثر، وكالعادة بأسلوب بسيط دون الخوض في تعريفات أكاديمية أو جامدة تستعصى على الفهم خاصة بالنسبة لكاتب في بداية طريقة.
    وهام جداً أن تراجع المحاضرات السابقة، لاسيما ابتداء من المحاضرة الماضية (رقم 11)، فالقادم كله مبني على بعضه.

    الآن أنا لدي بداية الرواية، وقلبها، وخاتمتها؛ إذن لدي رواية مُختصرة، أو كأنها نبذة عن رواية.
    إذن لقد أنشأت قضيب القطار الذي سوف تسير عليه الأحداث من أول محطة إلى أخرها.
    المقدمة: حياة الشاب في مصر ثم سفره إلى فلسطين.
    القلب: انضمامه إلى حركة المقاومة.
    الخاتمة: القيام بعملية استشهادية.

    قم الآن بتقسيم فكرتك التي دونتها إلى أقسام ثلاثة (مقدمة – قلب – خاتمة) على نهج المثال السابق، ولابد أن أؤكد دائما؛ أن هناك الكثير من الأساليب، تعلم الأساس ثم ابتكر ما شئت فيما بعد.

    لقد اتضح قالب الرواية في مثالنا التطبيقي من فكرتها، وهو قالب درامي تشويقي، ولكن هل معنى هذا أن تظل الرواية في هذا القالب من بدايتها إلى نهايتها؟
    أجل، لابد ألا تُغادر هذا القالب كقالب أساسي، لكن انظر إلى الرواية باعتبارها حياة حقيقية، فبطلنا ربما يقع في الحب، وهنا تكون الرومانسية متنفس للقارئ وسط الصراعات، وربما ينام فيحلم لتكون الفانتازيا تطعيم آخر للقالب الدرامي، وهكذا تضاف القوالب الفرعية، لأن الرواية عالم حافل بالأحداث.
    والمقصود هنا أن يكون للرواية قالب أساسي، وفي الوقت ذاته محلاه بقوالب أخرى كي لا تبعث على الملل، تذكر دائما أن الرواية هي عالم متكامل، لكنه مُختصر في صفحات مكتوبة.

    ارسم الآن خط على ورقة، وقم بتقسيمه إلى ثلاثة مراحل لكل منها نسبة مئوية، مع التأكيد على أن هذا الأمر ليس إجبارياً وهذه النسب تستطيع تغيرها، حتى طريقة التقسيم نفسها ليست قواعد جامدة، ويمكنك الابتكار فيها ما شئت.
    المراحل الثلاثة هي: 
    المقدمة؛ وتشغل مساحة 20% من الرواية، وفيها حياة البطل في مصر ثم سفره إلى فلسطين.
    القلب؛ ويشغل مساحة 70% من الرواية، وفيه حياة البطل في فلسطين وانضمامه لحركة المقاومة.
    الخاتمة؛ وتشغل مساحة 10% من الرواية، وهي قيام البطل بعملية استشهادية.

    الآن أنا قمت ببناء الهيكل الأساسي للرواية، قم ببناء هيكل روايتك بنفس الطريقة قبل أن نتناول كل مرحلة بتفصيل أكثر.

