000

12 June 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (10)


    انتهينا في المحاضرة السابقة من المنهج النظري، وجاء الموعد مع مراجعة سريعة وبعض النصائح قبل الدخول إلى المنهج التطبيقي.
    قالوا قديما: الشعر ديوان العرب.
    لكن الفن الروائي منذ ظهوره على الساحة الأدبية العربية؛ استطاع زعزعة عرش الشعر بعنف، ولن أكون مبالغاً إن ملت إلى آراء الكثير من النقاد بأن الرواية احتلت مكانة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن.
    ولهذا التحول أسباب عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر قدرة الرواية على التأريخ لحقبة زمنية، ولك أن تأخذ نجيب محفوظ مثالاً؛ وكيف استطاعت رواياته أن ترسم لنا صورة لمصر في زمن لم نكن فيه حاضرين.
    فغالباً لولا روايات نجيب محفوظ لما عرفنا -نحن أبناء هذا الزمن- شيء عن شكل الحياة والتراكيب السكانية في العشرينات وما قبلها وبعدها، ولولا "طنطورية" رضوى عاشور، و"باب الشمس" التي كتبها إلياس خوري، وروايات غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم؛ لظلت القضية الفلسطينية عبارة عن محنة تقريرية تفتقر إلى الحياة والمعايشة.

    الرواية إذن هي تأصيل زمني، والروائي الذي يلعب دور المؤرخ يحفظ لنفسه مكاناً لزمن طويل، وراجع كل الروايات العظيمة وستجد أنها بشكل أو بآخر في حالة تماس مع التاريخ، لكن هذا لا يعني الإبحار في التاريخ لكتابة رواية، بل أن معالجة الحقبة الحاضرة وقضاياها تظل هي الباعث الحقيقي لكل عمل مبدع.
    وهناك الكثير من الأسباب الأخرى التي جعلت الرواية تحتل مكانة بارزة منها قدرتها على الوصول لشريحة ضخمة من الناس، وكذا المساحة الواسعة التي تمنحنها للكاتب، وفي العصر الحديث قدرتها على التحول إلى أعمال درامية وسينمائية، فعلى حد تعبير الأستاذ أسامة أنور عكاشة: "نحن نعيش زمن الرواية المرئية"
    كل هذه الأسباب وغيرها لا تقول بأنك على الطريق الصحيح بقدر ما تُحمّلك برسالة ثقيلة، فأنت كروائي تحمل على عاتقك مهمة إن لم تُجدها فسوف تضيع مع الزبد الذي يذهب جفاءاً.

    ودون إسهاب أكثر؛ دعنا نراجع ما تعلمناه على مدار تسع محاضرات، بدأت بالتعريف بمنهجية هذه الدورة، وأنها تنقسم إلى منهج نظري نحن في ختامه الآن، ومنهج تطبيقي سوف نكتب فيه معاً رواية من البداية خطوة بخطوة، وأخيراً منهج عملي وفيه سوف نتعلم كيف تكتب الرواية وتنسقها بشكل صحيح.
    تحدثنا عن المكونات الثلاثة الرئيسية للرواية وهي الراوي، والمروي له، والحبكة والحكاية.
    الراوي إما راوي خبير أي شخص من خارج الأحداث، أو راوي مشارك وهو شخص من داخل الأحداث.
    والحبكة هي نوعين، حبكة درامية وهي العلاقة المنطقية والسببية بين الأحداث، وحبكة روائية وهي معالجة الفكرة الرئيسية والأفكار المتفرعة عنها والمرتبطة بها حسب مخطط دارمي.
    وقلنا إن الحبكة تعني بتنظيم حركة أفعال الشخصيات في الزمان والمكان، ومنطقية هذه الحركة، أي إنها عبارة عن مجموعة أحداث مترابطة فيما بينها ترابط منطقي.
    أما المروي له فهو شخص تخيلي نفترض أن الراوي يروي له الحكاية، لكن براعة الكاتب أن يُشعر القارئ بأنه هو المروي له، والبراعة الأكثر هي جعله متورطا في الأحداث كأنه أحد أبطالها.
    وتحدثنا عن السرد؛ وهو إسهام الراوي في الرواية، وقلنا إنه إما سرد موضوعي (في حالة الراوي الخبير)، أو سرد ذاتي (في حالة الراوي المشارك)،  والعرض؛ وهو الحوار بين الشخصيات، وكيف أنه لابد أن يأتي هذا الحوار متوافقا مع أبعاد العمل ومناسبا له. أما الشخصية؛ فقد أفردنا لها محاضرتين كاملتين لشدة أهميتها؛ وقلنا إن مصدر الحبكة هو الشخصية، وكلما نجح الكاتب في بناء شخصية حية ومٌقنعة؛ جاءت الحبكة قوية ومقنعة.
    وتحدثنا عن أنواع الشخصيات، والأنماط الشخصية والسلوكية، وكيف تستطيع بناء شخصية حية من خلال أبعادها الأربعة (الجسدية والنفسية والفكرية والمجتمعية)
    ثم تناولنا الحدث؛ وقلنا إنه مجموعة من الأفعال؛ كلما نجح الروائي في ترتيبها بشكل صحيح ومُقنع، فإن فرصة جذب القارئ للرواية تصبح أكبر.
    والزمن؛ وكيف أنه يتكون من زمن داخلي (نفسي) وزمن خارجي (فيزيائي).
    ثم المكان وهو الحيز الجغرافي الذي يحوي حدث ما في زمان ما؛ هو الأرض التي تدور عليها أحداث الحكاية، ويعيش فوقها أبطال هذه الحكاية.
    ولا تنس أن هناك ترابط قوي يصعب فصله بين الحدث والزمان والمكان.
    وتناولنا الصراع وأنواعه وطرق معالجته، وكيف أنه ينقسم إلى صراع داخلي، وصراع خارجي، وشرحنا ارتباط عنصر التشويق به.
    وأخيراً كان الحديث عن الفكرة، والبناء، وبحث التيمة.

