000

25 May 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (7)

    مازلنا مع المنهج النظري للدورة..
    في المحاضرات السابقة تحدثنا عن مكونات الرواية، وتناولنا الراوي، والشخصية، والحبكة، والزمان، والمكان، والحدث.
    ولا تنس أن هذا كله كلام نظري، لكنه الأساس والعلم الذي يجعلك على دراية بفنيات كتابة الرواية، والعلم أساس الإتقان؛ فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعملون؟
    ولا شك أن الدراسة النظرية البحتة صعبة الاستيعاب، لكن في المنهج التطبيقي بإذن الله سوف تتكشف هذه الأسس النظرية بمثال حي نتعلم من خلاله كيف نبدأ في بناء وكتابة رواية جيدة خطوة بخطوة.

    وصلنا الآن إلى (الصراع)، وهو أحد أهم عناصر الرواية؛ والذي لو خلت منه لأصبحت نيئة بلا طعم.
    الصراع هو العمود الفقري الذي يحمل جسد الرواية، وفكرة الصراع الأساسية على مر العصور هي الصراع بين الخير والشر، ولو أنك تذكر حديثنا عن الشخصية؛ فدون شك أنت تذكر أننا قلنا بأن الشخصية هي المحرك الأساسي للأحداث، والأحداث تؤدي إلى الصراع، والذي بدورة تربطه علاقة وثيقة الصلة بالشخصية، لأن العمل الروائي يعتمد على شخصيات تدفع بالأحداث نحو مجراها الذي خطط له الكاتب، هذه الأحداث هدفها الوصول إلى غايات؛ سواء غايات خيّرة، أو غايات شريرة، وعليه فإن العمل الروائي لابد أن يشتمل على شخصيات تسعى للخير، وأخرى في المُقابل تسعى للشر.
    ومن هنا ينشأ الصراع الذي يُعطي للرواية معناها وقيمتها.

    هذا هو الصراع في أبسط صوره، لكن قد يأخذ الصراع منحنى أو منحنيات أخرى أكثر تعقيداً، فقد يكون الصراع عبارة عن مقاومة الإنسان للواقع، أو محاولة لتغيير عادات وتقاليد مجتمع ما، أو تمرد على قوانين معينة، أو محاولة لمقاومة قوى ظلامية ليس لها وجود ملموس، أو حتى محاربة أعداء في الخيال مثلما فعل "سيرفانتس Cervantes" عندما جعل بطل روايته الشهيرة (دونكيشوت) يحارب طواحين الهواء.
     وإجمالا يمكن القول بأن الصراع هو المقاومة التي تجدها الشخصية، والعقبات التي تقابلها في طريقها لتحقيق هدف ما، وكلما كانت هذه العقبات قوية فإن الشخصية تبذل مجهود أكبر لتخطيها، أي ببساطة يصبح الصراع أعنف، وكلما كان الصراع عنيفاً جاءت الرواية قوية ومؤثرة.

    والمقصود بالعنف هنا ليس العنف المادي، أي ليس المقصود أن تغص الرواية بصفحات تمتلئ بالدماء ومشاهد القتل والسحق والتدمير، ولكن المقصود أن تكون العقبات التي يواجهها البطل -مثلاَ- قوية لدرجة تجعله يصل إلى هدفه بصعوبة.
    هذه العقبات قد تكون خارجية؛ مثل أعداء من البشر، أو حيوانات مفترسة في غابة، أو قوى مجهولة تتربص بالإنسان، أو ظروف مناخية قاسية، أو أعطال في سفينة مسافرة، أو ما إلى ذلك من عقبات تحدث في الواقع متحدية شخص أو مجموعة من الأشخاص.
    وقد تكون عقبات داخلية؛ وهذه الأخيرة يواجهها شخص واحد فقط، لأنها عقبات نفسية، مثل مرض عضال، أو اكتئاب حاد، أو خوف من مواجهة الواقع، أو انطوائية، أو خجل يقف في وجه شخص فلا يقوى على البوح بحبه لطرف آخر على سبيل المثال.
    من هنا نفهم بالتبعية أن الصراع نوعين؛ صراع خارجي، وصراع داخلي.

