000

28 May 2017

  • أكتب القصة القصيرة باحتراف 4

    انتهينا في المقال السابق من عملية تفصيل القصة حسب الأسس العشرة التي حددناها، والمبادئ السبعة لكتابة القصة القصيرة، ولم يبق سوى الإمساك بالقلم والبدء في كتابة القصة.

    ولكن قبل هذه الخطوة لا بد أن هناك سؤال هام يدور في ذهنك الآن، وهو ذات السؤال الذي يدور في ذهن كل دارسي القصة القصيرة..
    هل تُكتب القصة بهذا الشكل المعقد؟ أي هل عليك أن تضع الأسس والمبادئ أما عينيك وتقوم بتفصيل القصة على النحو الذي ذكرناه آنفا كل مرة؟

    في الواقع لا، ولكن هذه العملية تشبه صعود السلم لأول مرة، لابد أن تنظر جيداً للدراجات وتعي أبعادها وارتفاعها، ولكن بعد ذلك أنت تصعد السلم بدون النظر لهذه الدرجات.
    هذا هو نفس الحال عند كتابة القصة القصيرة، فبعد وقت قصير ستكتشف أنك لا تهتم بالأسس والمبادئ ومع ذلك تخرج قصتك تلقائية متماشية مع قواعد كتابة القصة القصيرة، لذا عليك معرفتها وتعلم تقنية الكتابة تلك في البداية فقط، ومع الوقت ستجد أن تكتب القصة بمنتهى الاحترافية اعتمادا على حاسة خاصة ستنمو وحدها مع مرور الوقت.

    تعال الآن نبعث الحياة في مثالنا، ونرى كيف تكون القصة في شكلها النهائي..

    كِش مات

    الوزير الأسود في مواجهة الملك العجوز.
    الفيل يحتل الوتر الأبيض، والرخ على رأس عمود الملك الكهل لا يفصله عنه سوى بيدق ضعيف سلاحه الوحيد حزام ناسف حول خصره.
    الحصان يتكاتف مع ملكه ويشكلان خطراً داهماً من الجهة التي كان يوجد بها الوزير الأبيض الراحل، والمأسوف على أمره.
    يا له من موقف عصيب، وغريب في ذات الوقت، بداية الدور لم تكن تنبأ أبداً عن النهاية التي آل إليها. قطع الأسود تحاصر الملك العجوز الواقف خلف فلوله وكتائبه عاجزاً عن رد هذا الهجوم الماكر.

    حدق في رقعة الشطرنج، وتطلع إلى قطعه المتهالكة والمنتشرة بلا فائدة كغثاء السيل، وبكل العافية الباقية في ذراعه الواهن، وبكل الشجاعة التي وهبه الله إياها مد أنامله المرتجفة والتقط الملك. حاول أن يخفيه بعيداً عن فوهات المدافع، وقصف الطائرات، وقانصات العدو. حاول أن يقصيه بعيداً عن أذرع الجرافات قبل أن تهدم قصره فوق رأسه.
    حاول، لكنه فشل.
    في سرعة البرق تحرك الوزير الأسود بضع خطوات قاتلة.. "كِش مات"
    حدق في الرقعة مرة أخرى وراح يتأمل.. أربعة وستون مربعاً ولا مخرج؟ مستحيل، لابد أن يكون هناك حل.
    اعتصر تفكيره حتى النخاع دون طائل، لكنه رفض الاستسلام وبداخله شعور دفين بأن هناك مخرج ما لكن عيونه عاجزة أن تراه.
    غريمه يبتسم في غرور وزهو، عاقداً ذراعيه أما صدره، منتشياً بالنصر الذي ساقه الحظ إليه وبات وشيكاً إن لم يكن قد تحقق بالفعل، وصاحبنا مازال غارقاً في أفكاره وأوهامه بالمخرج المزعوم.
    حاول الابتعاد بأفكاره قليلاً عن الدور في محاولة للهدوء والتركيز أكثر، أشار إلى نادل المقهى يستعجله بالمشاريب، ثم التفت جهة اليسار يتطلع إلى قسماته وملامحه التي تطالعه فوق صفحة إحدى المرايا التي تلف حوائط المقهى.
    لم تعد في رأسه شعرة سوداء واحدة، أصبحت التجاعيد كالموج الهادر في بحر وجهه الذي نهلت منه السنين ما نهلت. أخرج من جيبه صورة فوتوغرافية قديمة.. جسد ممشوق يافعاً، وذراعان تنفر فيهما العضلات، وملامح وسيمة تفيض بالشباب والحيوية، وامرأة فاتنة تتأبط ذراعه.
    ابتسم في سخرية وقال: "كان زمان"
    شرع يقلب في مخزن ذكرياته عله يجد شيئاً مفرحاً..
    "هنحارب.. هنحارب"
    لا يدري لمَ راح يتردد هذا الهتاف في أذنيه؟ هو.. محمولاً على الأكتاف، يهتف والجموع من خلفه: "هنحارب.. هنحارب"،
    مرارة هزيمة يونيو مازالت في حلقه، ونشوة الانتصار لم تعرف إلى قلبه سبيلاً، مات عبد الناصر، مات الرجل الذي كان إذا تكلم صمت الجميع.
    صوت العندليب مازل يملأ مسامعه.. "مين اللي قال كنتِ بعيدة عنى.. وانتِ اللي ساكنة في سواد النني"
    عبد الراضي، صديق عمره راح شهيداً على أرض سيناء، محاسن حبيبته وزوجته وأم أولاده لم يعجبها الحال، أخذت الأولاد وذهبت إلى أهلها في الصعيد، قالوا له: "لو حاولت تقرّب من العيال هانكسر رجلك."
    العلم المصري يرفرف فوق أرض طابا، والعلم الإسرائيلي يرفرف في قلب قاهرة المعز.
    لم تغير الهتافات شيئاً، ولم يعثر في صندوق ذكرياته على شيئاً مفرحاً يُساعده على الخروج من حالة الضيق التي كان يعالجها في تلك الأثناء.
    تنبه غير واعِ على يد تربت على كتفه أعقبها صوت أجش:
    - "موقفك عصيب، انصحك بالاستسلام."
    دوت كلمة الاستسلام في اذنيه كأنها قصف رعد، التفت إلى صاحب الصوت الذي همَّ بالجلوس مسنداً عصاته إلى حافة الطاولة متسائلاً:
     - "مع من تلعب اليوم؟"
    فنظر صاحبنا نحوه واليأس يطل من عينيه قائلاً:
    - "مع نفسي، ورغم ذلك كما ترى!"
    ابتسم صديقه وقال بنبرة بحاء:
    - "هيا بنا نستنشق بعض الهواء واترك هذا الدور فإنه منتهي."
    فكر قليلاً ثم هز رأسه إيجاباً على مضض، تناول عصاته وهمَّ بالنهوض، لكن نظرة أخيرة على رقعة الشطرنج جعلت عيناه تلمع في ذهول، فصرخ:
     - "لا لم ينتهِ الدور .. ها هو المخرج."

    تمت 

    في المقال القادم سنتابع بمجموعة من النصائح حول عملية كتابة القصة القصيرة، وكذا أشهر التيمات، ومثال آخر وأخير إن شاء الله.
    هاني النجار
    عــدد الزيــــــــارات: