000

19 May 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (6)

    انتهينا في المحاضرة السابقة من الشخصية، وشرحنا كيفية بنائها في العمل الروائي، وفي هذه المحاضرة بإذن الله سوف نتناول معالجة الحدث والزمان والمكان.
    لاحظ أننا نتحدث –نظرياً- عن العناصر التي تُبنى عليها الرواية، وبمراجعة سريعة لما مضى؛ فإن الرواية تتكون من ثلاثة مكونات أساسية هي الراوي والمروي له والحكاية، وأنها تُبنى على عناصر أساسية، وأخرى فرعية.
    من أهم عناصرها الأساسية هو الشخصية، وأفردنا لها محاضرتين، وقلنا إن الشخصية هي الفاعل للأحداث، والقوة المولدة لها، والأحداث تتراكب على بعضها ضمن سلسلة منطقية من أسباب تؤدي إلى نتائج، وهو اختصار مفهوم الحبكة.
    وكلما كانت الأسباب قوية ومنطقية، جاءت الحبكة قوية ومٌقنعة، وبالتالي خرجت للعالم رواية جيدة وذات ثقل.
    وقلنا أيضاً أن الرواية ليست مجموعة من الأحداث تُروى، فالأحداث التي تُروى هي الحكاية، أما الرواية نفسها فلابد أن تكون حكاية محكومة بحبكة درامية قوية.
    ليس هذا وحسب، بل لابد أن تتناول فكرة جيدة وأن تحمل قيمة ورسالة.
     وهناك ثلاثة عناصر مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً، هي الحدث والزمان والمكان؛ تُبنى عليها الرواية إلى جانب العناصر سابقة الذكر.
    في القصة القصيرة يمكن التخلي عن الزمان والمكان، لكن في الرواية فإن الزمان والمكان لهما أهمية كبيرة، ومن الصعب التخلي عنهما، لكن ليس من المستحيل، بيد أن خلو الرواية من الزمان والمكان هو مغامرة محفوفة بالمخاطر لا يرتادها سوى كاتب قوي جداً، ومتمكن لأبعد حد من أدواته، لأن كتابة رواية خالية من الزمان والمكان هي تقنية صعبة للغاية، وصعوبتها تكمن في قدرة الكاتب على الاحتفاظ بتركيز القارئ وخياله.
    وإذا كان التخلي عن عنصري الزمان والمكان في الرواية أمر صعب، فإن التخلي عن عنصر الحدث أمر مستحيل، فبدون الحدث لن تكون هناك رواية، إذ لا يمكن تصور حدث بدون شخصية، أو شخصية بدون حدث، ومن هنا يقول البعض بأن الشخصية والحدث هما شيء واحد، وهذا أمر في غاية المنطقية، ففي حياتنا لا يمكن تخيل فعل بدون فاعل، أو فاعل بدون فعل.

    أولا الحدث: 
    هو تفاصيل الحكاية، والحامل الشرعي للفكرة الأساسية والأفكار المرتبطة بها، والرواية لا تحتوي حدث واحد، بل مجموعة من الأحداث تعمل على ترابط الحكاية بحيث يكون كل حدث هو تمهيد أو مقدمة لحدث آخر في سلسلة سببية.
    ويوضح الفكرة مثل إنجليزي قديم يقول بأن سقوط المسمار من حدوة الفرس أدى إلى ضياع الحدوة، وضياع الحدوة تسبب في سقوط الفرس، وبسقوط الفرس سقط الفارس، وخسر الجيش الحرب.
    بمعني أن أسباب صغيرة قد تؤدي لسلسلة من النتائج التي تعمل بدورها على دفع الأحداث نحو ذروة الصراع، ثم العقدة والحل، ثم نهاية الحكاية.
    لذا قد تبدأ الأسباب بسيطة، ومع تقدم الأحدث تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، وهو ما يشرحه مفهوم "أثر الفراشة"، إذ يقول العلماء أن رفرفة أجنحة فراشة في الهند قد يساهم بشكل أو بآخر في إعصار يضرب الولايات المتحدة.
    أي باختصار قد تبدأ الأحداث بأسباب بسيطة للغاية تتضافر مع بعضها لتودي إلى نتائج ضخمة في النهاية.
    الحدث في الرواية هو مجموعة من الأفعال، وكلما نجح الروائي في ترتيبها بشكل صحيح ومُقنع، فإن فرصة جذب القارئ للرواية تصبح أكبر، وبالتالي يتلقى الرسالة التي يرمي إليها الكاتب.
    والحدث لا يتشكل في الفراغ، فرغم أنه ينبت في خيال الكاتب لكنه لا ينفصل عن الوعي الواقعي، إذ لا بد أن يُقدم بشكل أدبي وفني ولكن مرتبط بالواقع، وهذا لا يعني الواقع المجرد، ولكن الواقع المنطقي، فبطل الرواية الموظف البسيط لا يمكن أن نجعله مالك لسيارة روز رايز، فهذا مناف لواقع قدرته الشرائية، اللهم إلا لو كان موظفاً مرتشياً.
    مرة أخرى؛ الحدث لا يتشكل في الفراغ، بل في بيئة تتكون من زمان ومكان، ولهذا قلنا في البداية أن العناصر الثلاثة –الحدث والزمان والمكان- بينهما ترابط من العسير جدا التخلي عنه في العمل الروائي.

