000

11 May 2019

  • احترف فن كتابة الرواية (5)

    مازلنا مع المنهج النظري للدورة، والذي اعتذرنا عن كونه طويل بعض الشيء، لكننا لم نكن نستطيع بأي حال من الأحوال الدخول مباشرة إلى المنهج التطبيقي دون المرور عليه من باب إتقان العمل، فالمنهج النظري هام جداً كي يجعلك تحيط علما، وتزداد فهما حول آلية كتابة الرواية.
    في المحاضرات السابقة تحدثنا عن بنية هذه الدورة، ثم تحدثنا عن الراوي، وعن السرد والعرض (الحوار)، وفي المحاضرة السابقة تناولنا الشخصية. وفي هذه المحاضرة نستكمل الحديث بإذن الله عن بناء الشخصية في الرواية.

    بناء الشخصية ليس بالأمر المُعقد كما تظن، فالحياة من حولك مليئة بالأنماط التي تجعل هذه المهمة يسيرة إلى حد ما، والسر إجمالا في بناء شخصية جيدة يكمن في قدرة الروائي على خلق شخصية ثلاثية الأبعاد تنبض بالحياة، وليس شخصية مسطحة.
    ما معنى هذا الكلام؟
    لن أقل لك انظر إلى من تعرفهم في الحياة، ولكن انظر إلى نفسك، واطرح هذا السؤال البسيط.. مما تتكون أنت؟
    أنت تتكون من ثلاثة مكونات هي الروح والنفس والجسد، كل مكون من الثلاثة مخلوق من مكان معين، ومن مادة مختلفة عن الأخرى، لذا كل مكون يفعل ما يجعله يعود إلى المكان الذي خُلق منه.
    الروح مخلوقة من الجنة لذا فهي تسعى دائما للخير كي تعود إلى موطنها ومستقرها.
    والنفس من نار، لذا هي أمارة بالسوء وتفعل الشر كي ترجع إلى النار التي خرجت منها.
     والجسد خُلق من تراب الأرض، لذا لا يريد أن يبرحها ويلهث دائما وراء الراحة والشهوات والخلود ومُلك لا يبلى في الأرض التي خُلق منها. .

    السابق بلا شك هو كلام فلسفي ليس عليه دليل شرعي، ولكنه فقط مثال لتقريب المعنى ولفهم المقصود، وفي الوقت ذاته آلية تجعلك تفهم كيفية تحليل الشخصية البشرية، ومن ثَمَ طريقة إعادة بنائها.
    وعليه نفهم أن الإنسان يحمل بداخله الخير والشر في آن، وأنه ليس هناك خير مُطلق، كما أنه ليس هناك شر مُطلق.
    إذن بناء على الفرضية السابقة؛ فأنت تتكون من نوعين من الصفات هي الصفات الفسيولوجية (الجسدية)، والصفات السيكلوجية (النفسية)
    الصفات الفسيولوجية هي طول قامتك، وزنك، ملامح وجهك، لون عينيك، لون بشرتك .. إلى آخره.
    أما الصفات السيكلوجية فهي نسبة الذكاء أو الغباء، الأنانية أو الإيثار، الطيبة أو الشر، وكذا الأمراض النفسية التي تحملها؛ فقد تكون مصاب بالاكتئاب، أو تكره المجتمع الذي تعيش فيه (سيكوباتي)، أو أنت حاقد على الناس، أو محب لهم، قد تكون ممن يعانون من اضطرابات النوم، أو لديك نوع من الفصام.. وما إلى ذلك.
     إلى جانب أن هناك عوامل أخرى تؤثر على تكوين شخصيتك، مثل مستوى تعليمك، أو إدمانك للتدخين أو الكحول أو المخدرات، أو مشاهدة التلفاز، الطبقة الاجتماعية التي خرجت منها، البيت الذي تربيت فيه، والأسرة التي كنت واحداً من أفرادها، أصدقائك ومعارفك، أفكارك وتوجهاتك وانتماءاتك.. إلى أخره.

    إذن فعند بناء شخصية لابد من تحديد صفاتها الجسدية والنفسية أيضاً لأن هذه الصفات سوف يكون لها بالغ الأثر على الدوافع والغايات. لأن كل شخص في الحياة له أهدافه التي يسعى للوصول إليها، وهذه الأهداف تختلف من شخص لآخر تبعاً لصفاته، فالفقير يسعى للغنى، والذي يشعر باضطهاد في مجتمعه يسعى للهجرة عنه.. وهكذا.
    دوافع وغايات الشخصية هي ما تحرك الأحداث وتصنع القصة برمتها، فالرجل الذي نشأ في بيئة صالحة لابد أن يسعى لصلاح المجتمع، والعكس بالعكس.
    وهذا ما يسميه النقاد (أثر الشخصية)، لأن كل شخصية في العمل الروائي لابد أن يكون لها أثر، هذا الأثر يتضافر من غيره ليصبح محرك رئيسي للأحداث.