    المقدمة هي التمهيد والتعريف بالرواية، وتبدأ بشيء مهم هو (الاستهلال). والاستهلال من الأهمية لدرجة أن الرواية كلها قد تعتمد عليه، فهو أول ما يقابله القارئ فإما يثير فضوله لاستكمال الرواية، أو يجعله يتوقف فلا يقرأها.
    وهناك العديد من النظريات الخاصة بالاستهلال لكن لا تربك نفسك، فقط فكر في الاستهلال باعتباره المفتاح الذي تُغري به القارئ.
    تخيل أننا أصدقاء في الواقع، وعندما قابلتك قلت: "يالها من مطيبة؛ هل سمعت بما حدث؟ إن النار وصلت لعنان السماء، والسيارات كانت تنفجر كأنها علب كبريت، لا شك أن هناك عشرات راحوا ضحايا.."
    أنت بالطبع لم تسمع شيء عن هذا الحادث؛ فهل ستقابل ما قلته لك بغير مبالاة؟ أم ستكون شغوفاً لمعرفة التفاصيل؟
    سأقول لك نفس الجملة السابقة لكن بشكل مختلف:
    "لقد حدث تفجير إرهابي بمبنى كذا بمنطقة كذا والنار وصلت لعنان السماء، والسيارات كانت تنفجر كأنها علب كبريت، وهناك عشرات راحوا ضحايا" 
    هو نفس الكلام بالضبط، لكني أوضحت لك كل شيء وانتهى الأمر، وأي حكي بعد ذلك سيكون حشواً وتفاصيل ليست ذات قيمة، لقد أعطيتك المعلومة كاملة ولم أحجب عنك ما يثير فضولك لمعرفة المزيد.
    وهذا هو مربط الفرس في الاستهلال الروائي، فنحن جميعاً نستخدم نفس الكلمات، لكن ترتيب هذه الكلمات قد يعطيها بُعد آخر، وهو ما شرحناه آنفاً بمصطلح الانزياح؛ أي إزاحة اللغة من مكانها إلى مكان آخر، سواء باستخدام المحسنات البديعية للوصول إلى نص فني، أو تغليف الكلام بأسلوب تشويقي تُخفي من خلاله تفاصيل مهمة حتى لا تكشف فيه أوراقك للقارئ دفعة واحدة.
    لكن تذكر ألا تختم روايتك دونما تقديم الأجوبة.

    سأقول لك مثال آخر: 
    يُروى في الأثر عن رجل رأى فيما يرى النائم أن جميع أسنانه سقطت، وذهب إلى مُفسر أحلام؛ فقال المُفسر: سوف يموت جميع أهلك.
    فحزن الرجل وذهب إلى مُفسر آخر، فقال المُفسر الآخر: ستكون أطول أهلك عمرا.
    ففرح الرجل؛ رغم أنه نفس التفسير بالضبط، لكن الأسلوب غيّر إحساسه من حال إلى حال.

    خذ على سبيل المثال الاستهلال في رواية معاصرة هي أنتيخريستوس؛ يقول المؤلف:
    لقد أصبحنا وحدنا أخيراً أنا وأنت، أخيرا انفردت بك، وصرت أملكك، وأملك عينيك في كل مرة تنظر فيها إلى كلماتي، وتقرأ فيها سطوري. ستكون هذه أخر رواية تقرأها لي في حياتك، فأنا على شفى حفرة من الموت، ولم يتبقى لي في هذه الحياة إلا سويعات لا أدري عددها لكني أعرف أنها قليلة، وبرغم ذلك فهي كافية لأسقيك بما أريد أن أسقيك من الحديث.
    إنه يحدثك بشكل مباشر؛ وإلى جانب أنه استطاع إثارة الفضول لديك لاستكمال القراءة كي تعرف ما يقصد؛ فقد جذبك من أول لحظة ليضعك في موضع المروي له.

    باختصار؛ اهتم بالاستهلال؛ فهو سطور قليلة قد تجذب القارئ أو تنفره، وحاول أن تراجع الروايات التي قرأتها وركز كيف استهل الكاتب روايته لتتعلم أساليب الاستهلال.
    ولا تنس أن الاستهلال هو بداية المقدمة، والمقدمة هي مرحلة التمهيد للأحداث، هي الأساس الذي تُبنى عليه الرواية، وفيها يتعرف القارئ على الشخصيات، والأماكن، وأحداث ما قبل الأحداث، والزمان، والفكرة العامة لتيمة الرواية، وتنتهي المقدمة بحدث قوي يدفع بمجريات الأحداث نحو قلب الرواية، ويسمى (الحدث الانعطافي الأول)، وهو تقنية استعرتها من فن كتابة السيناريو.

    المرحلة الثانية هي القلب، وهي الأحداث الأساسية للفكرة برمتها، وفي وسط القلب لابد من تحديد (الانعطاف المركزي)، وهو مثل الحدث الانعطافي الأول؛ لكنه عبارة عن تحول جوهري في الحكاية، أو انقلاب يضيف للرواية المزيد من العمق؛ مثل تحول الرجل الطيب إلى شرير بدافع الانتقام، أو استبدال قناعات راسخة بأخرى، أو ظهور عامل جديد يغير من توازنات القوى بميزان الصراع، وهكذا.
    الانعطاف المركزي هو تحول قوي يدفع الأحدث نحو تشابك أكثر لتتحرك نحو (الحدث الانعطافي الثاني)؛ وهو أيضاً حدث قوي يدفع بالرواية نحو ذروة الصراع (العقدة)، وأخيراً تأتي الخاتمة؛ وهي مرحلة انحصار الصراع وتكشّف الحبكة لتقود إلى نهاية الرواية.