    والآن؛ تعال إلى بعض النصائح، وهي خاصة بما تعلمناه، إذ أن هناك مجموعة أخرى من هذه النصائح لكنها مؤجلة لما بعد الانتهاء من المنهج التطبيقي لأنها أشمل وأعم.
    1- قبل أن تكتب، اقرأ، ثم اقرأ، ثم اقرأ، فالكاتب الجيد هو في الأصل قارئ جيد.
    2- ثق في نفسك، فأعظم الروائيين في العالم ليس لهم ثلاثة أيدي، أو عقلين، أنت تحتاج فقط للعلم والتدريب والممارسة لتكون مثلهم أو أفضل.
    3- حدد هدفك من الرواية، حدد الفكرة العامة والغرض قبل أي شيء.
    4- اكتب باللغة العربية الفصحى، ولا تستخدم العامية أو الدارجة إلا للضرورة القصوى في الحوار، هذا لأن اللغة العربية لغة ثرية وعميقة ومليئة بالمفردات القوية، على عكس العامية.
    5- حاول أن تتعلم اللغة العربية، وتضبط الإملاء والنحو قدر المستطاع، فهذه خطوة أولى لفتح باب كنز اللغة أمامك حتى تقف على جمالها، فجمال اللغة العربية لن تشعر به إلا عندما تقترب منها، لذلك قال القريشيين -أفذاذ اللغة- عن القرآن الكريم: إنه لسحر يؤثر.
    6- اترك لخيالك العنان، فالرواية هي بنت من بنات الأفكار لذا لا تكتب مشهد معين قبل رسمه في خيالك كأنك تراه على شاشة سينما، وسوف تساعدك خبراتك في الحياة على ذلك، فالذاكرة الحية في عقلك سوف تساعدك لاستحضار شخصيات ومواقف مشابهة مررت بها، أو سمعت عنها.
    7- لا تُهمل بحث التيمة، وبحث التيمة يعني البحث والقراءة كثيرا في الموضوع الذي تريد طرحه.
    8- خد وقتك كاملاً في تفصيل الشخصيات، واصنع لكل منها سيرة ذاتية كاملة، وعند تتناول شخصية معينة حاول أنت تصبح أنت تلك الشخصية، لا تفكر بعقلك ولكن فكر بعقلها وتحدث بلسانها واستخدم طريقة تفكيرها.
    9- حدد الغرض العملي من الرواية، بمعنى هل تكتب رواية لتكون رواية مقروءة فقط؟ أم تفكر أن تتحول إلى عمل إذاعي أو درامي مصور، هذا لأن الروايات التي تصلح لهذا الأمر لابد أن يتوافر فيها معايير معينة خاصة بتكلفة الإنتاج السينمائي أو التليفزيوني فيما بعد.
    10- حدد بداية ونهاية روايتك، وهذا شيء في غاية الأهمية حتى لا تتوه منك الأحداث في المنتصف أو تمل.
    11- قم بعمل مخطط للرواية، وللعلم كل كاتب له أسلوب وطريقة في عمل هذا المخطط وليس له قالب جامد، بل أن لك حرية الاختيار في طريقة كتابة هذا المخطط. وجدير بالذكر أن في المنهج التطبيقي سوف نتناول طريقة تفصيل هذا المخطط، لكن للمرة الثانية أنت لك حرية الاختيار في طريقة عمل هذا المخطط.
    12- كن منظماً، واكتب بشكل مستمر ويوميا، حدد وقت صغير وحافظ عليه، فقليل دائم خير من كثير منقطع.
    13- شاهد الأفلام والأعمال الدرامية الجيدة وحاول أن تتعلم منها كيف بنى الكاتب قصته ورتبها، وكيف كان السرد الدرامي والحبكة وبناء الشخصية.

