000

11 May 2019

  • سؤال وجواب على هامش الدورة

    بالنسبة للسؤال الأول؛ سؤال الأستاذة سعاد سحنون عن الرواية المعاصرة:
    تظل اسئلة عالقة بذهني ،عن الرواية المعاصرة كونها استغنت عن عناصر كانت أساسية في الرواية الكلاسيكية ،اهمها الزمان والمكان ،اطلعت على عدة روايات معاصرة لكبار الادباء وجدت ان عامل الزمان والتسلسل الزمني لم يعد امرا مهما ،والمكان ايضا ،ولقد تخلت الرواية المعاصرة ايضا عن الوصف المكثف ،واكتفت بسرد الحكاية ،ربما تنوع الرواية من رواية تاريخية الى رومنسية وفلسفية جعل لها خصائص تميزها
     بداية هناك قاعدة أولى في الفنون عموما هي (لا قاعدة)، فقواعد كتابة الرواية لم توحى إلىنا من السماء، بل ابتكرها بشر، وللجميع الحق في الابتكار، المهم ألا ينفصل هذا الابتكار عن الذائقة الفطرية للناس، وأن يحكمه في النهاية الإطار الجمالي، وعلى الكاتب اتباع الأسلوب الذي يراه مناسباً، والفصيل والحكم للزمن، لكن يفضل دائما اتباع القواعد وعدم الاغتراب عنها بعيداً فهي اجتهادات لآلاف سبقونا. ويحضرني هنا سؤال سأله أحد الصحفيين للعقاد، قال: ما الفرق بينك وبين شكسبير؟ فقال العقاد: الفرق أن شكسبير يقف على أكتاف أربعة أجيال، أما أنا فأقف على الأرض. نحن في عصرنا الحالي نقف على أكتاف العقاد وأمثاله، فلماذا ننزل لنقف على الأرض؟ .

    السؤال الثاني؛ سؤال الأستاذة أسماء أيمن عن أنواع الراوي في الرواية:
    ما هو الراوي المسمى والراوي المشاهد؟ لو أمكن التوضيح بمثال لكليهما لفض اللبس
    تحدثنا عن الراوي الخبير؛ وهو شخص من خارج الأحداث، والراوي المشارك؛ وهو أحد شخصيات الرواية، والراوي الناقل؛ وهو الذي سمع عن الأحداث من راوي آخر مثل شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة. هناك أيضاً الراوي المسمى، وهو يلتقط أطراف السرد بداخل الرواية في لحظة معينة، كأن نقول: ثم بدأ أحمد يحكي تفاصيل الواقعة فقال... والراوي المشاهد الذي أيضاً يلتقط أطراف السرد ليتحدث عن موقف أو حادثة رآها بعينيه. لماذا إذن يسمى راوي رغم أن كلامه هو حوار (عرض)؟ لأنها لا تكون جملة أو حتى فقرة عابرة، ولكنه يبدأ في سرد طويل عبارة فقرات كثيرة وربما صفحات أيضاً.

     السؤال الثالث؛ سؤال الأستاذة أميرة إبراهيم:
    كان لدي سؤال ان سمحت لي بخصوص القصة التقريرية أو المعتمدة على السرد دون العرض، افهم ان هذا الأسلوب لا يصلح للراوية ولكن هل هو أسلوب مقبول في القصة القصيرة و إن تعددت حلقاتها؟
    بمعنى هل خلو القصة القصيرة من العرض يعيبها؟ خاصة في ظل الإعتماد على راو خبير أو مشارك ؟و اعتذر إن كان سؤالي ليس له علاقة بفن الرواية.
    كان تعقيباً على أن الرواية لا يصح أن تتكون من سرد فقط (بدون حوار)، لأنها في هذه الحالة تصبح رواية تقريرية، لكن في القصة القصيرة فالأمر مختلف، فخلو القصة القصيرة من الحوار هو أحد عناصر قوتها، هذا لأن القصة القصيرة تعتمد في أحد مبادئها على التكثيف، والحوار بها يُضعف من عنصر التكثيف.