    ولا تظن بأن الرواية تقوم على أحد النوعين دون الآخر، لا تنس أبدأ أن الرواية لا تنفصل عن الواقع الذي نعيشه، والواقع يقول إنه ليس هناك إنسان على وجه الأرض يحارب معوقات خارجية فقط للوصول إلى هدفه، بل أن هناك معوقات داخلية (نفسيه) أيضاً تقف في وجهه.
    والحق أن الصراع الداخلي أعنف وأشد وأصعب من الصراع الخارجي، وعلى الكاتب أن يعي ذلك كي يعطي روايته العمق الذي يجعلها تنبض بالحياة، ولا تكون فقط مجرد صفحات وفرضيات خيالية تحكي حكاية مسلية.
    من هنا نعود إلى نقطة تحدثنا عنها سابقاً وهي ضرورة أن يُبحر الكاتب في علم النفس تحديداً؛ فهذا العلم سوف يساعده كثيراً على بناء شخصيات واقعية، وصراعات عميقة وصادقة، ولك أن تأخذ على سبيل المثال لا الحصر روايات "دستوفسكي Dostoyevsky"، وكيف وصفه النقاد بأنه كاتب استطاع الغوص إلى أبعد أغوار النفس البشرية، لدرجة أنه يقال بأن مؤسس علم النفس الحديث "سيجموند فرويد" استقى الكثير من أفكاره من ديستيوفسكي.

    إذن الصراع في الرواية خارجي؛ مثل محاربة الأعداء، أو داخلي مثل محاربة المخاوف والشهوات.
    وإجمالاً فإن الصراع هو تصادم قوتين أو أكثر لخلق حالة من التنافس.
    ومن شدة ارتباط الحدث بالصراع؛ طرح النقاد سؤالاً في غاية الأهمية مفاده؛ أيهما سابق للآخر؛ الحدث أم الصراع؟
    أو ببساطة هل الحدث أو الأحداث تؤدي إلى الصراع، أم أن الصراع هو الذي يحرك الأحداث؟

    أهمية هذا السؤال ترجع إلى أن الإجابة تُلقي الضوء على أمر في غاية الأهمية أيضاً على الكاتب ألا يغفله، وهو الفرق بين رؤية الكاتب للرواية، ورؤية القارئ لها.
     بالنسبة للقارئ؛ فإن الأحداث تؤدي إلى الصراع، وهذا ترتيب منطقي، فلو لم أسافر في البحر لما تعرضت السفينة للقراصنة، وما وقع الصراع.
    لكن بالنسبة للكاتب فالتراتب معكوس، الصراع هو ما يصنع الأحداث، هذا لأن الكاتب لا يبدأ في كتابة روايته باعتبارها أحداث دون معرفة مسبقة بالنتائج، إنه لا يرمي بالبطل في البحر ثم ليكن ما يكون، بل أن الكاتب قبل أن يكتب حرفا واحدا من روايته لابد أن يكون محيط بها علما، ويعرف تراتب الأحداث وذروة الصراع والنهاية التي سوف تأول إليها الأحداث، وبالتالي هو يعلم سلفاً أن الصراع سيكون في البحر مع القراصنة، لذا فإنه يخلق الحدث ليكون سفر البطل بسفينة وليس بطائرة.
    أي أنه يمهد الاحداث بما يؤدى إلى الصراع الذي خطط له.
    أما إذا كان البطل يخشى البحر، فإن صراعه الداخلي سيكون مواجهة نفسه أولاً، ومخاوفه التي تعطي الأحداث بُعداً عميقاً فلا تصبح مجرد حكاية مسطحة.

    وعليه نفهم أن الصراع الداخلي يمنح الرواية عمقاً نفسياً، بينما الصراع الخارجي هو الأساس الذي يجعل عجلة الأحداث تتحرك وتزداد حدة وتتأزم المواقف على أثرها، وكذا تنمو الشخصيات القابلة للنمو.

    والصراعات -سواء داخلية أو خارجية- لابد أن تقود الأحداث لذروة نشاطها وعنفوانها، أو ما يُعرف بمصطلح (العقدة)، وهي اللحظة التي يبلغ فيها الصراع أعنف مراحلة، وتتشابك فيها الأحداث بقوة، وبعد العقدة تبدأ حدة الصراع تنحسر لتتكشف عن الحل، وهو نهاية الرواية.

    وعلى الرغم من ذهاب بعض نقاد الحداثة إلى أن التراتب السابق يمكن التخلي عنه، وأنه على الكاتب ألا يرتبط بالمنحنى الكلاسيكي للصراع؛ إلا أن هذا المنحى أقرب ما يكون من الواقع، وأصدق، وأقدر على تحقيق مبدأ هام جداً في الكتابة الروائية، والكتابة بوجه عام؛ وهو مبدأ التشويق. يمكنك إذن أن تتبع الأسلوب الذي تراه مناسباً في رسم منحنى الصراع، لكن لا تحاول الاغتراب بعيداً عن المنحنى الطبيعي (أحداث ثم صراع ثم عقدة ثم حل)، فهذه هي المنطقة الآمنة.

