000

19 June 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (11)

    انتهينا بفضل الله من المنهج النظري للدورة في المحاضرة السابقة، وهذه هي المحاضرة الأولى في المنهج التطبيقي؛ وفيه سوف نعمل على تطبيق ما تعلمناه لنكتب رواية معاً خطوة بخطوة، بداية من الفكرة، ثم تفصيل الحكاية وضبط الحبكة، مروراً برسم الشخصيات وتحديد الخط الزمني والدرامي والصراع، وانتهاء بمرحلة الكتابة.
    وجدير بالذكر أن هناك عشرات الطرق لكتابة رواية، ويمكنك أن تكتب بأية طريقة شئت، لكن ما سوف نشرحه بإذن الله هو إحدى هذه الطرق؛ أقوم فيها بالدمج بين فنيات الرواية وتقنيات السيناريو.
    ما أطلبه منك أن تتعلم فقط كيف تُبنى الرواية، لكن اتبع شغفك دائما ولا تلتزم بأسلوب أحد، فعاجلا أو آجلا سيكون لك أسلوبك الخاص والمميز، وطريقتك الخاصة لمعالجة الأحداث والترتيب الدرامي.

    لديك فكرة رواية؟ 
    هذه دون شك خطوة بديهية؛ إذ لابد أن يكون عندك فكرة تريد طرحها، أو قضية تريد معالجتها قبل أي شيء، فالكاتب لا يضع كلمات متراصة بجوار بعضها، بل هو يعالج فكرته أولاً في عقله، ويرتب ما يريد قوله بشكل تشويقي كي لا يبعث على الملل، فالرواية مساحة ضخمة وليست قصيدة أو قصة قصيرة يستطيع القارئ أن يجبر نفسه على إكمالها حتى لو لم تثير لديه الفضول وتمتعه، إنه لن يكلف نفسه عناء التجربة ولن يكمل القراءة إن لم تجذبه من البداية.
    فتخيل أنك تقدم وجبة طعام لأحد، إن لم تكن شهية فليس هناك ما يجبره على الأكل، وحتما سوف يتركها.
    تذكر ذلك جيداً؛ تذكر أن مهمتك هي إمتاع القارئ وإفادته.

    لن نتحدث عن مصدر الأفكار بإسهاب، أو من أين تأتي الأفكار، لكن اختصاراً يمكن القول بأن أول مصادر الأفكار هو الواقع من حولك، إلى جانب أنها تأتي أحياناً من مصدر غير متوقع، فمجرد رؤيتك لدمية مكسورة قد يبعث هذا المشهد بفكرة إلى عقلك، هذا لأن الأفكار ليست جهد بشري بل أن مصدرها علوي يحتاج فقط إلى سبب، أما الجهد فيكون لتنفيذ أو تحقيق هذه الفكرة.
    وإجمالاً لا تظن بأن الأفكار تأتيك فقط وأنت مسترخي على شاطئ البحر، أو مستمتعاً بإجازة سياحية، لكنها يأتي كثيراً من قلب المعاناة؛ من قصة حقيقية حدثت معك، أو مع صديق أو قريب أو حتى سمعت عنها.
    أنت لديك الآن فكرة تريد طرحها.. في هذه المرحلة، حاول أن تختلي بنفسك أكثر وقت ممكن، استغل لحظات ما قبل النوم وقلّب فكرتك في رأسك ذات اليمين وذات الشمال إلى أن تشعر بأنها بدأت تختمر، وهنا سوف ترى بجلاء القالب الذي سوف تنتمي إليه الرواية، وستعرف الغرض منها، والأثر الذي تريد تركه في نفس القارئ، أو بالأحرى ستكون قادراً على تحديد ما تريده بالضبط.