    وعليه يمكن القول بأن الشخصية تُبني على أربعة أبعاد هي البُعد الجسدي، والبُعد النفسي، والبُعد الفكري، والبُعد الاجتماعي.

    أولاً البُعد الجسدي: 
    وهو –كما أسلفنا- المظهر الخارجي للشخصية؛ بنية الجسد، شكل الملامح، العمر، نوع الملبس، ولهذا البعد أهمية تجعل القارئ يتعرف على المظهر الظاهري للشخصية، وكذا تساعده على تكوين فكرة مسبقة عن الجوانب الأخرى في حياة الشخصية، إذ يمكنه التعرف على المكانة الاجتماعية وحتى الأفكار والتوجهات من خلال نوع الملابس، وملامح الوجه. فرجل ذو لحية صهباء كثة، وملامح وجه مجعد، يرتدي جلباب أبيض، وفي يديه مسبحة؛ هو رجل كبير في السن، ومتدين. نحن لم نذكر ذلك، ولكن القارئ توقعه بداهة من مجرد ذكر الصفات الظاهرية للشخصية.
    ثانياً البُعد النفسي: 
     وهو البُعد الأعمق، والبحر الذي لابد للروائي من خوضه والغوص إلى أعماقه، من هنا كان لابد أن يكون الروائي ذو ثقافة واسعة بعلم النفس تحديداً، لأن هذا العلم يساعده على الأبحار في أعماق النفس البشرية. لابد للروائي أن يكون قادر على رسم البعد النفسي للشخصية بشكل صحيح، لأنه سوف يكون له بالغ الأثر على أفعال الشخصية فيما بعد، فأفعال الشخص المحب المتسامح، تختلف عن أفعال الكاره المليء بروح الانتقام، أفعال الانطوائي المتشائم تختلف عن أفعال المنفتح المتفائل. والخطأ الذي يرتكبه الكاتب في هذه النقطة تحديداً هو ألا يكون ممسكاً بتلابيد الشخصية، فتتفلت منه أفعالها، فعلى سبيل المثال لو أني أكتب عن شخص متشائم دائما، فكيف أجعله في أحد المشاهد يضحك ويرمي بالنكات والأفاكيه على أصدقائه؟! إن هذا الفعل منافياً لطبيعة الشخصية، وغير مُقنع للقاريء. مع ملاحظة أن هذا ليس على وجه العموم، فهناك نوع من الشخصيات يحدث لها نمو وتحولات، وهذا ما سوف نشرحه حالاً.
    ثالثاً البُعد الفكري: 
    هل تتوقع أن هناك شخص على سطح الأرض ليس له توجهات وأفكار خاصة؟ ليس له انتماء ديني أو عرقي أو قومي أو سياسي؟ نعم هناك نوع واحد فقط من الشخصيات ليس لها بُعد فكري؛ هو المجنون، وحتى المجنون له أفكاره وعالمه الخاص، ألم يقل القدماء: "خدوا الحكمة من أفواه المجانين"؟ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك شخص ليس له أفكاره وقناعاته وانتماءاته، هذه الأفكار والقناعات والانتماءات هي ما تُحدد سلوكه، فشخصية روائية على سبيل المثال لا تحب كرة القدم، فلماذا تذهب لمشاهدة إحدى المباريات وتنفعل معها. هناك شخصية موالية للسلطة الحاكمة، فلماذا تخرج في تظاهرة ضد هذه السلطة؟ إلا لو كان هناك اعتبارات وعوامل أخرى تتحكم في الأمر. واختصار لابد من تحديد توجهات وأفكار الشخصية، وانتماءاتها.
    رابعاً البعد الاجتماعي: 
    هل تعتقد أن أفعال الوزير تشبه أفعال الخفير؟ بالطبع تختلف أفعال الشخصية حسب المكان الذي تشغله في المجتمع، لكل مكانة اجتماعية أفعالها الخاصة المرتبطة بثقافتها وميولها ورغباتها وغاياتها وأفكارها والزاوية التي ترى من خلال العالم. الطالب يختلف عن الموظف، والعامل يختلف عن الفلاح، والطبيب يختلف عن المهندس، وهكذا، فكل منهم نال قسطا مختلفاً من التعليم والثقافة، وبالتالي لكل شخصية أفعالها الخاصة التي لابد ألا تتنافى مع طبيعتها. فلا يمكن تصور بدويا ينقذ امرأة من الغرق، لأن السؤال البديهي هنا: أين أتقن العوم؟