    مرة أخرى السابق غيض من فيض، لكن في نهاية الدورة ستكون هناك مجموعة ضخمة من هذه النصائح التي لابد أن تأخذها بعين الاعتبار.

    راجع المحاضرات السابقة قبل الدخول إلى المنهج التطبيقي بداية من المحاضرة القادمة بإذن الله، والتالي هو مجموعة من الروايات والأفلام الجيدة التي ننصح بقراءتها ومشاهدتها.

     أولا روايات عربية: 
    رجال في الشمس - غسان كنفاني
    رامة والتنين - إدوار الخراط
    كوابيس بيروت - غادة السمان
    الرجع البعيد - فؤاد التكرلي
    لا أحد ينام في الإسكندرية - إبراهيم عبد المجيد
    الخبز الحافي - محمد شكري
    موسم الهجرة إلى الشمال - الطيب صالح
    مالك الحزين - إبراهيم أصلان
    الطنطورية - رضوى عاشور
    انتيخريستوس – أحمد خالد مصطفى
    السقا مات - يوسف السباعي
     شيء من الخوف - ثروت أباظة
    شرف - صنع الله إبراهيم
    المرأة والوردة - محمد زفزاف
    ألف عام وعام من الحنين - رشيد بوجدرة
    باب الشمس - إلياس خوري
    السائرون نياما - سعد مكاوي
    أولاد حارتنا – نجيب محفوظ
    يوتوبيا – أحمد خالد توفيق
    يوم غائم في البر الغربي – محمد المنسي قنديل

     ثانيا روايات عالمية:
    1984 – جورج اورويل
    العجوز والبحر – أرنست هيمنجواي
    قواعد العشق الأربعون – إليف شافاق
    قصة مدينتين – تشارلز ديكنز
    موبي ديك – هرمال ملفيل
    السيميائي – باولو كويلو
    شيفرة دافنشي – دان براون
    الحب في زمن الكوليرا – جابريل جارثيا ماركيز
    عشرون ألف فرسخ تحت الماء – جول فيرن
    آلة الزمن – هاربرت جورج ويلز
    لوليتا – فلاديمير نابوكوف
    قصة حصار لشبونة – خوسيه ساراماجو
    الطاعون – ألبير كامو
    الصخب والعنف – وليام فوكنر
    وإن كنت من أصحاب النفس الطويل فلا تغفل:
    ذهب مع الريح – مارجريت ميتشل
    الحرب والسلام – ليو تولستوي
    الجريمة والعقاب – دوستويفيسكي
    البؤساء – فيكتور هوجو

    ثالثاً أفلام جيدة ينصح بمشاهدتها:
    A Beautiful Mind - Cairo Time - The Kingdom Of Heaven Inception - Cast Away - Interstellar - The Imitation Game Source Code - The Green Mile - Saving Private Ryan The Shawshank Redemption - In Time - Memento The Girl on the Train - The Giver - Forrest Gump The Silence of the Lambs - Braveheart - The Departed The Sixth Sense - Avatar - The Book of Eli Rain Man - Shutter Island

    ونلتقي على خير في المحاضرة القادمة إن شاء الله.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6