    السؤال الرابع؛ وفيه الكلام الكثير..
    اود الإستفسار عن الطريقة المثلى للحوار بين أكثر من شخصين على سبيل المثال حوار قائم بين أربعة أشخاص
    وكان تعقيباً على أن الحوار في الرواية لا يصح أن يأتي في شكل الحوار المسرحي، كأن نقول:
    أحمد: كذا.
    محمد: كذا..
    هذا حوار يصلح للمسرح أو السيناريو، أما الحوار بهذه الطريقة في الرواية هو نقطة ضعف فيها لأنه أولا تقليل من دور الراوي، وثانياً تشتيت لخيال القارئ، فلابد أن يتخلل الحوار فقرات من السرد التي تشرح بأي شكل كان هذا الحوار.
    والسؤال هنا عن الحوار بين أربعة أشخاص.
    هناك نصيحة ضعها كالقرط في أذنك.. لا تفصل روايتك أبدأ عن عالم الواقع.
    بمعنى أن الراوي هو شخص تخيلي، لكن لم تصنعه مصانع فيراري للسيارات، بل أنت من صنعه، الراوي هو أنت، هو أسلوب الكاتب في الحكي.
     احضر زجاجة مياه وضعها أمامك، وابدأ في الحكي لها عن موقف هو عبارة عن حوار دار بين أربعة أشخاص هم (أحمد ومحمد ومحمود وإبراهيم)، ثم اكتب هذا الحكي بنفس الطريقة التي تحكي بها للزجاجة شرط أن تضع في اعتبارك أن تفهم الزجاجة الموقف والحوار.
    بغض النظر طبعا عن كون الزجاجة لن تفهم بأي حال من الأحوال، لكن المقصود أنني كي أحكي لك موقف كهذا فلابد أن أجعلك تفهم الموقف، ولن تفهم لو أنني حكيت لك الموقف بالطريقة التالية:
     أحمد: هيا، لابد أن نتحرك بسرعة.
    محمد: لكن الوقت مازال مبكراً، وسوف يكتشفنا جنود الحراسة.
    إبراهيم: إذا وضعنا أغصان الشجيرات فوق ظهورنا وتحركنا ببطء فلن يرونا.
    محمود: وكيف سنعبر الأسلاك الشائكة؟
    أحمد: هذا القاطع المعدني سوف يساعدنا، بعدها نتسلل إلى مخزن الذخائر.
    محمد: لكن لو انتظرنا قليلا سوف يكون الليل ساترا لنا.
     إبراهيم: الليل مخاطرة لأنهم يتوقعون قدومنا ليلاً، إلى جانب أن الأضواء الكاشفة ستكون عقبة كبيرة.

    هل نحكي لبعضنا المواقف في حياتنا بهذه الطريقة؟ بالطبع لا، فرغم أن مضمون الحوار واضحاً بأنهم مجموعة من الفدائيين في سبيل القيام بعملية في معسكر الأعداء، إلا أن القارئ سوف يتوه بين وجهات النظر فلا يعرف منَ مِن الشخصيات موافق على توقيت العملية، ومن رافض لها.
     لذا، إن جئت أحكي لك موقف كهذا فلابد أن أجعله حوار حي، وهنا يأتي دور الراوي، ليكون المشهد بشكل صحيح بالطريقة التالية:

     أخفضوا رؤسهم وتسللوا بهدوء إلى أن بلغوا حجرا ضخما فاستتروا وراءه، اختلس أحمد نظرة على المعسكر الرابض على البعد كأنه وحش في انتظار اقتراب فريسة، وحين رأي حركة بين صفوف الجند إيذانا بموعد تغيير نوبة الحراسة، أشار إلى أصدقائه قائلاً بهمس: 
    - هيا، لابد أن نتحرك بسرعة.
    لكن محمد عارضه مستغرباً: 
    - لكن الوقت مازال مبكراً، وسوف يكتشفنا جنود الحراسة. تلكأ أحمد في الرد،
    فقال إبراهيم: 
    - إذا وضعنا أغصان الشجيرات فوق ظهورنا وتحركنا ببطء فلن يرونا.
    نظر إليهما إبراهيم متسائلاً: 
    - وكيف سنعبر الأسلاك الشائكة؟
    فهز أحمد رأسه مجيباً: 
    - هذا القاطع المعدني سوف يساعدنا، بعدها نتسلل إلى مخزن الذخائر. .

    وهكذا يستمر الحوار بينما يتخخله الراوي بجمل تفسيرية لا تترك خيال القارئ نهب تأويلات أو استنتاجات قد تقصيه عن المعنى والإحساس الذي أراده الكاتب، مع ملاحظة أن الحوار السابق هو في أبسط أشكاله، فالموضوع قد يكون أعقد من ذلك حسب قوة الكاتب وتمكنه من أدواته التي تجعل المشهد واضحاً ومفهوما للقارئ.
     باختصار، تخيل دائما أنك تحكي الموقف لأحد، وتريده أن يفهم هذا الموقف، ثم اكتب هذا الحكي، حتى لو كان الحوار يدور بين أربعة أو حتى عشرة، فكلما كنت حريصاً أن يستوعب المتلقي الموقف فلن يتوه منك، ولن يسأل السؤال الشهير.. ماذا تقصد؟
    هاني النجار