    وعندما نذكر نهاية العمل الروائي فلابد من الإشارة إلى أهميتها فهي على نفس درجة أهمية الاستهلال، لابد أن تجعل القارئ يخرج من روايتك سعيداً بانتصار الخير، أو على الأقل إمكانية انتصاره يوماً ما، لابد أن تكافئ الأبطال الذين جعلت القارئ يتعاطف معهم على طول روايتك، وتُجازي الأشرار.
    هذه هي النهايات السعيدة والمفضلة في أغلب الأحيان، لكن هناك نوع من النهايات هي النهايات السوداوية؛ وإذا قررت ختام روايتك بهذا النوع السوداوي فلابد أن تكون واعياً تماماً للأثر الذي تريد تركه في نفس القارئ، ولك أن تأخذ على سبيل المثال النهاية السوداوية لرواية جورج أرويل (1984) وكيف كانت اللبنة الأخيرة في تلك الرواية العبقرية التي تركت بصمة في تاريخ الفن الروائي.
    وهناك نوع من النهايات هي النهايات المفتوحة، وفيها يترك الكاتب الفرصة للقارئ لتخيل كيف ستكون النهاية، ويُستخدم هذا النوع من النهايات غالباً مع الأعمال التي تحتمل أكثر من نهاية، لكن لا تنس أن تعطي القارئ بداية خيوط تمكنه من توقع نهاية معينة وإلا ستبدو روايتك كأنها مبتورة وناقصة.
    وأخيراً لا تنس أن تُغلق كل الأبواب التي فتحتها، أي لا تترك مصير أي شخصية رئيسية مبهماً، أو لا تجاوب على سؤال طرحته ضمن الأحداث، أو لا تنهي حدث مهم بدأته في مرحلة ما، أو لا تكشف أمر استخدمته للتشويق.
    لابد ألا تجعل القارئ يخرج من رواياتك وهو يتساءل عن مصير فلان؟ أو ماذا حدث بعدما حدث كذا؟
    اترك القارئ يتساءل فلسفياً؛ وهذا هو النجاح، لكن لا تجعله يتساءل في بناء روايتك حتى لا تبدو ناقصة.

    وعليه يمكن استكمال المخطط، أو الخط الدرامي للأحداث على النحو التالي:
    الاستهلال 
    المقدمة 
    الحدث الانعطافي الأول 
    القلب 
    الانعطافي المركزي 
    الحدث الانعطافي الثاني 
    ذروة الصراع 
    الخاتمة 
    النهاية 

    ومازلت أؤكد أنك لست مضطراً للالتزام بهذا النموذج، ولكن أهميته أنه يوضح لك كيف تبني هيكل رواية حتى إذا جاءت مرحلة الكتابة فلا تكون مضطرا للتوقف كي تفكر في سيرورة الأحداث، وبالتالي تتوه أو تمل ولا تعرف وجهتك الصحيحة.
    ففي الحياة الواقعية؛ إذا خرجت من بيتك هائماً على وجهك دون هدف فأي مكان تصل إليه سيصبح هدفاً يعتمد على حظك، لكننا لا نريد أن نترك شيء للحظ، لهذا نحدد هدفنا وخطتنا كاملة قبل أن نخطو خطوة واحدة.
    وهذا هو هدف المخطط الروائي، لكن لاحظ أنك بعدما تنتهي منه وتبدأ مرحلة الكتابة، فسوف تجد أنك تعدل عليه، وهذا أمر طبيعي لأن كثير من الأفكار سوف تأتيك في هذه المرحلة، أي باختصار؛ إن المخطط الروائي دليل ومرشد فقط، لكنك لن تلتزم به حرفياً، فهو يساعدك على ترتيب افكارك، وتحديد خطتك ليس إلا.

    ونستكمل في المحاضرة القادمة بإذن الله لنرى كيف نملأ هذا المخطط بفكرتنا، ولا تنس تطبيق تلك الخطوات على روايتك.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6