    مرة أخرى هذا بوجه عام لتقريب المعني، فربما يكون هناك شخص نشأ في مدينة ساحلية ولا يعرف العوم، وغيره نشأ في بيئة صحراوية ولا يطيق حرارة الشمس والعطش، لكن إجمالا لابد من تناول القاعدة العريضة للمجتمع محل الرواية وفق نمط هذا المجتمع وسلوكياته.

    هذه هي الأبعاد الأربعة التي نبني الشخصية من خلالها، ولابد أن يكون لكل شخصية سيرة ذاتية حسب مكانها من العمل الروائي. 

    وهناك أمر مرتبط بالشخصية لابد من التطرق له، وهو جنس الشخصية؛ فمما لا شك فيه أن هناك فرق كبير بين شخصية الرجل وشخصية المرأة، وعند بناء الشخصية لابد من الوعي بأن هناك فرق بين الجنسين حتى لو اجتمعا في الصفات سابقة الذكر.
    ففي النهاية المرأة كائن تحركه العاطفة إجمالاً، وهذا ما يجعلها شخصية قابلة للنمو والتحول أكثر من الرجل، وهذا يأخذنا إلى النقطة التالية والأخيرة وهي النوعين الأساسيين للشخصية في العمل الروائي.
    فشخصيات العمل الروائي إما شخصيات ثابتة لا تحدث لها تحولات نفسية وبالتالي لا تتغير أفعالها، والنوع الآخر هو شخصيات نامية، تنمو مع سيرورة الأحداث وتتحول من الخير إلى الشر، ومن الشر إلى الخير، من شخصية انطوائية إلى شخصية اجتماعية، من شخصية لاهية إلى شخصية لها هدف واضح.. وهكذا.
    التحولات الشخصية هي أحد أسرار نجاح الرواية، لكن لابد من ملاحظة أن هذه التحولات لا تحدث فجأة ولكن لابد أن تسبقها عوامل تساعد لحدوثها. فأحد أفراد العصابة لا يمكن أن يتحول إلى مساعدة الضحايا هكذا دون سبب، والشاب اللاهي لا يمكن أن يتوب ويتحول إلى داعية دون سبب.
    وهذا يرجع بنا إلى الحبكة، تذكر دائما أنه كلما كانت الأسباب قوية ومقنعة، كان التحول واقعيا ومُقنعا.

    والخلاصة، لابد للكاتب أن يكون واعيا حال بناء شخصيات روايته، وأن يخصص لكل منها سيرة ذاتية كاملة، البعض يكتبها في كراس خاص، والبعض يحفظها بذاكرته. افعل ما تراه مناسباً، المهم هو بناء الشخصية بشكل صحيح حتى تصبح أفعالها واقعية وقابلة للتصديق.
    ويذكر أليكساندر أستريمسكي أحد أفضل التقنيات لرسم شخصية حية؛ وهو ابتكار جرح لها في الماضي، إذ يقول بالنص:

    " ابتكر جرحا نفسيا للبطل، مشكلة باطنية، معاناة معينة تمنعه من الحياة الهادئة. فذلك يجعل البطل حيا وعميقا ومفهوما للمتفرج، والا فسيبقى البطل "نيئا" وسطحيا.. خذ البطل وابتكر له جرحا نفسيا، وستستغرب كيف يصبح بطلك ثلاثي الأبعاد أمام ناظريك."

    وأخيراً فإن الشخصية لا تُبني في الرواية بسرد جاف، ولكنها تُبنى بطريقتين، إما بطريقة تفسيرية؛ كأن يقوم الراوي بالحديث عنها أو يرد ذكرها على لسان أحد الشخصيات. أو بطريقة تعبيرية؛ وهي الطريقة الأكثر احترافية، وفي هذه الطريقة نجعل القارئ يكتشف الشخصية من تلقاء نفسه من خلال أفعالها وسلوكياتها وطريقة حوارها مع الشخصيات الأخرى.

    وبلا شك أنه في المنهج التطبيقي سوف تضطح هذه الأمور أكثر..
    ونستكمل في المحاضرة القادمة بإذن الله.
    هاني النجار

    (احترف فن كتابة الرواية) رقم الإيداع: 2019MO2833 - الترقيم الدولي: 978-9920-796-28-6