    الآن أكتب فكرتك بمجموعة قليلة من الكلمات أو السطور مثلما سأفعل أنا مع فكرتي..
    شاب مصري يذهب إلى فلسطين وينضم إلى حركة المقاومة ليقوم بعملية استشهادية
     هذه هي الفكرة الرئيسية التي سوف أبني عليها روايتي، احضر كراس خاص ودوّن في أول صفحاته فكرة روايتك بجملة واحدة وبسيطة مثل الجملة السابقة.
    هل تصدق أن هذه الجملة البسيطة هي الرواية؟ 
    لا بأس؛ سأقول لك نكتة..
    هناك رجل قليل الكلام، أرادت زوجته إثارته ليتحدث معها فسألته: ما هي قصة سيدنا يوسف؟
    فقال لها: تاه ثم وجدوه.
    هذه النكتة ليست على سبيل التندر والفكاهة، ولكنها إشارة لما فعلناه للتو، فهذا الرجل اختصر قصة نبي الله يوسف عليه السلام في جملة واحدة، مثلما اختصرنا نحن رواية كاملة في جملة واحدة أيضاً، هذه الجملة هي الفكرة الأساسية، أو الحبكة الرئيسية للرواية، والتي ستدخل بعد ذلك في مرحلة العصف الذهني، لكنه عصف يقوم به شخص واحد فقط هو أنت.
    والعصف الذهني باختصار هو البحث عن حل لمشكلة ما عن طريق تجميع قائمة من الأفكار والحلول.
    هل تذكر الخطوة التي شرحناها في المنهج النظري وقلنا إنها سوف تساعدك كثيراً في مرحلة اختمار الفكرة؟
    حسناً؛ هي بحث التيمة.
    وبما أن روايتي عن القضية الفلسطينية، فسوف أدخل إلى الفضاء الإلكتروني ابحث وأقرأ عن فلسطين وتاريخها، والفلسطينيين وعاداتهم، واليهود وشعائرهم، وحركة المقاومة. سأعرف ما هي منظمة فتح، وما هي منظمة حماس، وكيف ظهرت حركة المقاومة نفسها، والمجاهدين الأوائل.
    سوف أشاهد أفلاماً وثائقية عن الصراع العربي الصهيوني، وأعرف كيف نشأت فكرة الدولة اليهودية، ومن هم الذين نادوا بها.
    سوف أشاهد صوراً لفلسطين وخرائط، وأدخل على برنامج جوجل إيرث لأعرف دروبها، ومدنها، وشوارعها، وأسماء هذه الشوارع، والميادين، وشكل البيوت، وملامح الناس، والعادات والتقاليد، والفلكلور الشعبي هناك..
    هذه مرحلة بحث التيمة؛ اقرأ وشاهد كل ما تطاله يدك ويحمل معلومة من قريب أو بعد لروايتك التي تنوي كتابتها، ودوّن كل المعلومات أول بأول.
    أما لو كنت تكتب عن زمان ما؛ فابحث عن شيء يمت بصلة لذلك الزمن، ولو كنت تكتب عن مكان ما قريب منك فاذهب إليه، فالمعاينة مُعايشة.

    حتما سوف تشعر بأنك تائه في هذه المرحلة، وغارقاً وسط الكثير من المعلومات؛ وهذا إحساس طبيعي، لكن في نفس الوقت سوف تبعث المعلومات التي تقرأها إلى عقلك أفكاراً جديدة تخدم الفكرة الرئيسية، وأفكار أخرى تتفرع عنها، سوف تلمع في رأسك مشاهد متفرقة قد لا يجمعها رابط، وحوارات بين أشخاص لا تعرفهم، لكنك ستعرفهم لاحقاً؛ إنهم أبطال روايتك الذين ستراهم يولدون أمام عينيك كأنما يخرجون من الضباب.
    دوّن كل هذا بشكل عشوائي لا تخف، فهذه مرحلة زخم الأفكار، وبلورة الحكاية، ومهما بدت شعثاً وشذراً لا تقلق واصبر وتابع وسوف تُدهش في وقت لاحق كيف ضمها خيط واحد كأنها حبات مسبحة متناسقة.
    ولا تنس أن عملية بحث التيمة إلى جانب أنها تمدك بالمعلومات والأفكار، فهي هامة جداً للوصول إلى الإقناع، والإقناع يعزز الصدق، والصدق أساس عملية الكتابة برمتها.

    الآن سوف نفترض جدلاً أن عملية بحث التيمة التي استغرقت منك أيام وربما أسابيع انتهت، نقول فرضاً لأنها في الواقع لا تنتهي حتى تكتب كلمة النهاية في أخر صفحات الرواية، لكن لنفترض على الأقل أنك استطعت تجميع معلومات كافية للبدء في تفصيل الرواية، وهي المرحلة التالية.