    ثانياً الزمن: 
    بداية هل تعرف ما هو الزمن؟
    الزمن -وفق الموسوعة الحرة- هو عملية تقدم الأحداث بشكلٍ مستمر وإلى أجل غير مسمى، بدءً من الماضي مروراً بالحاضر وحتى المستقبل، وهي عملية لا رجعة فيها، ومتعذر إلغاؤها.
    لذا فنحن نفهم بداهة أن الزمن هو خط مستقيم، أو كما عرّفه القدماء؛ نهر يتحرك من الماضي مروراً بنا في الحاضر ويستكمل طريقه نحو المستقبل.
    وقد لاحظ البشر أن جميع الحركات في الدنيا، وجميع الظواهر الفيزيائية بداية من حركة الشمس والكواكب، وحتى اهتزاز جسم معلق؛ تستغرق فترات زمنية متساوية، ومن هنا استطاعوا ابتكار مواقيت للزمن.
    وبدون الخوض في تعريفات علمية وفلسفية أكثر تعقيدا؛ نستطيع القول بأن الزمن هو حركة الأجسام في حيز مكاني، لكن لاحظ أن الزمن بأبعاده الثلاثة ليس له وجود خارج الوعي والإدراك، فنحن في حضور دائم، والزمن ينتقل بنا من آن إلى آن، أي من حاضر إلى حاضر، فحركة الكرة من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) استغرقت دقيقة على سبيل المثال، إذن عندما كان الكرة عند النقطة (أ) كانت في الحاضر، وعندما وصلت إلى النقطة (ب) أصبحت في الحاضر أيضاً، بينما وجودها عند النقطة (أ) صار ماض لا نستطيع الرجوع إليه والتعديل فيه كي يؤثر على حدث مستقبلي، هذا الحدث أصبح حاضراً بالنسبة لنا.
    لماذا نذكر ذلك رغم أنه قد يبدو بعيداً عن فنيات كتابة الرواية؟ 
    حتى تكون مدركاً لطبيعة الزمن وتعرف كيف تتلاعب به في العمل الروائي، فقدرة الكاتب على التلاعب بالزمن تمنح العمل عمقاً فنياً، فالأحداث تتحرك وفق نمط زماني من الماضي، مروراً بالحاضر، ثم إلى المستقبل، لكن هذا النمط ليس فرضاً على الكاتب، إذ أن الكاتب لابد أن يكون بهلوانا مع الزمن تحديداً، يقفز على حباله، ويشكله كيفما يشاء، فالتراكب الزمني للأحداث ليس شرطاً بل قد يستخدم الكاتب تقنية "فلاش باك"، فيستحضر أحداثاً من الذاكرة تؤثر بدورها على الحاضر.
    ولعل من أشهر أمثلة التلاعب بالزمن؛ ما فعله وليام فوكنر في روايته "الصخب والعنف"، لدرجة أن الفيلسوف جان بول ساتر تساءل متعجباً:
    "ما الذي جعل فوكنر يجزّئ الزمن في روايته ويمزج هذه الأجزاء بلا ترتيب؟" 
    والشاهد إجمالاً أنه لا مناص أن يملك الكاتب رؤية أعمق للزمن بشكل عام، والزمن الروائي على وجه الخصوص، فالزمن ليس نوع واحد، بل هو اثنين؛ الأول هو الزمن الفيزيائي؛ وهو الناموس الكوني الذي يشترك فيه كل البشر، أو هو الزمن الخارجي والقانون الذي لا يستطيع أحد الخروج عليه.
    فالكرة التي تحركت من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) استغرقت زمن قدره دقيقة.
    هذا ما تقوله ساعتي، وساعتك، وساعات العالم كله.
    لكني كنت على عجلة من أمري، أتوق إلى اللحظة التي تصل فيها الكرة، لذا شعرت بأن هذه الدقيقة هي ساعة كاملة، بينما أنت كنت تكره وصول الكره ولا تريدها أن تصل، لذا فقد شعرت أن هذه الدقيقة مرت كأنها ثانية.
    تخيل فريق كرة القدم الذي تُشجعه متقدم بهدف في إحدى المباريات، وباقي من الزمن عشر دقائق قبل أن يُطلق الحكم صافرة النهاية، لا شك أن هذه العشر دقائق سوف تمر عليك كأنها عشر ساعات، فالزمن سوف يمر بطيء جداً، تمام مثل لحظات الحزن في حياتنا، الوقت فيها يمر كأنه لا يمر.
    بينما مشجع الفريق المنافس سوف تمر عليه الدقائق العشرة في لمح البصر، تماماً مثل لحظات السعادة في حياتنا؛ تمر سريعاً جداً.
    هذا هو مفهوم الزمن الداخلي، فداخل وعي كل منا مقياس آخر للزمن هو الزمن الخاص بنا، وهو ذا طبيعة تختلف عن الزمن الفيزيائي، فإن كان الزمن الخارجي ثابت، فإن الزمن الداخلي يبطئ أو يُسرع من إيقاعه حسب المواقف والأحداث التي نمر بها.
    واختصاراً يمكن القول بأن الزمن في الرواية لا ينفصل عن الزمن الواقعي، وهو إما زمن خارجي (فيزيائي)، أو زمن داخلي (نفسي).
    والفرق بينهما أن الزمن الخارجي تتحكم فيه الحبكة الدرامية، إذ من غير المعقول أو المنطقي أن أروي حدث هو عبارة عن سفر شخص من القاهرة إلى الإسكندرية، تحرك القطار في الرابعة، وفي الرابعة وعشر دقائق قابل صديقه على شاطئ البحر.
    مرة أخرى هذا غير منطقي وقصور في الحبكة الدرامية، فلم يخترع البشر حتى الآن قطار يقطع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية في عشر دقائق.
    أما الزمن الداخلي فهو متحرر من قيود الحبكة، إذ يمكن أن يعيش بطل الرواية أحداث بخياله تستغرق أيام وشهور، أو يرجع بذاكرته إلى الوراء أعوام؛ ثم يستفيق ليجد أنه لم يمر عليه في الواقع سوى دقائق.