    والآن، هل تظن بأننا يمكن أن نتجاهل مصطلح (التشويق) الذي جاء في معرض الحديث؟
    هذا أمر لا يُعقل أو يجوز، فرغم أن التشويق ليس أحد العناصر الأساسية التي تُبنى عليها الرواية؛ إلا أنه مبدأ لا يمكن إغفاله، لأن التشويق كما قالوا هو أساس المتعة الفنية، هو ما يجعل القارئ أحيانا لا يترك الرواية قبل أن يتمها، هذا إن نجح الكاتب في استثارة فضول القارئ لمعرفة ما سوف تأول إليه الأحداث.
    يقول لنا العلم أن التشويق هو شعور من الفرح والإثارة مختلط مع الخوف والتوتر والقلق، ويأتي من مصدر غامض لا يمكن التنبؤ به.

    سأحكي لك موقف:
    "كان لي صديق وقف يوماً على جسر قصر النيل وهو يبكي، ظل ينظر للماء المتدفق تحته، ثم فجأة صعد فوق حاجز الجسر.." 
    السؤال البديهي الذي سوف تطرحه أنت: "ثم ماذا حدث؟"، وفي عقلك شعور بالإثارة لمعرفة هل رمى نفسه في النهر وانتحر؟ هل جاء أحد وأنقذه؟ وإذا كان أنهى حياته منتحراً فلماذا فعل ذلك؟ ما الأسباب التي جعلته يُقدم على إتيان هذا الأمر المُفجع؟

    هذه الأسئلة هي ما تحرك شعور التشويق، فنحن بني آدم خلقنا الله تعالى نكره المجهول من حولنا، نحاول جاهدين سبر أغوار كل غامض وخفي.
    الإنسان يسعى دائما للتحرك من أرض المجهول إلى أرض المعلوم، يبحث دائما عن إجابة لكل سؤال يطرأ على خاطره، وعلى الكاتب أن يستفيد من هذه الحقيقة كي يُشعل جذوة الإثارة في نفس القارئ، ويجعله دائما يتساءل:
    هل سيحدث كذا؟ أم سيحدث كذا؟ 

     سأحكي لك الآن الموقف السابق بطريقة مختلفة:
    "كان لي صديق استعاذ بالله من الشيطان، ونزل من فوق حاجز جسر قصر النيل بعدما كان يخطط للانتحار" 
     هل الجملة السابقة بها أي نوع من الإثارة أو التشويق؟
    بالطبع لا، هذا لأني كشفت لك النتيجة أولاً، وبالتالي لم أعط الفرصة للأسئلة كي تتوارد إلى ذهنك، لم أضع أمامك أي مجهول كي تفكر في كشف حقيقته.

    وأقوى أنواع التشويق هو الذي يجعل القارئ معلق الأنفاس، فتخيل رجل يجري في غابة، يبحث عن مكان يختبئ به، بينما في أعقابه أسد يحاول افتراسه، صعد الرجل فوق شجرة فوجد عش نحل متوحش، وأسفله تمام خرج من جذع الشجرة ثعبان ضخم، كل هذا والأسد رابض في الأسفل.
     هنا سوف يفترض عقلك (ببساطة) أن هذا الرجل ميت لا محالة، لكن غريزة البقاء هي غريزة نشترك فيها جميعا، وبدون وعي سوف تضع نفسك مكانه، ولن تتقبل فكر الهزيمة هكذا بنفس (البساطة) التي افترضها عقلك، وسوف تبحث -دون وعي- عن الحل حتى لو كان هذا الحل معجزة من السماء، وبالتالي سوف تُكمل القراءة لتكشف حقيقة المجهول الذي غمي عليك، وتعرف النتيجة.

    .إن المثال السابق يعطيك مفتاح مهم جدا للنجاح في إثارة الفضول والتشويق لدي القارئ، وهو أن تجعل الصراع (كأن) نهايته هزيمة حتمية، أن تجعل العقبات التي يواجهها البطل صعبة (كأنها) غير قابلة للهزيمة.
    اجعل أعداء بطلك أقوياء دائما، وعليه أن يجاهد ويفعل المستحيل للوصول إلى هدفه.
    اجعل بطلك مصاباً بفوبيا الأماكن المغلقة، ثم ضعه في موقف هروب خلال نفق ضيق.
    اجعله يخشى المرتفعات، ثم ليكن نجاحه في الوصل إلى هدفه لا يتم إلا بصعوده ناطحة سحاب.

     باختصار؛ لا تغفل أن يكون الصراع قوياً، والأحداث مشوقة ترمي دوماً في عقل القارئ أسئلة تبحث عن إجابات، وألغاز تحتاج حلول.

    ونكمل في المحاضرة القادمة بإذن الله
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6