    اكتب روايتك الآن باعتبارها قصة قصيرة؛ وهذا هو الهيكل الأساسي للرواية، والذي سوف يتفرع فيما بعد، وبالطبع لا تلتزم بقواعد القصة القصيرة، ولا تهتم بالأسلوب أو اللغة أو أي شيء، فأنت تكتب هذه القصة القصيرة لنفسك، لتكون مرشد لك، اكتبها حتى بالعامية إن شئت.
    وتعال نكتب روايتنا ومثالنا معاً..
    شاب مصري يشعر بالضياع، فيفكر بالهجرة، ولا يجد أمامه سوى الهجرة غير الشرعية فوق إحدى مراكب الصيد إلى أوروبا، فينتقل من دولة إلى أخرى حتى يستقر به الحال في ألمانيا، وهناك يلتقي برجل أعمال فلسطيني ويعمل معه، يرسله الرجل في مهمة تجارية إلى لبنان ويطلب منه دخول فلسطين لتسليم هدية منه إلى ابنته. يدخل الشاب إلى الأراضي الفلسطينية بمساعدة أفراد من المقاومة وتذكية من رجل الأعمال، لكن قوات الاحتلال تلقي القبض عليه، وهنا يبدأ احتكاكه بالمجاهدين، ثم يهرب معهم من السجن ليدخل في صراعات نفسية وتحولات فكرية، فيقتنع بأن العمليات الاستشهادية هي أسمى أنواع الجهاد بعدما كان يظنها مجرد عمليات انتحارية، إلى أن يُقرر القيام بواحدة، وبالفعل وعن طريق حزام ناسف يقوم بتفجير نفسه وسط مجموعة من الجنود عند إحدى النقاط الحدودية
    هذا هو الهيكل، مجرد خطوط عريضة ساعدني بحث التيمة للوصول إليها، وسوف أسترشد بها لوضع المخطط الكامل، ودون شك أنا أعرف الآن أن روايتي تدور في قالب درامي، وأن الرسالة التي أريدها أن تصل للقارئ هي أن فلسطين أرضنا ولا يمكن أن نتنازل عنها مهما حدث.

    أخبرني الآن؛ هل هذه فكرة جديدة؟ أم فكرة قُتلت بحثاً ومعالجة؟ بالطبع سوف تظن بأنه ليس ثمة زاوية بهذا الموضوع إلا وتطرق إليها أحدهم، ولكن تذكر أنه في كل فكرة هناك عشرات الزوايا الجديدة، والأراضي البكر التي لم يرتادها كاتب من قبل.
    اكتب روايتك بنفس الطريقة واتبعني خطوة بخطوة على سبيل التجربة لترى كيف تتحول بذرة إلى شجرة ضخمة.

    وفي المرحلة التالية سأبدأ في التفكير الجزئي، وأحد أهم الأسرار في هذه المرحلة هو إحضار قصتك إلى أرض الواقع، بمعنى أن تتخيلها قصة حقيقية تريد أن تنفذها بنفسك، ثم ابدأ بالسؤال عن الكيفية؟
    كيف سأصل إلى من يساعدني للهجرة غير الشرعية؟
    على أي الشواطئ الأوروبية سوف أنزل؟
    ما هي الطرق التي سوف أسلكها للوصول إلى ألمانيا حتى لو كان الوصول إليها قدراً لم أخطط له؟
    هل سيكون لي أصدقاء؟ أعداء؟
    ولماذا أسافر أصلاً؟ ما هو الدافع؟
    وما القوي المضادة والمخاطر والصعوبات التي سوف أواجهها؟
    ومن أي الطرق سوف أدخل فلسطين؟
    وفي أي السجون سوف أسجن؟ وكيف سأهرب؟
    كيف ستتحول قناعاتي للوصول إلى أخطر قرار يأخذه إنسان بتفجير نفسه؟
    وهل هذا القرار صائب؟

    فكر في روايتك بنفس الطريقة، تخيلها أمامك على شاشة سينما، وأقول تخيلها لأنك في وقت لاحق لن تكون قادر على التخيل، بل ستجد نفسك متورطاً فيها، تعيشها كأنها واقع.
    نفذ الخطوات السابقة للتجربة فقط إلى أن نلتقي بإذن الله في المحاضرة القادمة لنرى كيف تتشعب الرواية، وتولد الشخصيات، وينشأ الصراع، وتتحول سطور قليلة إلى عالم رحب من الأحداث، وكيف سنعالج الفكرة بطريقة تشويقية، وكيف سنعثر على الزاوية الجديدة التي تبلور هذه الفكرة.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6