    ثالثاً المكان: 
    المكان ببساطة هو الحيز الجغرافي الذي يحوي حدث ما في زمان ما، هو الأرض التي تدور عليها أحداث الحكاية، ويعيش فوقها أبطال هذه الحكاية.
    وكما أسلفنا فإن المكان مرتبط بالزمن والحدث ارتباط لا فكاك منه، فتخيل أنك تكتب رواية تدور أحداثها في مصر أيام حكم الأسرة العلوية، فإن الحيز الجغرافي هنا (المكان) هو مصر، لكن لابد من تحديد أكثر، لتكون على سبيل المثال مدينة القاهرة.
    هل من المنطقي أن أتحدث في أحد المشاهد عن رجل يرتدي بنطال جينز؟ أو آخر صدمته سيارة مسرعة؟ أو ثالث يتحدث في الهاتف النقال؟
    الزمان هنا فرض قانون لا نستطيع العبور فوقه، كما أن المكان أيضاً فرض قانون خاص به، فالرجال في ذلك العصر كانوا يرتدون الطرابيش، والنساء كن يرتدين اليشمك والحَبرة، لكن لو كان المكان هو صعيد مصر، فلا شك أن الملبس يختلف، واللهجة نفسها تختلف، وكذا العادات والتقاليد، وبالقياس لو كان المكان مدينة أوروبية.
    ولا شك أن الحديث عن المكان هو حديث طويل ومتشعب، وفيه تفاصيل كثيرة، لكن أهم ما يُقال هنا هو نصيحة لكل كاتب، فهناك خطأ يرتكبه الكثيرون خاص بالمكان.
    إن الرواية تختلف تماماً عن المسرحية، فالمسرحية يلعب فيها المكان دوراً أساسياً تبعاً طبيعة المسرحية نفسها التي تُقدم على خشبة مسرح محدود المساحة، فلو كان المكان هو فصل دراسي على سبيل المثال؛ فهو ثابت والشخصيات تدخل وتخرج بترتيب فني إلى هذا المكان.
    لكن الرواية عالم متكامل رحب وغير محكوم بعوامل إنتاجية، لكن بعض الروائيين يسجنون رواياتهم في مكان أو أماكن محدودة كأنها مسرحية.
    اترك لخيالك العنان، وتحرك بالأحداث في الزمان والمكان بكل حرية، حتى تُعطي روايتك روح الحركة كي تبدو كأنها حياة حقيقية مليئة بالشخصيات المختلفة، والأحداث.

    والسؤال هنا، هل على الكاتب أن يربط العناصر الثلاثة -الحدث والزمان والمكان- ببعضهم دائما في كل مشهد من مشاهد الرواية؟
    بالطبع هذا ليس ضروريا، ولكن على الكاتب أن يكون واعياً لأهمية ربط الحدث بالزمان والمكان، ومتى يتحتم إجراء هذا الربط ومتى لا يكون ضرورياً.
    إلى جانب الاهتمام بأن يكون الربط داعما يجعل القارئ يتعايش مع أحداث الرواية.

    ونكمل في المحاضرة القادمة بإذن الله.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6